أبعد من المحكمة الدولية:
دعوات واضحة لإحياء تسوية 1943


بقلم: د. ماري ناصيف ـ الدبس

في العاشر من حزيران الحالي، تدخل الإتفاقية الموقعة بين الأمم المتحدة وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة حيّز التنفيذ في ما خصّ تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي التي ستنظر في جرائم الإغتيالات التي طالت، منذ 14 شباط 2005، شخصيات سياسية وإعلامية لبنانية لها دورها المؤثر في الحياة العامة. وفي مقدمة هذه الشخصيات رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، الذي من أجله قامت تلك المحكمة بالأساس.
وإذا كان مجلس الأمن الدولي قد وضع عنواناً لقراره ذي الرقم 1757 يدعو الى "الإحترام الصارم لسيادة لبنان وسلامته الإقليمية ووحدته واستقلاله السياسي"، إلا أنه تجاوز صلاحياته واعتدى على دستور لبنان، الذي دعا للحفاظ عليه، عندما أضاف في آخر الفقرة المذكورة "تحت السلطة الوحيدة والحصرية لحكومة لبنان"... وهو العليم بأن السلطة التنفيذية تكمن في مجلس الوزراء مجتمعاً وليس في الحكومة لوحدها.
وبغض النظر عن الجدل القائم حول شرعية الحكومة الحالية، ومن قبلها شرعية رئيس الجمهورية الممدد له، وبغض النظر عن التحفظات التي طرحتها بعض الدول العظمى وبعض التجمعات الإقليمية، لا بد لنا من التوقف أمام الإتجاهات السياسية الواضحة المعالم في القرار 1757 والتي ستؤثر ـ باعتقادنا ـ على الوصول الى الحقيقة التي نريدها ... عدا عن أنها تضع لبنان تحت وصاية جديدة، وإن تكن "الوصاية الدولية" هذه المرة.
والسبب في العودة الى قرار المحكمة ومحتوياتها يكمن في مجموعة العوامل التي رافقت البحث في صيرورتها وتفاقمت بعد صدور قرارها، ليس فقط في الوضع المتفجر الذي نعيش مآسيه، مجدداً، بل كذلك في التصعيد السياسي والتحولات الواضحة التي ميزت بعض البرامج السياسية، وفي مقدمتها ورقة "قوى 14 آذار" الصادرة مساء الخميس الواقع فيه 31 أيار الماضي، أي بعد بضعة ساعات فقط على صدور القرار.
أولاً- في قرار المحكمة ذات الطابع الدولي
لقد شكل القرار 1757، في مسألتين جوهريتين خرقاً واضحاً للسيادة اللبنانية:
فهو، من جهة، عمد الى سابقة خطيرة لم نشهد لها مثيلاً من قبل في تاريخ تشكيل المحاكم الدولية. إذ فرض مجلس الأمن معاهدة على دولة ذات سيادة، فقط لأن حكومة تلك الدولة لم تستطع تأمين الإجماع الوطني حولها... وهذه السابقة ستؤدي، إن في لبنان أو غيره من الدول، الى لجوء مجلس الأمن، كلما سنحت له الفرصة، الى التدخل في الخلافات الداخلية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة... الأمر الذي يضيف خطراً جديداً الى الخطر الذي يشكله حق النقض" الفيتو" في التحكم بمصائر شعوب العالم...
وهو، من جهة ثانية، وضع تلك المعاهدة ـ السابقة تحت الفصل السابع، بما يعني أن الدولة اللبنانية أصبحت ملزمة بتنفيذ قانون قال فيه بعض المشترعين الدوليين الكبار أنه يتناقض مع مفهوم السيادة الوطنية اللبنانية ومع القوانين الجزائية اللبنانية... وإذا لم تنفذ، تحولت الى "دولة مارقة" يمكن الإقتصاص منها، ومن شعبها، على غرار ما جرى في يوغوسلافيا السابقة والعراق وغيرهما...
وإذا كنا نحمّل المسؤولية الأولى في ما جرى الى الحكومة السنيورية، أو ما تبقى منها، لإستعجالها الأمم المتحدة في إقرار مشروع المحكمة دونما تعديل ودون الأخذ بمصلحة الوطن العليا... وإذا كنا نرى في هذا الإستعجال محاولة تهدف، ليس الى معرفة الحقيقة سريعاً بل الى القبض بالكامل على زمام السلطة... فإننا، في الوقت عينه، نرى في موقف المعارضة التقليدية الكثير من الإبهام الذي أدى بها الى الظهور بمظهر الساعي لمنع الوصول الى المحكمة، خدمة لأغراض ومصالح إقليمية، بعضها سوري، وليس لمنع تسييس أعمال المحكمة وقراراتها فقط، بعد إزالة الشوائب القانونية الكبيرة التي تتضمنها... فأعطيت إدارة الولايات المتحدة الأميركية، عبر هذا الموقف الضبابي، إنتصاراً مجانياً، في وقت تكاد تغرق فيه في وحول العراق وأفغانستان وفي رمال الإرهاب الذي أسسته إدارات جمهورية وديمقراطية سابقة، منذ عهد رونالد ريغان...
ثانياً- في بيان "قوى 14 آذار": الخروج من الصراع العربي ـ الإسرائيلي
إذا، المسؤولية مشتركة، داخلياً، بين المعارضة والحكومة. وليس فقط في مجال صدور القرار 1757 بالشكل الذي صدر عليه. بل وكذلك في إسراع "قوى 14 آذار" بوضع برنامج جديد للتسوية السياسية وللحكم في لبنان، وعدم تحرك "قوى 8 آذار" للتعليق على محتواه الخطير، إن لم نقل لرفضه (بإستثناء مسألة إنتخابات رئاسة الجمهورية والمقدمة التي تحدثت عن صمود حكومة فؤاد السنيورة.
يستوقفنا، بداية، ما جاء حول صيغة 1943 التي كانت سبب الحروب الأهلية والإنقسامات الطائفية التي عصفت بلبنان، وبالتحديد في العام 1958 وبعد العام 1975... فالبيان يجد فيها "تسوية تاريخية تجاوزت التقابل الحاد الذي كان قائماً آنذاك"، بما يعني أن الدعوة موجهة، اليوم، من فريق السلطة لإعادة إقتسام (جديدة) للجبنة عبر "إحياء التسوية التاريخية"... وهو أمر لا يمكن أن يفسر إلا إنقضاضاً على دستور 1990، لا بما أدخله من تثبيت لطائفية الرؤساء، بل بما تضمنه من ضرورات الإصلاح السياسي، وفي مقدمتها إلغاء الطائفية في مجلس النواب وفي الإدارة العامة، واستكمالاً تأسيس الهيئة الوطنية للبحث في إلغاء الطائفية نهائياً؛ وإلا كيف يمكن تفسير مفهوم "الميزة الحضارية" المطروحة علينا من خلال التنوع الطائفي الذي يجب أن يحل محل "منطق الثنائيات أو الثلاثيات الطائفية"؟
إضافة الى هذا الهدف الأول، الذي يمكنه إرضاء المغبونين في بعض الطوائف الكبرى والصغرى، يلفتنا الحديث عن ضرورة "تغيير الزمن الذي بدأ في أواخر الستينيات"، أي عندما دخل لبنان مرحلة الكفاح المسلح، بعد أن سيطرت منظمة التحرير الفلسطينية، يومها، على بعض مناطق الجنوب وفي مخيمات اللاجئين.... ذلك أن الإستشهاد بمرحلة الستينيات، التي يجب تغييرها وفقاً للبيان، قد ارتبط بمسائل ثلاث تؤدي كلها الى إتجاه واحد: الخروج من الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
وهذا الخروج، كما جاء في البيان، يكون بإلزام المقاومة تسليم سلاحها وفقاً لما جاء في إتفاق الطائف حول سلاح الميليشيات. يلي ذلك تكليف الأمم المتحدة ـ وهي قد كلفت نفسها أصلاً ـ التفاوض بإسم لبنان مع إسرائيل وسوريا "حتى إنجاز ترسيم الحدود وإعادة العمل بإتفاق الهدنة"، وهو إتفاق يحدد عديد الجيش اللبناني وعتاده على حدودنا الجنوبية، بما يسمح لإسرائيل الدخول الى أراضينا والخروج منها ساعة تشاء وكيفما تشاء... كما أنه، بنظر "قوى 14 آذار"، لا يشكل حتى بديلاً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهو أمر تضمنته النقطة الثالثة في إشارتها الى "نظام المصلحة العربية" الذي رسم معالمه "إعلان الرياض" الصادر عن القمة العربية الأخيرة.
إذاً، واستكمالاً لقرار المحكمة ذات الطابع الدولي تحت الفصل السابع، ما تريده الأكثرية لا يتعلق بإعادة الإعتبار الى مبدأ العدالة وبوقف جرائم الإغتيال... ما تريده يتلخص في استكمال وضع اليد على السلطة، التي هي الأساس في كل محتويات البيان والتي جاءت جلية واضحة في خاتمته، على وجه الخصوص: "إجراء الإنتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري والتي يجب أن يكون المعيار الإستقلالي أساسياً فيها، تليها حكومة وحدة وطنية....". والمعيار "الإستقلالي"، هنا، يعني الإتيان بأحد رموز 14 آذار، لإكمال الدائرة: سمير جعجع، مثلاً، أم نسيب لحود، أم، ربما، جوني عبده، الذي يوجه خيوط اللعبة من مقره خارج البلاد، على بعد أمتار من عبد الحليم خدام، صاحب "الأيادي البيضاء" في لبنان الواقع تحت الوصاية السورية؟
... بإنتظار معرفة الجواب، وما ستؤول اليه التسويات في مجال إعادة توزيع الحصص بين الطوائف "غير السيادية" والطوائف "غير التحررية"، عملاً بقانون الفرز والضم، هل يدرك المسؤولون في ما يسمى بالموالاة والمعارضة نتيجة "الكباش" الدولي ـ الإقليمي في لبنان، الذي تستخدم فيه، اليوم، أسلحة الإرهاب الآتي الينا عبر تنظيمات مثيلة لفتح الإسلام تتقاطع فيها أجهزة المخابرات (الشقيقة والصديقة) المتنوعة المنتشرة في ربوعنا وتصرف، لها وعليها، الأموال الطائلة، وبعضها لبناني المصدر....؟
وإذا ما أدركوا، هل سيتحركون للمواجهة الفعلية مع الإرهاب... "قبل خراب البصرة"؟
 

 

 

 

 

 الصفحة الرئيسية

 

نسخة للطباعة

 

 الصفحة السابقة


(c) Lebanese Communist Party - 2006
Designed by Comrade Wissam Matta