|
المداخلة الإفتتاحية
لأمين عام الحزب
الشيوعي اللبناني
الدكتور خالد حدادة
في اللقاء التضامني
الأورو – متوسطي مع لبنان والمنطقة
لبنان – قصر
الأونيسكو
5 نيسان 2008
نرحب بكم في بيروت،
العاصمة العربية الوحيدة التي استطاعت أن تلحق الهزيمة لأكثر من مرة
بالعدوان العسكري الإسرائيلي والأميركي، العاصمة التي حلمت وزيرة
الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس بجعلها بوابة "الشرق الأوسط الجديد"
خلال العدوان الأميركي الاسرائيلي المشترك على لبنان في تموز من العام
2006.
نرحب بكم في بيروت عاصمة
المقاومة الوطنية اللبنانية التي انتصرت على المحتل الاسرائيلي وطردته،
مرة عندما كانت بقيادة وطنية يسارية عامودها الفقري الحزب الشيوعي
اللبناني ومرة عندما
كانت بقيادة
اسلامية عامودها الفقري حزب الله.
في الحالتين ومنذ أواسط
القرن الماضي وحتى اليوم، أثبت اللبنانيون من شتّى المناطق والطوائف
أنهم شعب حيّ لا يرضى الخنوع للمحتل ولا ترهبه أصوات المدافع والطائرات
ولا تخيفه خصوصاً البوارج العسكرية كالتي نشرتها واشنطن منذ أسابيع
قبالة شواطئنا، في عرض بائس للقوة.
أيها الرفاق
والأصدقاء،
إننا سعداء جداً
بمشاركتكم هذا اللقاء الهام والمخصص لإدانة عسكرة حوض البحر الأبيض
المتوسط وللبحث في كيفية مواجهة هذه الحرب المفتوحة التي يشنّها فريق
متهوّر ومتعطش للدماء في واشنطن، ضد المنطقة العربية من الشرق الأوسط
خصوصاً. لا بل ان مشاركتكم هذه وأنتم تمثلون شعوباً عربية جارة للشعوب
العربية، تؤكد أن مواجهة المشروع الأميركي في المنطقة ليست مهمة الهية
مناطة بدين من الأديان، بقدر ما أنها، وكما كانت على الدوام، مواجهة
الشعوب وقواها الحيّة للإمبريالية والعدوان والاحتلال... وكلنا أمل في
أن نتمكن خلال هذه الندوة من التقدم بشكل ملموس في توحيد رؤيتنا لطبيعة
المشروع الأميركي الراهن وأدوات عمله ولأهدافه الستراتيجية وخططه
التكتيكية ولمخاطره التي تتعدى حدود المنطقة العربية... إننا نعتبر أن
ذلك ضروري كي نستطيع بلورة سياسة مواجهة ناجحة تمهد لقيام بديل أفضل
للشعوب، يبعد عنها شبح الحروب ويضعها على طريق التقدم والتحرر... ولعل
معظمكم لبى دعوتنا، في ندوة مماثلة عقدت في لبنان عام 2004، الى ضرورة
توحيد الرؤية والجهود بين الأحزاب الشيوعية والتقدمية في المتوسط،
باعتبار ذلك شرطاً ضرورياً لخوض مواجهة ناجحة ضد المشروع الأميركي وضد
بديله السلفي على السواء. قناعتنا أنّ هذه المهمة لا تزال مطروحة
وعزيمتنا أن ننجح في تنفيذها.
أيها الرفاق، أيها
الأصدقاء،
تتنوع تجليات المشروع
الأميركي في منطقتنا وتتبدل وفقاً للظروف الخاصة بكل بلد، يساعدها على
ذلك المنهج البراغماتي الذي تتبعه الإدارات الأميركية عادة. لكن هذا
المشروع يستند دائماً الى ركيزتين ثابتتين تميّزان جوهر السياسة
الأميركية: حماية دولة إسرائيل والسيطرة على منابع النفط وطرق
إمداداته.
هذان الهدفان الثابتان
والدائمان يشكلان محور الإرتكاز للسياسات الأخرى التي تبدو، رغم ظاهرها
الستراتيجي، مجرد أدوات ووسائل تكتيكية بما في ذلك السياسات المتعلقة
بطبيعة أنظمة الحكم والإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان وما شابه....
ولذلك نرى سياسات آنية
ومتخبطة في أحيان كثيرة.
في الوقت الراهن وفي ظلّ
إدارة المحافظين الجدد، تتسم السياسة الأميركية في منطقتنا، وفي العالم
بشكل عام، بالطابع الإيديولوجي والعقائدي حيث تخوض حروباً متعددة،
سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية، من أجل تغيير "الآخرين" بالقوة
وتعميم نمط معين من القيم في ما يشبه عمليات "تصدير الثورة". وهي
استندت الى أحداث 11 أيلول كي تبرر نقل الحرب الى أراضي الغير، في ما
هي في الواقع تكرس سياساتها الإمبريالية وتدخل العالم في مرحلة
الاستعمار الجديد المترافق مع توسع النيوليبرالية.
إن توجهات المحافظين
الجدد تفرض على الآخرين المواجهة المباشرة وذلك لإعتمادها المطلق على
القوة العسكرية وتهميشها للدبلوماسية ما يعني بالضرورة استبعاد
التسويات والحلول الوسط، وذلك في ظل قناعة "ايديولوجية" بأن الإصرار
على الضغط المتواصل واستخدام القوة بشكل "ارهابي" من شأنه أن يؤدي الى
التغيير المطلوب في مواقف الآخرين دولاً ومجتمعات.
غير أن هذه السياسة
اصطدمت في المنطقة العربية بصمود شبه اسطوري استطاع الى حد كبير تطويع
واستيعاب الهجمة العسكرية سواء في العراق أو لبنان أو فلسطين، كما
استطاع تجاوز التهديدات والضغوطات والعقوبات والحصار والعزل كما هي حال
سوريا وإيران.
ولذلك نميل في الحزب
الشيوعي اللبناني الى القول بتعثر المشروع الأميركي الى الحدّ الذي
يجعل من فشله النهائي والمعلن أمراً ممكناً في وقت غير بعيد. فلقد
استطاعت القوى المعترضة على السياسة الأميركية منع واشنطن من تحقيق
معظم أهدافها، على الأقل وفق الخطة التي كانت مرسومة لتحقيقها. ومن
الطبيعي أن ذلك لم يكن دون نضال مرير وتضحيات جسام طالت ما يزيد عن
المليون من الشهداء خلال السنوات التي أعقبت الاحتلال البربري للعراق
وخسائر مادية تجاوزت المليارات من الدولارات.
فواشنطن فشلت في تحويل
العراق بعد احتلاله الى نموذج قابل للتعميم وهي غارقة في وحوله ولا
تبدو قادرة على استثمار التريليونات التي انفقتها خلال فترة احتلالها
كما أنها تواجه مقاومة جدية وتتسع باستمرار رغم التعتيم الاعلامي
الهائل المضروب على أخبار نضالاتها. ولعل فشل الهجوم على البصرة مؤخراً
يفيد في إظهار أن السيطرة والقدرة مفقودتان لدى أميركا وحلفائها
المحليين على السواء. وتبدو العملية السياسية التي تديرها واشنطن،
وتدعمها ايران، قاصرة عن اشراك جميع مكونات الشعب العراقي ما يضعف الى
حد كبير الشرعية الشعبية لحكومة نور المالكي.
كذلك لم يستطع الدعم
الأميركي المطلق لإسرائيل تمكينها من فرض الحل الذي تريده على الشعب
الفلسطيني الذي لا يزال مدرسة في الصمود والصبر والنضال اللامحدود في
سبيل حقوقه الوطنية والقومية.
أما سوريا التي تعرضت
لحملات مركزة وقوية من الضغوط والتهديد والتلويح باستخدام القوة ضدها
ومحاولة استخدام هذه القوة، فلقد استطاعت الصمود والصبر متجاوزة هدير
الطائرات والأساطيل والمثال الأبرز على ذلك هو نجاحها في عقد القمة
العربية ولو بما يشبه القمم السابقة رغم أن واشنطن حركت سفراءها
وقادتها العسكريين للضغط على الدول العربية الحليفة لها كي تمتنع عن
المشاركة في القمة في دمشق.
والعالم كله يعلم أن
لبنان في مقاومته وشعبه وجيشه حقق نصراً غير عادي على الجيش الإسرائيلي
بكل قوته وجبروته الذي شنّ عدوانه الغاشم عام 2006 بطلب من إدارة
الرئيس المجرم جورج بوش...
إن اضطرار واشنطن وتل
أبيب وحلفائهما الى شن حرب ضد لبنان هو دليل على فشلهم في تحقيق
أهدافهم بوسائل أخرى. والضربة الموجعة التي تلقوها في لبنان غيّرت الى
حد كبير جداً في قناعات الرأي العام العربي. ذلك أن حرب تموز أثبتت أنّ
الشعوب العربية قادرة على إلحاق الهزيمة بأقوى جيش في الشرق الأوسط،
وهو تطور له أبعاد تاريخية ستظهر خلال سنوات قليلة قادمة بكل تأكيد.
إن الفشل المتعدد
المستويات الذي منيت به السياسة الأميركية على هذه الجبهات يشير الى أن
الهزيمة الكاملة للمشروع الأميركي، بصفته هجوماً إمبريالياً على
المنطقة، أمر بات ممكناً. مع ذلك لا بد من الإعتراف بأن البعد
النيوليبرالي في المشروع الأميركي لا يزال يحقق نجاحات وأن لم تكن
حاسمة ونهائية في جميع الدول المستهدفة.
وفي سياق الفشل المتكرر
في ظل عناد ايديولوجي أحمق للغاية، اضطرت إدارة المحافظين الجدد الى
خوض معاركها بطريقة استخدمت فيها واستنفدت جميع أوراقها تقريباً حتى
بتنا أمام ما يشبه لعبة "الصولد" حيث لا خيار سوى الإنتصار الكاسح او
الهزيمة النكراء.
فالدول والقوى العربية
الحليفة لواشنطن انخرطت على نحو غير مسبوق وبحماسة شديدة في الترويج
لسياسات الإدارة الأميركية والعمل وفق توجيهاتها وأوامرها بشكل أدى الى
انكشافها الكامل أمام شعوبها وخصوصاً عندما تسابقت لتبرير العدوان على
لبنان وأغلقت عينيها أمام حصار غزة ومجازرها. ففي العراق تذرعت بالخطر
الإيراني لتبرير سياسة دعم الإحتلال، أما في لبنان وفلسطين فهي اضطرت
للإعلان الصريح عن انضوائها في سلة أدوات المشروع الأميركي. وهذا
التطور يعني بحدّ ذاته، أن مرحلة "الأوراق العربية المستورة" قد انقضت
الأمر الذي يجعل طبيعة الصراع الراهن أكثر وضوحاً من ذي قبل.
ومن جهة اخرى أظهر
الإعتراف الأميركي بيهودية إسرائيل، أن هذه القاعدة العسكرية المتقدمة
والطامحة الى الإمتداد والتوسع، قد فقدت وظيفتها السابقة وربما أهميتها
وأصبح الإنكماش الى "الداخل" يعني، من جملة ما يعنيه، أن الإدارة
الأساسية التقليدية للهيمنة الأميركية على المنطقة العربية، خسرت
جدواها الستراتيجية، من وجهة نظر فريق المحافظين الجدد المؤدلج.
إن مجمل هذه التطورات
تدفع على الإعتقاد أن الإدارة الأميركية قد تلجأ الى الأعمال العسكرية
خلال ما تبقى من ولاية بوش على أمل تحقيق انتصار ما يغطي على الصورة
السلبية القائمة.
فالحذر والتنبه لمثل هذه
الأخطار هو أمر ضروري تعززه نشر الأساطيل عند المياه الإقليمية وجولات
تشيني ورايس وبعدها بوش في الشهر القادم.
أيها الرفاق، أيها
الأصدقاء،
إن النجاحات الجزئية
التي حققها معسكر القوى المواجهة أو المنخرطة للمشروع الأميركي، تقف
كما قلنا عند حدود منع واشنطن من تحقيق معظم الأهداف التي تريد. وهذا
أمر لا يقلل على الإطلاق من أهميتها، فنحن نتحدث في نهاية المطاف عن
القوة العظمى الوحيدة في العالم وعن استخدامها المفرط للقوة ونشر مئات
الآلاف من جنودها في المنطقة بالإضافة الى القواعد العسكرية. ولا نبالغ
إذا قلنا أن المقاومة العنيدة التي أبدتها شعوب المنطقة وبعض دولها
أسست وتؤسس لإنهيار الحلم الإمبراطوري للولايات المتحدة الأميركية وهي
بذلك تساهم نيابة عن شعوب العالم أجمع في درء الكارثة عن البشرية.
ولذلك دعونا وندعو الى المزيد من الدعم والتضامن مع قوى المقاومة ضد
الإحتلال والعدوان في العراق وفلسطين ولبنان.
يظهر واقع الحال أن قوى
المقاومة الأساسية في المنطقة هي قوى إسلامية الأصول والتوجهات ويعود
ذلك لأسباب عديدة أهمها قدرة هذه القوى على الحصول على الدعم الذي
تريد. كما أن استهداف الإسلام في إطار الحرب على الإرهاب والدعوة الى
صدام الحضارات، ترافق مع اشتداد العولمة في بعدها الثقافي وما سبّبه
ذلك من التمسك بالثقافات المحلية في مختلف أرجاء العالم، وهذه عوامل
أدت الى تقاطع بين النضال ضد العولمة الثقافية والنضال ضد العدوان
والإحتلال في منطقتنا، حملت لواءه فئة من الإسلام الراديكالي تشهد
دينامية متصاعدة في ظل تراجع التيارات القومية واليسارية.
إننا في الحزب الشيوعي
اللبناني لا نعتبر هذا الأمر ظاهرة سلبية بحد ذاتها بقدر ما نرى أن ترك
مهمة مواجهة العدوان والاحتلال الى التيارات الاسلامية، هو الظاهرة
السلبية. ففي الأصل لم يكن تاريخ الحركات الاسلامية زاخراً بمواجهة
الإمبريالية الأميركية في منطقتنا حيث تحالف الاسلاميون مراراً مع
الأميركيين لمحاربة الشيوعية ومختلف القوى التقدمية والديمقراطية في
عالمنا العربي: وبالتالي لا نخشى كثيراً من الدور الوطني التحرري الذي
تلعبه فئة معينة من التيار الاسلامي ذي التوجهات المتعددة، بقدر ما
نخشى من التوجهات الاصولية والسلفية والظلامية والارهابية للفئات
الأوسع من التيار الاسلامي.
فكما تنتمي الفاشية
والنازية والليبرالية الجديدة الى المجال العلماني جنباً الى جنب مع
الدميقراطية والاشتراكية، يضم التيار الاسلامي تحريرين ورجعيين،
منفتحين وظلاميين. ولذلك ندعو الى التمييز ونحارب الخلط بين المقاومة
والارهاب حين تكون المقاومة اسلامية الطابع.
إننا نرى في المقابل أن
المهمة المطروحة علينا هي زيادة إسهام القوى اليسارية والتقدمية في
النضال ضد العدوان والاحتلال في العراق وفلسطين ولبنان وفي مختلف
الأقطار العربية. ونحن نقوم بدورنا في هذا المجال وفق إمكانياتنا
وظروفنا. وإني أغتنم هذه المناسبة للقول أن دعم القوى اليسارية
والتقدمية في أوروبا والعالم لنا سيساعدنا كثيراً على تفصيل دورنا في
النضال لتحرير بلادنا ومنطقتنا من الاحتلالين الأميركي والاسرائيلي. إن
توسيع قاعدة المقاومة سياسياً هو أمر حيوي من أجل تطوير الدور السياسي
والتغييري للمقاومة ومن أجل تجذير رؤيتها لطبيعة المواجهة مع المشروع
الأميركي.
ذلك ان النجاحات المحققة
حتى الآن في مواجهة الطابع الإمبريالي للمشروع الأميركي لا تترافق مع
نجاحات مماثلة في مواجهة طابعه النيولبرالي حيث يجب أن نعترف أن
المنطقة أصبحت خاضعة بشكل كبير الى التوجهات النيوليبرالية بالرغم من
كل أشكال المقاومة السياسية والعسكرية.
والإمبريالية في
الولايات المتحدة وأوروبا، بتصويرها وكأنها معركة بين الحرية والارهاب
الذي ترعرع أصلاً في أحضان وكالة المخابرات المركزية الأميركية بدعم من
الدول العربية الصديقة لواشنطن.
إننا ندعو القوى
اليسارية والتقدمية والديمقراطية في العالم، وفي أوروبا على وجه
الخصوص، للعمل على تنوير الرأي العام في بلدانها حول حقيقة الصراع
الدائر في منطقتنا والتصدي لعمليات التشويه والإساءة لطبيعة النضال
الذي تخوضه شعوبنا.
فليس صحيحاً أن تحرير
الأراضي العربية المحتلة من الأميركيين والإسرائيليين سيقود حتماً الى
سيطرة أشباه بن لادن والقاعدة.
وليس صحيحاً أن الخيارين
الوحيدين الممكنين أمام شعوب المنطقة هما الديمقراطية المزعومة لجورج
بوش أو الإرهاب الأعمى لبن لادن.
بل الصحيح أن هذين
الخيارين هما الذراعان الحاليان لتطبيق سياسة الولايات المتحدة
الأميركية التي تتيح لها إطالة عمر إحتلالها وسيطرتها.
والأصح أن الخيار
الحقيقي لشعوبنا وهو خيار ممكن ويجب أن يحظى بدعم أصدقائنا في العالم،
هو الخيار الذي تحدثت عنه سابقاً خيار المواجهة المثلثة الأضلاع وهو
خيار يصطدم حكماً بالجماعات الارهابية التي تستخدمها واشنطن، تماماً
كما حصل في العراق وكما حصل في مخيم نهر البارد في لبنان.
أيها الرفاق، أيها
الأصدقاء،
إن ما يجري في لبنان
اليوم ليس سوى صورة عن المواجهة الكبرى الدائرة على مستوى المنطقة من
أجل بناء الشرق الأوسط الجديد من خلال البوابة اللبنانية كما دعت وزيرة
الدبلوماسية الدموية كوندليسا رايس. والإنتصار الذي تحقق على العدوان
الأميركي الإسرائيلي المدعوم محلياً وعربياً والذي كان يهدف الى القضاء
على المقاومة وتحويل لبنان الى محمية أميركية تشكل عامل ضغط وتهديد
لسوريا، لم يترجم هزيمة واضحة لحلفاء واشنطن وأصدقائها. وهكذا كان
ممكناً لجورج بوش أن يفخر بصمود حكومة فؤاد السنيورة متجاهلاً أنه
تلقى هزيمة عسكرية قاسية في حرب تموز. تماماً كما يتباهى بحكومة
المالكي رغم ما يعانيه جيشه في العراق وما لحق بالسلطة الفلسطينية من
انقسامات.
ويشكل الخلاف المفتوح
على انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، تعبيراً عن معركة
سياسية ومعنوية هائلة في لبنان، وهو لا يعبّر بأي حال من الأحوال عن
خلاف حول طبيعة النظام السياسي في لبنان. هي معركة حول موقع لبنان من
الصراع الدائر في المنطقة ولذلك نرجح انها لن تحسم قبل تبلور المشهد
الإقليمي العام.
ويترافق الفراغ الرئاسي
مع تسلط نصف حكومة تغطي فقدان شعبيتها بالدعم الخارجي غير المسبوق، مع
نوع من الجمود والانتظار في الحياة السياسية يخشى أن ينزلق في لحظة ما
الى أعمال توتر وعنف وفق المصالح الأميركية. وحدها السياسات الاقتصادية
الليبرالية تشق طريقها في ظل هذا الستاتيكو، وفي أحيان كثيرة نتيجة
توافق بين الفرقاء المنقسمين سياسياً. فمعظم القوى المعارضة للحكومة
غير الدستورية والمنخرطة في مواجهة السياسات الأميركية لا تظهر
إعتراضاً يذكر على تنفيذ مقررات مؤتمري باريس أو للدول المانحة أو
توجهات البنك الدولي. فجرى رفع الدعم عن المحروقات وعدد من السلع
الأساسية ويتقدم البحث في خصخصة المؤسسات الحيوية من القطاع العام
كالكهرباء والهاتف ويترك المزارعون والعمال وصغار المنتجين عرضة
للمنافسة الشرسة وغير العادلة في ظل هجوم منهجي على القطاعات المنتجة
بما فيها الصناعة الوطنية، لحساب كبار السماسرة والوكلاء التجاريين
والمضاربين العقاريين والماليين وتشريع للأبواب أمام الرأسمال الأجنبي
من خلال تشريعات وإجراءات تتناقض مع المصلحة الوطنية....
إن هذا التموضع
النيوليبرالي والتسهيلات التي تمنح له، أمر لا يفاجئنا. فنحن نعرف
تماماً طبيعة القوى المنقسمة في لبنان حالياً. معظمهم كانوا حلفاء
الأمس في ظل الوصاية السورية ولم يلتفتوا آنذاك لا الى الإصلاح السياسي
ولا الى تحسين الوضع الاقتصادي للمواطنين وتوفير الحماية الاجتماعية
لهم. وينطبق ذلك على الحزب التقدمي الاشتراكي الذي لا يزال عضواً في
الاشتراكية الدولية وعلى حزب الله الذي يقود المقاومة ضد العدوان
الإسرائيلي.
ولهذه الأسباب أطلق
الحزب مبكراً مبادرته للإنقاذ من خلال الدعوة الى إنتخاب رئيس
للجمهورية وتشكيل حكومة إنتقالية تصرف الأعمال وتحضر للإنتخابات
النيابية على أساس قانون عصري يرتكز على النسبية ودون القيد الطائفي.
فبالإضافة الى أن ذلك يبقى الاستقرار الداخلي بانتظار تبلور الوضع
الاقليمي وإعادة تشكيل المجلس النيابي فإن جوهر المبادرة يمنع حكومة
تصريف الأعمال من المضي قدماً في سياسات التفريط بمقدرات البلاد وتمكين
الليبرالية الجديدة من زيادة نفوذها وسيطرتها.
وفي نفس الإطار بادر
الحزب الى التلاقي مع قوى وشخصيات يسارية حيث يجري بحث معمق في تطوير
التعاون فيما بينها من أجل بلورة خيار بديل، يساري وتقدمي، يفتح آفاقاً
جدية للتطور أمام شعبنا.
ويسعدني أن أبلغكم أنه
يجري تقدم جدي في النقاشات حيث تمّ الإتفاق على عدد من أوراق العمل حيث
ستجري مناقشتها وإقرارها تمهيداً لتقديمها الى عموم الشعب اللبناني.
إننا نأمل من خلال ذلك
تشكيل إطار تنسيقي يحمل برنامجاً بديلاً عن كل ما هو سائد ونأمل أن
يساعد ذلك على تنوير الرأي العام العالمي الذي نطالبه من خلالكم بتقديم
الدعم اللازم من أجل تقدم هذا البديل وتطويره.
أيها الرفاق
والأصدقاء،
إننا إذ نرغب كما معظم
أبناء هذه المعمورة أن تكون نهاية عهد جورج بوش، مجرم القرن بلا منازع،
درساً لغيره من الطغاة في العالم وبداية لعهد جديد، لا يسعنا إلا أن
نحذّّر من المغامرات التي قد يقوم بها خلال الأشهر القليلة القادمة على
أمل تحقيق نصر ما، يفيد حزبه في الإنتخابات الرئاسية. كما ندعو الى
الإستعداد التام لمواجهة مثل هذه المغامرات الخطيرة.
ونعتقد أن شروط المواجهة
الناجحة مع المشروع الأميركي الذي وصفناه بأنه مثلث الأضلاع (أو
الرؤوس) تتطلب ما يلي:
في مواجهة العدوان
والاحتلال:
1.
تطوير دعم
المقاومة العربية في العراق وفلسطين ولبنان ومساندة خيارات رفض
الإنصياع للسياسة الأميركية.
2.
دعوة
القوى اليسارية والقومية والوطنية العربية للإنخراط بكافة الأشكال
الممكنة في نضال المقاومة العسكري والسياسي والاعلامي والتعبوي ضد
الاحتلال الأميركي والاسرائيلي والامتناع عن تغطية عملائها وحلفائهما
مهما كانت الذرائع.
3.
دعوة
معسكر الدول والقوى غير المنخرطة بالمشروع الأميركي الى تطوير
استراتيجية مواجهة حقيقية تفتح باب المشاركة أمام قوى وتيارات جديدة
وتتوزع فيها أعباء المواجهة بما يتناسب مع قدرات وإمكانيات وظروف كل
مكوناتها.
4.
تأكيد
التضامن مع المقاومة في لبنان وفلسطين وإدانة ورفض اتهامها بالإرهاب
ومطالبتها في الوقت نفسه بالإبتعاد عن الشعارات وأساليب التعبئة التي
تضيّق قاعدة الدعم محلياً وخارجياً ويجري استخدامها للتعبئة المضادة.
5.
تعزيز
وتطوير الحركة العالمية المعادية للإحتلال الأميركي للعراق والدعوة الى
إنهائه فوراً وكشف الطابع اللاوطني للعملية السياسية الجارية في العراق
والتي تستمر في إقصاء التيارات الوطنية في المجتمع العراقي. وكذلك دعوة
إيران الى التعلم من تجربة الوصاية السورية على لبنان والكفّ عن سياسة
التدخل في الشؤون الداخلية العراقية والعمل على دعم المقاومة العراقية
بما في ذلك التي تبلورت مؤخراً في جنوب العراق.
6.
الاستنفار
الواسع لحماية الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة ومنع الاحتلال
الاسرائيلي من الاستفراد به حيث يجري التحضير لعدوان واسع على قطاع غزة
وتنفيذ محرقة جديدة وإبادة جماعية. ودعوة السلطة الفلسطينية وحماس الى
القبول بالمبادرة اليمينية وتوحيد الصف الفلسطيني وإيقاف عملية التفاوض
غير المفيدة مع اسرائيل التي تحضّر لعملية طرد جماعي جديدة
للفلسطينيين. وفي هذا المجال لا بد من التأكيد على ضرورة التمسك بالحل
العادل والدائم والشامل للصراع العربي الإسرائيلي على أساس المقررات
الدولية والتمسك بحق العودة للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة فوق
فلسطين. ونحن إذ ندين وعد الدولة اليهودية ندعو الرأي العام العالمي
للتعبير عن رفضه له.
7.
دعم
وحماية المقاومة اللبنانية والضغط على القوى السياسية الداعمة لحكومة
السنيورة من أجل الذهاب الى تسوية مقبولة تعيد الاستقرار الى لبنان
والكف عن محاولات ضرب المقاومة من الداخل. وفي هذا الاطار نؤكد للرأي
العام العالمي أن الحكومة اللبنانية غير الدستورية مثلها مثل حكومة
المالكي في العراق، تمارس دوراً اقصائياً بحق التيارات المقاومة وذلك
تلبية لأوامر البيت الأبيض بمنع أي تفاهم محلي داخل هذه الدول.
8.
تحذير
الدول العربية من ان سياسة الحرب ضد المقاومة والتماهي مع سياسات
المحافظين الجدد المدمرة ستنعكس آجلاً أم عاجلاً داخل بلدانها. ودعوتها
الى تبني نبض الشارع العربي والاحتماء به بديلاً عن الحماية الأجنبية.
من أجل التغيير
الديمقراطي:
1.
كشف زيف
المزاعم الأميركية بالدعوة الى الديمقراطية وذلك من خلال إظهار تحالف
واشنطن مع الأنظمة غير الديمقراطية في الدول العربية والتأكيد على أن
نموذج العراق وأبو غريب وجهّا ضربة قوية لتلك الدعوة سواء بوجهها
الأميركي أم بوجهها الأصيل.
2.
كشف زيف
مزاعم النظام العربي الرسمي بأن الديمقراطية تقود حتماً الى الفوضى
الدموية كما حصل في العراق أو سيطرة السلفية المتشددة.
3.
دعوة
الدول الأوروبية والمؤسسات الدولية والرأي العام العالمي الى التوقف عن
تغطية عمليات التجميل الشكلية التي يقوم بها بعض الأنظمة العربية تحت
عنوان الاصلاح والديمقراطية.
4.
النضال من
أجل قوانين عصرية للأحزاب وقوانين إنتخاب عادلة من شأنها إتاحة الفرصة
أمام جميع التيارات السياسية للمشاركة الفعلية في السلطة وليس في
العملية الإنتخابية فقط.
5.
دعم
التيارات الوطنية والعلمانية المتجاوزة للطوائف والمذاهب والأعراق
والعمل على توسيع قواعدها حماية للدول والمجتمعات من التفتت |