لبنان وطن ورسالة

أم ساحة حروب أهلية وخارجية!!  

    

                                                                                        موريس نهرا     

رئيس المجلس الوطني للحزب الشيوعي اللبناني

 

شعر معظم اللبنانيين بالإرتياح، لمجرد اعلان توصل اطراف الموالاة والمعارضة في مؤتمر الدوحة الى الاتفاق، بغض النظر عن مضمونه وحسابات الربح والخسارة بين الفريقين المتصارعين. والاسباب في ذلك تعود لكونهم  ذاقوا مرارة النزاعات والحرب الأهلية، ويرفضون العودة اليها، ويفضّلون مكرهين، حالة المرض على الموت... ومن هذه الاسباب ايضاً، ادراكهم ان قضاياهم الحياتية والمعيشية المأزومة، لم تكن في اساس صراعات ونزاعات  هذين الفريقين.

ورغم ان هذا الاتفاق الذي جرى التوصل اليه، يمنع الاستئثار في السلطة لفريق واحد، ويحمل معه تعزيزاً نسبياً لموقع الاتجاه الرافض للانسياق وراء الموقف الأميركي لبنانياً وإقليمياً، وهذا وجه ايجابي فيه، إلا أنه خارج ذلك، أي فيما يتعلق بالأزمات والمشكلات الداخلية التي عانى ويعاني منها اللبنانيون طويلاً، لم يتغير شيئاً... فقد بدا ان الصراع يدور حول احجام وحصص الاطراف المتصارعة في السلطة، وان التعديل الذي طرأ لا يتعدّى الطابع الكمّي ضمن الصيغة القائمة نفسها، وتحت السقف الطائفي نفسه.. وكما لم تؤدِ مثل هذه التسويات والتعديلات الفوقية المشابهة التي جرت قبلاً، الى إزالة الاسباب الفعلية للأزمات والنزاعات الدورية المهددة للسلم الأهلي،  ولوحدة لبنان واللبنانيين وطناً ودولة، كذلك لن يكون بقاء هذه التسوية في حدودها المعروفة، أكثر من هدنة تطول او تقصر ربطاً بموازين القوى الداخلية والاقليمية والدولية، التي ينعكس التغيير فيها خللاً على صعيد الحياة السياسية الداخلية، وصراعات جديدة باردة او حامية، لإجراء تعديلات جديدة في التوازنات والحصص في السلطة. مما يُظهر وكأن لبنان كنظام وسلطة ودولة، نتاج مجموعة توازنات داخلية واقليمية ودولية، يفتقر الى مرتكزات ومقومات داخلية ثابتة تجعله كياناً ووطناً ودولة، قائماً بذاته وحصيناً امام العواصف الخارجية، ومثالاً فعلياً للوطن الرسالة.

وبعد هذا المسلسل الطويل من الأزمات والصدامات والتسويات المتكررة التي انهكت لبنان واللبنانيين واضعفت ثقتهم ببلدهم، بدءاً بأحداث العام 1958، مروراً بالعام 1969، ثم الحرب الأهلية 1975 ومؤتمرات جنيف ولوزان، والطائف، وسان كلو، واخيراً الدوحة، يتساءل الكثيرون من اللبنانيين بقلق ومرارة، هل يبقى لبنان على نظامه الطائفي المنتج للتناقضات والأزمات ولاستدراج الخارج، وساحة صراع وتصفية حسابات.

هل يبقى قاصراً وعاجزاً عن معالجة مشكلاته، وبحاجة في كل مرة الى وساطة خارجية، اياً كانت، بل والى رعاية او وصاية عليه ليحفظ وجوده؟ واين هي السيادة والاستقلال بل والاستقرار من ذلك؟

لقد كشفت الاحداث والتجربة المعاشة منذ الاستقلال عام 1943، ان صيغة المحاصصة الطائفية وتقاسم السلطة والمواقع باسم المذاهب والطوائف، وقانون الانتخاب الأكثري والطائفي المصنوع على قياس الزعامات الطائفية والتقليدية لتجديد نظامهم وزعاماتهم، ابقى لبنان مشروع وطن ومشروع دولة، كما أبقى اللبنانيين اشبه بمجموعات متجاورة (كيانات طائفية سياسية) تتعايش ضمن مساحة جغرافية، وتستبطن بسبب طائفية النظام والسلطة، حالة حذر حيال بعضها، يسهل معها إثارة العصبيات والخصومة التي تصل في ظروف معينة الى صدامات مؤلمة ومدمرة.

ولم تشكل الديمقراطية التوافقية المنبثقة من صلب صيغة التعايش بين الطوائف، والتي يتغنّى بها التحالف السلطوي الطائفي الطبقي، آلية قادرة على ايجاد الاستقرار في السلطة وحماية السلم الاهلي في البلاد.. ووفقاً لمفهوم هذه الديمقراطية، بوسع أي زعيم او ممثلي طائفة، الخروج من الحكومة مثلاً، فتصبح هذه الأخيرة منتقصة الميثاقية والشرعية، فتصاب بالشلل الجزئي او الكلي... ولم يعد التمسك بالنظام السياسي الطائفي سوى اصرار على استمرار الحالة المأزومة نفسها.

ان عدم تنفيذ المداخل الاصلاحية المقرّة في اتفاق الطائف والتي اصبحت نصاً دستورياً، هو الذي حجز الوضع اللبناني في أسر الماضي، وجعل المؤقت الطائفي في النظام وتناقضاته حالة دائمة.. ولا تكون العودة الى الوراء باعتماد قانون انتخابي (1960) يزيد في ترسيخ الطائفية والمذهبية، بل بتجاوز النظام الأكثري، وتبني النسبية والدائرة الكبرى، وخارج القيد الطائفي، مع استحداث مجلس شيوخ محدود الصلاحيات تتمثل فيه الطوائف، ليس لتحقيق صحة التمثيل الشعبي فقط، وانما لإحلال وترسيخ مشاركة جميع اللبنانيين من مختلف الطوائف وعلى مساحة الوطن، في اختيار ممثليهم على اساس البرامج، بدلاً من الولاء لهذا الزعيم المحلي الطائفي او ذاك، مما يشكل ارتقاء في الوعي الوطني والاجتماعي المشترك، وتعزيزاً للُّحمة بين ابناء الوطن الواحد.

قد يرى البعض ان هذه الرؤية سليمة، ولكنها غير قابلة للتحقق في لبنان القائم على تعدد الاديان والطوائف والمذاهب. لكن مثل هذا الاعتقاد يتجاهل دروس التجربة.. فبناء النظام السياسي على اساس اعتبار الطوائف كيانات سياسية، وعلى قاعدة الانتماء الديني والمذهبي للفرد، قد فشل، وهو من مخلفات الماضي، أي ما قبل الدولة الحديثة.

والمعلوم ان للّبناني انتماءات مركّبة لا تقتصر على الدين والطائفة والمذهب الذي يولد منتمياً اليه... وبين هذه الانتماءات ما هو اساسي في حياته ومعيشته وبناء وطنه. فهو ابن فئة او طبقة اجتماعية معينة تتشكل من جميع الطوائف والمناطق، تجمعها مصالح وقضايا مشتركة بل واحدة، تشكل عنصراً جوهرياً في تحديد مستوى معيشتها ومستقبل ابنائها. وينتمي الى عائلة ومنطقة معينة ايضاً، والى تيار او حزب سياسي له رؤيته وخطه السياسي، والى وطن وهوية قومية الخ... فبناء النظام السياسي على اساس الانتماء الطائفي والمذهبي، وفي لبنان 18 طائفة او مذهب حتى الآن، ينتج التفريق والتمايز والخلل بين اللبنانيين وفي النظام السياسي نفسه، بينما بناؤه على اساس الانتماء للوطن يشمل الجميع ويساوي ويوحد بينهم، ويزيل عوامل الفرقة والضعف في بنية المجتمع والدولة.

ان اقامة الدولة الديمقراطية الحديثة خارج الاسس الطائفية، وبناء الوطن العربي السيد المستقل، لم يعد بعد كل الذي جرى، بمثابة خيار يؤخذ به اولاً يؤخذ، بل اصبح ضرورة انقاذية وطنية ملحة، خصوصاً واننا في منطقة تتزايد فيها الصراعات للسيطرة على ثرواتها النفطية وتتعرض لمخططات تفتيتية، وعلى حدودنا الجنوبية دولة اسرائيل الطامعة بمياهنا وارضنا، والتي يزداد طابعها العنصري الديني بروزاً، وبدعم متكرّر من الرئيس الأميركي بوش للدولة اليهودية. وهذا بمجمله ينعكس سلبياً على اللبنانيين ووحدة لبنان، اذا بقي اسير النظام الطائفي وتناقضاته، ويشكل خطراً على وجوده.

 

 

 

 

 

 


(c) Lebanese Communist Party - 2006
Designed by Comrade Wissam Matta