سياسة الدولة وفلسفة "الاصلاحات الاقتصادية "

 

 

ان فلسفة خبراء الحكومات المتعاقبة منذ اتفاق الطائف والتي يسمونها "الاصلاحات الاقتصادية" هي امرُ وادهى مما يسميه البنك الدولي "برنامج الاصلاحات الهيكلية " ، فالبنك الدولي يعترف بدور الدولة ويتفاوض معها من اجل تخفيف تدخلها وتقديماتها في القطاعات والاحتياجات الاساسية وخاصة قطاعات الخدمات العامة (الكهرباء، مياه ،هاتف،صحة، تعليم، وغيرها) وذلك مقابل منح القروض والديون ، لكن فلسفة "الاصلاحات الاقتصادية" التي اتبعتها وتتبعها السلطة الحاكمة  في لبنان تقوم على تغيير جذري لدور الدولة في المنطق السياسي الاجتماعي والمنطق الاقتصادي معا:

-     المنطق الاقتصادي يلغي دور الدولة كليا في تقديم الخدمات العامة، التي تشكل حق من حقوق الانسان ومكتسبات حققها بنضالات طويلة لكي يعيش بالحد الادنى من الكرامة والتقديمات، التي من المفروض على الدولة ان تؤمنها لكل مواطن مهما اختلف وضعه الاقتصادي والاجتماعي .

- في المنطق السياسي تعمل هذه السلطة الحاكمة على تسهيل اعمال الشركات الخاصة والتابعة لأهل السلطة نفسها لتلبية حاجات المواطنين من الخدمات العامة واحتياجات العيش والبقاء .فلسفة هذا المنطق السياسي تقوم على ان ليس للشعب حقوق طبيعية ومكتسبة، وتحول المواطنين بقدرة قادر الى مجرد مستهلكين لهذه الخدمات والسلع ، فقط لمن يملك القدرة على شرائها ويدفع ثمنها في الاسواق التجارية .

 

هذه الفلسفة شكلت منهجية مبرمجة اتبعتها وتتبعها الدولة لتدمير كل المؤسسات العامة، ويتجلى ذلك بعدم الاهتمام بتنشيط  واصلاح عملها المؤسساتي والاداري وتأهيل كادراتها ، فعتبرتها مؤسسات فاشلة مترهلة واصلاحها ليس له جدوى ، ومن الافضل تصفيتها وبيعها للقطاع الخاص .

فالسياسة التي اتبعت بتنفيذ بعض المشاريع ضمن خطة اعادة الاعمار لمعالجة مشاكل هذه القطاعات العامة يمكن وصفها  بعدم التجانس والتوازن وعدم ارتباطها ببرنامج زمن يخدم خطة اعادة الاعمار.هذه المنهجية كانت فاشلة ولم تعالج لب المشاكل . فالمشاريع التي نفذت هي كناية عن عقود منفصلة غير متجانسة وغير متوازنة نفذت بالتناتش والمحاصصة بين اهل السلطة وازلامها لمنافع شخصية وطبقية لتحالف مالي عميل واقطاع سياسي طائفي تجاري فاسد قليل الطموحات جامح الشهية للمال السائل .

هذه الاستراتجية والمنهجية ادت الى ما نحن عليه من واقع انهياري في جميع قطاعات الخدمات العامة وادارات الدولة بشكل عام ، فلا بد من كشف تأثيرات هذه المنهجية على بعض من هذه القطاعات العامة، اهمها:

 

          قطاع الكهرباء   

 

    واقع الحال والمشاكل الاساسية

 

يبين واقع الحال في هذا القطاع الحيوي الذي له انعكاسات بنيوية على مختلف النشطات الحياتية والاجتماعية والاقتصادية والمالية والاجتماعية بانه يعيش وضع انهياري كامل ومن اهم مشاكله :

 

1-    كلفة انتاج الطاقة الكهربائية غير طبيعية حيث تفوق كلفة كل كيلواط/ساعة 14 سنت( سنة 2006 برميل النفط بسعر 60 دولار) هذه الكلفة هي اعلى كلفة في المنطقة ، نتيجة استخدام المازوت الغالي الثمن بدل الغاز الطبيعي.

2-    هدر في نقل الطاقة يفوق 15% من الطاقة المنتجة (تقدر قيمته ب211مليون دولار سنويا).

3-    هدر في التوزيع سرقات وتلاعب بالعدادات يفوق 35% من الطاقة الموزعة (تقدر قيمته ب283 مليون دولار سنويا ).

4-     هدر بعدم اكتمال الجباية يفوق 10% من الطاقة المفوترة (يقدر ب95 مليون دولار سنويا).

5-    هدر في بيع الطاقة للامتيازات الخاصة يقدر ب 135 مليون دولار سنويا .

6-    الهدر العام سنة 2006 يفوق المليار دولار .

7-    تعاني مؤسسة كهرباء لبنان من مشاكل مؤسساتية جمة اهمها : سوء التنظيم الاداري،غياب التحديث الاداري والمالي، فقدان انظمة المراقبة والمحاسبة ، تداخلات سياسية ومحسوبيات ومحاصصة، ترهل الجهاز البشري ، عدم وجود تقارير موثوقة(مالية،احصائية،ومعايير اداء) عدم امكانية ادارة ديونها واهمال كامل من قبل السلطة السياسية.

8-    حسب دراسة المؤسسة عن تعرفة مبيع الطاقة عام 2003 يتبين بان المؤسسة تتكبد خسائر بحدود 128 مليون دولار جراء دعمها للشطور المتدنية . هذا لا يعني اطلاقا بان المؤسسة تبيع الطاقة باسعار رخيصة ، لكن كلفة الانتاج مرتفعة جدا هذا ما يؤدي الى هذه الخسارة . فلو كانت كلفة الانتاج معقولة لما كانت هذه الاسعار تعتبر مدعومة او خاسرة بل بالعكس تماما . واذا قارنا تعرفة الطاقة في منطقة الشرق الاوسط وشمالي افريقيا لتبين بان سعر بيع الطاقة في لبنان هو الاعلى .

9-    بسبب هذه الاوضاع تعاني المؤسسة من مشاكل مالية ضخمة فافت خسائرها عام 2006 المليار دولار .

هذا الواقع معروف للجميع كتب عنه مجلدات وتقارير ومقالات ،وكلف الملايين من الدولارات للشركات المختصة التي درست وخططت واعطت النصائح ,ولكنها لم تكشف الحقيقة والاسباب التي ادت الى هذا الواقع ,واذا لم تكشف الحقائق والامور لايمكن طرح الحلول الناجعة التي فعليا تحدد المخرج الصحيح والوطني لهذه الكارثة الوطنية .

 

الاسباب الرئيسية التي ادت الى هذاالواقع

 

1-    محور هذه الاسباب يكمن في السياسة والمنهجية التي اعتمدتها السلطة منذ 1990 لمعالجة مشاكل قطاع الكهرباء ، والتي ارتكزت على عدم التجانس والتوازن في تنفيذ المشاريع وربطها ببرنامج زمني يخدم المشروع المتكامل ، فالمشاريع التي نفذت كناية عن عقود منفصلة غير متجانسة وغير متوازنة لا من حيث التنسيق الزمني ولا من حيث التكامل العملي لا في الانتاج ولا في النقل والتوزيع . هذه الاخطاء الاستراتيجية ادت الى هذا الواقع الانهياري قي قطاع الكهرباء . فهل هذا هو المطلوب لبيع القطاع في المزاد العلني وخصخصته ؟.

2-    في مجال الانتاج تم انشاء عدة مصانع تعمل على الغاز الطبيعي (معامل دير عمار،الزهراني،بعلبك وصور) لكن تم تشغيلها على المازوت الغالي الثمن مما ادى الى هذه الكلفة المرتفعة جدا لانتاج الطاقة.

3-    كل الوقائع تدل على ان الامكانية كانت متوفرة لنأمين الغاز الطبيعي لتشغيل هذه المصانع على الغاز وتوفير مئات ملايين الدولارات سنويا(قدرت عام 2006ب370 مليون دولار) وتخفيض كلفة الكيلواط/ساعة حتى 3-4 سنت .

4-    كارتل المشتقات النفطية للشركات الخاصة المرتبطة عضويا بالسلطة الحاكمة حارب بشراسة تأمين الغاز الطبيعي لمعامل الانتاج ومنع البحث الجدي فيه، وفرض تجاهل العديد من العروض الجدية لتأمين الغاز . هذا الكارتل النفطي تحكم بتأمين المشتقات النفطية لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان عبر مناقصات صورية حقق من خلالها ارباحا طائلة على حساب الشعب اللبناني .

5-    تدل كل مؤشرات الطاقة في مؤسسة كهرباء لبنان على هدر فادح في الطاقة (فني،غير فني سرقات وتلاعب بالعدادات ،وعدم اكتمال الجباية) يتزايد سنويا حيث شكل عام 2006 مبلغا يفوق 580 مليون دولار . فهل هذا لا يعتبر هدرا للمال العام يعاقب عليه القانون ؟ لماذا لم يتحرك مجلس النواب والنيابة العامة لوقف هذا الهدر ومعاقبة السارق والذي يحميه ؟ .

6-    اعتمدت السلطة سياسية الاهمال المتعمد للوضع المؤسساتي في كهرباء لبنان منسجمة مع نفسها في المنهجية العامة التي اعتمدت في كل المؤسسات العامة ، فتجنبت اجراء اي اصلاح اداري ومؤسساتي في المؤسسة . فهل يعقل تسليم هكذا مؤسسة ادارة هذا المرفق المعقد بهكذا ادوات ادارية ومالية ومؤسساتية . فهل الهدف افشال المؤسسة لتبرير بيعها بالمزاد العلني على مذبح الخصخصة.

7-    لم تعط السلطة اي اهتمام لموضوع الطاقة البديلة ( الشمسية، طاقة الريح ، الطاقة الحيوية ، الطاقة الموجية وغيرها ) رغم العديد من الدراسات والاقتراحات الجدية التي تملأ ادراجها . علما بان العديد من البلدان المجاورة والمحيطة تستفيد من هذه الطاقة بشكل ملموس وفعال .

8-    تجاهلت السلطة النتيجة الاولية لدراسات التنقيب عن الغاز والنفط في المياه الاقليمية اللبنانية التي اجريت في عام 2001 والتي اثبتت وجود كميات جدية من النفط والغاز الطبيعي . لم تتابع السلطة هذا الموضوع فمرة اخرى تثبت بأنها لا تملك خطة واضحة متكاملة لانماء وتطوير هذا البلد. 

 

يتبين بوضوح تام مما ذكر اعلاه ان سياسة السلطة الحاكمة ومنذ البداية وحتى الان تهدف الى بيع قطاع الكهرباء والتخلص منه باي ثمن، وبتشجيع دائم من البنك الدولي، واخيرا من الدول المانحة في باريس 3 . فالحكومة الحالية تعهدت في باريس 3 التخلص من مرافق الخدمات العامة ، مقابل كمية من الدولارات للخزينة لسد فؤائد الدين العام،  غير عابثة مما تحمله هذه السياسة من مصائب على احوال ومعيشة الغالبية الساحقة من اللبنانيين.

فاصبح واضحا اندفاع الحكومة الحالية لتمرير بعض المراسيم واتخاذ مجموعة من الاجراءات في هذه الظروف السياسية المعقدة لتضع اي سلطة لاحقا تحت وضع الامر الواقع .  

 

ما المطلوب وما هي امكانية الحل   

 

كان بالامكان ان يحصل توازن مالي في مؤسسة كهرباء لبنان واعادتها الى سابق عهدها كمؤسسة ناشطة ورابحة ، لو كان لدى السلطة خطة متكاملة واضحة بعيدة النظر لمعالجة اوضاع الكهرباء الانية والوسطية والبعيدة المدى . قطاع الكهرباء قطاع معقد ومتشابك لا يمكن حل مشاكله بتنفيذ المشاريع بالتناتش والمحاصصة والصراعات والمحسوبيات الطائفية والسياسية.

 المطلوب لحل مشاكل هذا القطاع واعادة توازنه الانتاجي والمالي والاداري والمؤسساتي وضع خطة ومنهجية انية ومتوسطية وبعيدة المدى، تبتعد عن نصائح البنك الدولي التي اثبتت فشلها في العديد من الدول، ورفض شروط الدول المانحة في باريس 3 ، تبنى على قواعد علمية سليمة تحافظ على اموال الدولة ومصالح الشعب وترتكز على بعض الامور الاساسية التالية:

 

1-    التراجع عن القانون رقم 228تاريخ 31/6/2000 الذي يؤدى بشكل او بآخرالى خصخصة قطاع الكهرباء ، لان خصخصة هذا القطاع بهذه الادارة والذهنية والمنهجية ستفشل وستشكل كارثة وطنية على قطاع الكهرباء نفسه وعلى الشعب اللبناني بكامله .

2-    فتح ملف هدر المال العام بعدم تأمين الغاز الطبيعي لانتاج الطاقة الكهربائية ومعاقبة المسؤليين عنه وتغريمهم . والعمل باسرع وقت ممكن لتأمين الغاز الطبيعي من سوريا ومصر عبر الانبوب الجاهز من حمص الى دير عمار او انشاء محطة للغاز السائل في سلعاتا كما اقترح على الدولة عدة مرات .  وذلك لخفض كلفة الطاقة المنتجة بشكل ملحوظ .

3-    فتح ملف هدر الطاقة من سرقات وتلاعب في العدادات وتطبيق القانون الجزائي رقم 632 الصادر عام 1997 والقاضي بسجن المعتدي على شبكة الكهرباء و تغريم السارق وحاميه واعادة اموال الشعب الى الخزينة .

4-    العمل على تخفيض الهدر في النقل و التوزيع من 15 % الى 3% المعدل المقبول عالميا ، وخفض عدم الجبابية الى2% معدل مقبول عالميا ومطبق في الامتيازات الخاصة للكهرباء . هذاما يوفر اموال طائلة سنويا يمكن توظيفها لاحقا.

5-    الاقدام على اصلاح جذري مؤسساتي واداري ومالي في المؤسسة بعيدا عن المحاصصة والمحسوبيات  وفضح كل من يعرقل هذا الاصلاح والتشهير به .

6-    من الاموال الموفرة انشاء مصنع جديد مشابه لمعمل دير عمار بطاقة 450 مغاوات يعمل على الغاز الطبيعي وذلك  باسرع وقت ممكن لسد الحاجات الانية من الطاقة . اكمال شبكة التوزيع 220 كيلوفولط والتي تتطلب وضع عشرة اعمدة في مكانها لانجازها , واكمال شبكة الريط السباعي مع البلدان العربية عبر سوريا والتي تتطلب وضع عامود واحد في مكانه لتشغيلها (بعض النافذين يحولون دون وضع هذه الاعمدة) . مما يوفر من الهدر على الشبكة ، و يعطي وفر مالي ملحوظ .

7-    الاهتمام فورا بالطاقة البديلة وخاصة الشمسية منها لتسخين المياه والتدفئة وتشجيع المواطنين على استعمالها بكافة الوسائل مما يوفر كمية كبيرة من الطاقة الكهربائية .علما ان بلدان عديدة مجاورة تستفيد من هذه الطاقة بشكل ملموس وفعال( قبرص ، اليونان، الاردن ، الامارات ) .

8-    الاسراع بعملية التنقيب عن الغاز والنفط في المياه الاقليمية اللبنانية .

 

من حق المواطن اللبناني ان يعرف اين ذهبت الاموال التي دفعت حتى الان على قطاع الكهرباء والتي تفوق باعتراف المسؤليين أنفسهم 12 مليار دولار . لقد ذهبت بشكل اساسي الى جيوب الكارتال النفطي وسارقي التيار الكهرباء ومن يحميهم، فالمواطن يدفع فاتورة الكهرباء ثلاث دفعات فاتورة الدولة،فاتورة المولد، وفاتورة يدفعها من امواله العامة في خزينة الدولة تسكيرا للسرقات والهدر . أفلا يحق لهذا الشعب ان يطالب" ممثليه " في مجلس النواب ، والنيابة العامة ان يضعوا أيديهم على هذا الملف لتبيان الحقائق ومحاسبة وتغريم المسؤلين عن هدر اموال الشعب ؟.

لذا نطرح الصوت عاليا وندعوا جميع اللبنانيين بكل اطيافهم السياسية والطائفية والحزبية وكل النقابات والفئات الشعبية والاقتصاديين الشرفاء ونقابات وقطاعات المهن الحرة والصناعيين للانتباه لما يحضر لهم من سياسات لبيع قطاعات الخدمات العامة لصالح حفنة من الاستثمارات الدولية وشركات التأمين التي ستتحكم بمصير هذا الوطن وشعبه .

 

 

         

 

  قطاع المياه

 

ان الانطباع السائد لدى غالبية المواطنين و السياسيين في لبنان بأن المياه في لبنان متوفرة وكافية ونحن نعيش على بحيرة من المياه , حتى ان بعض السياسيين يطرح امكانية بيع المياه مستقبلا الى الدول المجاورة ,وتعمل على تسريب هذا الانطباع بعض الدوائر الغربية والاسرائيلية الطامعة بمياهنا .

مشكلة المياه في الشرق الاوسط ستكون في المدى المنظور احدى المسببات الرئيسية لصراعات مختلفة في المنطقة, فلا بد من وضع سياسة وطنية شاملة للاستفادة من مياهنا وحمايتها من الاطماع .

الحقيقة اننا في لبنان حاليا يمكننا السيطرة فقط على 20% من المياه المتوفرة لدينا ولبنان يعيش مشكلة جدية في تأمين حاجاته من المياه .

 

المواد المائية في لبنان

 

تقدر كمية الامطار والثلوج المتساقطة فوق الاراضي اللبنانية بحوالي 8600 مليون متر مكعب, يتبخرمنها اكثر من 4300 مليون متر مكعب ومياه مشتركة مع بلدان مجاورة تقدر حوالي 820 مليون متر مكعب ومياه سطحية 2200 مليون متر مكعب ومياه جوفية 1280 مليون متر مكعب .

كمية المياه المبدئية التي يمكن للبنان ان يحصل عليها حاليا باحسن الاحوال 3480 مليون متر مكعب  . فعليا المياه السطحية الممكن السيطرة عليها لا تتجاوز 1300 مليون متر مكعب والجوفية لاتزيد عن 400 مليون متر مكعب وبالتالي نؤكد بان لبنان يمكنه ان يسيطر فقط على 20% من موارده المائية , لذا يعيش ازمة فعلية بتأمين حاجاته من المياه, والتقنين منتشر في جميع الاراضي اللبنانية .

 

حاجات لبنان المائية

تقدر دراسات وزارة الطاقة والمياه عام 2004 بان حاجات لبنان خلال فترة الشحائح (تموز-تشرين الاول) لكافة القطاعات ري, صناعة , ومياه شفة  تفوق 985 مليون متر مكعب اما الموارد المائية في تلك الفترة لا تزيد عن 295 مليون متر مكعب فيكون العجز المائي حوالي 690 مليون متر مكعب . اما الوضع المستقبلي حتى عام 2030 ( حسب معطيات وزارة الطاقة والمياه) واذا بقيت الموارد المائية على حالها ستكون حاجات لبنان 1955 مليون متر مكعب والعجز سيفوق ال 1660 مليون متر مكعب .

 

سياسة الدولة في قطاع المياه

 

 في البدء لا بد من التأكيد بان تأمين المياه للمواطن هو واجب على الدولة ان تقدمه كخدمة عامة  وحق من حقوق الانسان  للعيش بالحد الادنى من الكرامة . يعاني اللبنانيون   منذ عهود من ازمات و مشاكل في تامين المياه ان كان من حيث الكمية او النوعية وفي جميع المناطق , فازمة مياه الشفة في بيروت وضواحيها لم تجد حلا لها منذ 40 عاما رغم فيضان من الاقتراحات والدراسات والتوصيات, فعناصر المشكلة تكمن باربعة موضوعات اساسية :

-         تحديث الجهاز الفني والاداري.

-         تحديث العمل الاداري وتطويره.

-         معالجة الهدر في شبكات التوزيع الذي يقدر بارقام قياسية تقترب من نصف كمية المياه الموردة.

-         تأمين مصادر جديدة كافية لسد العجز المائي .

 

سياسة السلطة الحاكمة في الموضوعات الثلاث الاولى رغم اهميتها معروفة منذ ما بعد الطائف وتتمحور بعدم الاهتمام بمعالجة الامور المؤسساتية للمؤسسات العامة واعتبارها فاشلة ولا يمكن اصلاحها ويجب التخلص منها وبيعها للقطاع الخاص, فهذه المنهجة تجعل من مؤسسات قطاع المياه عاجزة عن حل امورها الاساسية في التخطيط والتنفيذ والتشغيل والصيانة بعيدا عن الازدواجية والمحاصصة والفوضى.

اما في ما يخص تأمين مصادر جديدة للمياه لسد العجز القائم, وضعت وزارة الطاقة والمياه سنة 1999 خطة عشرية ترتكز على تأمين موارد مائية اضافية : بناء السدود والبحيرات الجبلية , تغذية المياه الجوفية , تطوير مياه الشفة والري والصرف الصحي ومحطات التكرير لاعادة استعمال المياه لاغراض الري او التغذية الاصطناعية للمياه الجوفية . عدا عن ذلك مجلس الانماء والاعمار, و مجلس الجنوب ووزارة المهجرين ومؤسسات محلية و دولية وضعت العديد من الدراسات التفصيلية ومجلدات من التقارير والاقتراحات لمعالجة مشاكل قطاع المياه. فاذا اطلعت على كل هذه الدراسات والخطط والبرامج لتولد لديك انطباع باننا بالف خير والمياه ستعوم في لبنان, ولكن اذا نظرت بتفحص الى واقع التنفيذ فترى المصيبة .

 

منهجة السلطة وسياسة تنفيذ المشاريع

 

-         اهمال , انتقائية , محاصصة ,محسوبيات ومماطلة بمعالجة الامور المؤسساتية والادارة والمالية في جميع مؤسسات قطاع المياه .

-         تنفيذ المشاريع بالتناتش والمحاصصة المناطقية والسياسية ومنهجية غير متوازنة ومتجانسة وهدر في المال العام . الخطة العشرية لوزارة الطاقة والمياه(عام1999) تلحظ تنفيذ حوالي 33 سد وبحيرة جبلية نفذ منها بصعوبة فقط سد شبروح . لم ينفذ اي مشروع جدي لحل مشكلة تأمين مياه الشفة  لبيروت وضواحيها, عولجت المشكلة بمشاريع ترقيعية صغيرة قليلة الفعالية وقصيرة المدى   فبيروت عطشى والمياه تمر امام انفها وتنساب الى البحر. نفذ الكثير من المشاريع المائية وفي جميع المناطق اللبنانية ولم تتمكن الدولة من حل المشكلة, فالتقنين المائي يعم المناطق .

-         الخطة العشرية لوزارة الطاقة والمياه وضعت مخططا شاملا لمعالجة مياه الصرف الصحي التي تلوث المياه السطحية والجوفية بشكل اجرامي, نفذ بعض من محطات المعالجة ولم تشغل لاسباب غير معلومة .

-         لم تقدم السلطة على اي اجراء جدي  بالحفاظ على الموارد المائية التي تنساب خارج الحدود اللبنانية والاستفادة منها لتامين موارد مائية اضافية .

-         لا يمكن حصر ما صرف من اموال على قطاع المياه لان النفقات تمت عبر عدة مؤسسات: وزارة الطاقة , مجلس الانماء والاعمار, وزارة المهجرين, البلديات وغيرها من المؤسسات .

(حسب مصادرمجلس الانماء والاعمار النفقات العامة في قطاع المياه ما بين عامي 1992-2004 قدرت بحوالي 983 مليون دولار ) .

 

المياه التي تنساب الى فلسطين المحتلة والاطماع الاسرائيلية

 

المياه التي تنساب الى فلسطين المحتلة بالسيلان السطحي والجوفي تقدر بحوالي 340 مليون متر مكعب . فلكي يستطيع لبنان الاستفادة من حقه في هذه المياه لابد من طرح مجموعة من الاسئلة الاساسية على بساط البحث :

-         هل السلطة اللبنانية مصممة على تنفيذ المخطط الزراعي والسدود المخطط تنفيذها في منطقة الجنوب ؟

-         هل ستسمح اسرائيل بأن يستغل لبنان حصته المشروعة في مياهه حسب مقتضيات القانون الدولي ام انها ستدمر ما يقدم على تنفيذه من منشآ ت ؟

-         هل اسرائيل ستحقق حلمها التاريخي بجر قسم من مياه الليطاني تحت عنوان التواصل بين الحوضين الليطاني والحاصباني وتطبيق الحوض المغلق ؟

الجواب على هذه الاسئلة يتلخص بأرادة وادارة ومنهجية السلطة اللبنانية بالتعاطي مع هذه المواضيع المعقدة,والفرض على المجتمع الدولي تطبيق الانظمة والقوانين المتعلقة بالمياه الدولية , وعدم التأخر بتنفيذ المشاريع المائية في الجنوب وخاصة انشاء السدود المقترحة على نهر الليطاني  . على لبنان دولة وشعبا وجيشا ان يضع خطة دفاعية قادرة على حماية مياهه في الليطاني , الحاصباني والوزاني ومنع محاولات اسرائيل السطو عليها.

 

 

الاطماع الاسرائلية في مياه لبنان ومخاطر خصخصة قطاع المياه

 

ان سياسة السلطة الحاكمة المرتكزة على خصخصة قطاع الخدمات العامة ومنها قطاع المياه سيعرض مياهنا وخاصة في الجنوب الى مخاطر جدية وفق حرية التجارة العامة لتجارة الخدمات وذلك بالاستناد الى نصوص "الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات" (دون حل للنزاعات السياسية او التفاوض والتطبيع) الموقعة في الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية الذي عقد في الدوحة عام 2001 والتي تنص على الاتي :

-         فتح الحدود امام قطاع الخدمات, فشركة المياه خاصة ام مشتركة مضطرة الى ان تمد بلدا اخر بالمياه حسب الطلب في السوق الحرة, حسب افضل الاسعار حتى ولو على حساب الاحتياجات الوطنية .

-         استهلاك الخدمات وراء الحدود: فتوريد المياه من بلد لاخر لا يمر بين دولة واخرى بل بين شركة واخرى او بين شركة وفروعها او اي هيئة ومجموعة افراد.

-         الاتفاق المتعدد للاستثمار: فشركة المياه تخضع في مرحلة انتقالية (حتى سنة2012) للمفاوضات مع الحكومة ولكنه بعد " التأهيل للمنافسة" تخضع فقط لقوانين التجارة الحرة في الادارة والتوظيف والاتجار خارج الحدود حسب رغبة الاستثمار المتعدد ودون اتفاقية خاصة مع &#