إفتتاحية مجلة النداء: الجمعة 27 حزيران 2008 والصادرة بالتزامن مع جريدة السفير

 

الإنقاذ ممكن... والاصلاح بوابة السلم الأهلي

 

مرة جديدة نتألم ونأسف لأننا كنا على حق في شكنا في قدرة هذا التحالف الطائفي على الخروج بالبلد من أزمته المستمرة، وأيضاً في حكمنا بأن رموز الأزمة ومسبباتها، قادرين في أحسن الأحوال على تحقيق هدنة وليس على صياغة حل ينقل لبنان من مشروع وطن قيد التأسيس منذ حوالي ثمانين عاماً الى وطن حقيقي يتحدد لأبنائه معايير الإنتماء له مباشرة وليس بواسطة مجموعة أو زعيم...

ولم يكن شكنا بقدرة إتفاق الدوحة على الدخول في بوابة الحل وليد شك بنوايا بعض المراهنين عليه بقدر ما كان وليد قراءة موضوعية للأسباب التي جعلته ممكناً والتي تعجز عن جعله دائماً ومستمراً...

والسبب الرئيسي الذي جعله ممكناً هو نفسه الذي يجعل إتفاق الدوحة إطاراً لهدنة غير مستقرة وعاجزة عن التمهيد للحل. وباختصار الحاجة الدولية (الأميركية تحديداً) لتأمين معركة كسب الوقت لمعالجة مشروعها المترنح في المنطقة بالوقت الأميركي الميت، وتقاطع هذه الحاجة مع الحاجة الإقليمية (الإيرانية والسورية تحديداً) لكسب الوقت من أجل تعزيز وتثبيت ما توصلوا اليه وخاصة إعتراف الآخر الدولي بضرورتهما للإستقرار الإقليمي.

ربما وحدها المملكة السعودية رأت أن "مولدها غاب عنه الحمص" حتى الآن تفتش عنه في لبنان حتى ولو كلفها الكثير من الكثير الموجود من احتياطي الطفرة النفطية التي يحتار أمراؤها في صرفه وكأنهم لا يرون الجوع في السودان وفي مصر ولا يرون ما يهدد فلسطين من ضياع لقضيتها ولا يرون في لبنان أزمة إقتصادية خانقة تلاقي التوتر الأمني الذي يتنقل بين محافظات لبنان الخمس حاصداً المزيد من القتلى والجرحى والدمار....

والسبب الآخر المؤمن لشرط استمرار الأزمة، هو استمرار كل زعيم من "زعامات" بلدنا في رهن نفسه و"رهن البلد معه" لصالح إنتصار مشروع من هذه المشاريع على حساب الآخر المفترض أن يكون "شريكه في الوطن" وحتى هذا التعبير هو سيف مسلط على مصير الوطن واللبنانيين، فهم شركاء في "الوطن الشركة" يتقاسمون عائداته السنوية ويختلفون على قسمتها....

*          *           *

 

وعلى أساس ما سبق وبعيداً عن "الشماتة" أو منطق الفرحة بنجاح وجهة النظر دعونا نبحث ببعض الهدوء عن مخرج هذا الاستعصاء الوطني الذي لم يستطع فعل انتخاب رئيس للجمهورية على أهميته، من تحقيق إختراق جدي فيه...

وننطلق في رأينا مما جرى خلال الاسبوعين الماضيين...

إن استهوال البعض وخاصة من المسؤولين عن الأحداث الأمنية التي ساحت بين البقاع وبيروت والشمال، هو  استهوال العارف والخبيث، فهم يعرفون أن ما انجزوه في الدوحة ما هو إلا هدنة مؤقتة وغير مستقرة، تنتظر وتدعم موقف أطراف الصراع الدولي والاقليمي وبالتالي فإن "الفتنة المتنقلة" ومعطوفة على "مناوراتهم" في تشكيل الحكومة أو عدم تشكيلها، هي جزء من عدة الهدنة والصراع الى الجولة الجديدة ما قبل أو بعد المحطات المحلية، الاقليمية أو الدولية المؤثرة في تقرير مستقبل مشروع الوطن اللبناني وتواريخ أزماته وحروبه الأهلية المتنقلة والمتواترة...

ولا يخرج أبداً عن هذا الإطار التراشق اليومي بالحقائب الوزارية السيادية أو الخدماتية مما يجعل من الطوائف ورعاياها أسرى هذه الحقيبة أو تلك، ومصير المسيحي معلق بكشة الأشغال كما الشيعي معلقة بطنجرة الصحة والزراعة أو السني بدفتر شيكات وزارة المالية المنعقد لواؤها منذ سنين لفارسها المنقذ فؤاد السنيورة... وحتى لا ننسى طبق المهجرين المسمن لمعركتي الشوف وعاليه...

إنها بحق سخرية الديمقراطية فالرشوة علنية والقضاء اللبناني "المستقل" لا عين ترى ولا أذن تسمع وإلا فإن الحل العادل كان حتماً سيكون، كل المطالبين بهذه الطريقة بالحقائب الوزارية في السجن...

وحتى لا نرى فقط الى النصف الفارغ من الكوب... دعونا نؤكد إيماننا بأن هذه الدرجة من الهريان وروائحه النتنة والدماء التي تسيل من فقراء شعبنا الموزعين على مذاهبهم إنما تؤشر الى بداية نهاية اسطورة المحاصصة الطائفية والزبائنية المغلفة بشعارات التآخي والشراكة بين "الشركاء في الوطن والشركاء عليه"...

إن شريحة واسعة من اللبنانيين بدأت تقتنع بأن مصلحة المسيحي ومصلحة الشيعي أو السني أو الدرزي، لا تتحقق إلا إنطلاقاً من مصلحة "المواطن" اللبناني وأصبحت معايير الإنتماء الوطني، حاجة ضرورية، لإعادة تكوين الوطن على أسس جديدة تحمل من التنوع الذي تحدثت عنه القمة الروحية [هذه القمة التي نسجل لها إيجابية أنها هذه المرة انعقدت تحت لواء "الدولة" ولو من حيث الشكل]، هذا التنوع المتنافر المتنابذ الخاضع للتأثيرات الخارجية، الى تنوع متفاعل يمكنه على أساس معيار موحد للمواطنية، من تأسيس وطن جديد على قاعدة الديمقراطية والعروبة والسيادة والعدالة...

الى ذلك وفي مقابل الصحوة المتأخرة من قبل البعض الى ضرورة تحرير شبعا والأسرى، نقزة البعض الاخر من الحديث عن تحرير شبعا وهي نقزة غير مبررة، فإننا نرى في هذين الحديثين مناسبة لفرح جماعي للبنانيين يجب التهيئة لتحويله الى عرس وطني حقيقي، يشكل إنتصاراً لتاريخ المقاومة ومنهجها وفعلها خلال العقود الماضية وبخاصة لصمود تموز...

إن هذا الحدث الذي يتوج هذا الفصل المقاوم، يؤسس لنظرة موحدة لإستراتيجية دفاعية مواجهة للعدوان واستهدافاته، تكون فيه المقاومة الشعبية كما أرادها، كمال جنبلاط واليسار والمقاومة الاسلامية، عنواناً لصمود وطني منظم ومنسق مع دولة تحسم وجهتها المتصدية للعدو وتجعل من نهج المقاومة عنوان قوة لها...

إن النجاح في هذا التحول لا يتاكد إلا عبر اقتران هذه الخطوة بالدخول في بوابة الاصلاح السياسي الحقيقي، ورغم البداية المتعثرة للعهد، فإننا لا زلنا نرى املاً بأن يتمكن الرئيس سليمان من حسم وجهته باستكمال تجربة فؤاد شهاب، وعدم الاستمرار في الطريق المؤدي الى التعثر والغرق في تجربة عهود المراوحة وإدارة الأزمة التي مرت على البلد منذ ثلاثين عاماً من الآن... إن الأزمة الحكومية اليوم، تجعل طبيعياً العودة الى طرح خيارين أمام القوى السياسية المختلفة.

الأول هو أن يحمل الرئيس السنيورة "صرة" فوق ظهره وليس على ظهر المواطنين ويستكمل صموده بإعلان تشكيلة وزارية تمثل الأكثرية ويتحمل هو والأكثرية مسؤولية برنامجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وبالتالي يدفع بالأقلية الى ممارسة دورها الطبيعي في طرح "مشروعها البديل" إذا ما كانت تحمل مشروعاً آخراً...

والثاني وربما هو الأكثر واقعية اليوم نتيجة التوتر السياسي والأمني، هو الانطلاق في حملة حقيقية للإصلاح السياسي عبر تشكيل حكومة غير منتمية للاصطفافين السياسيين، تطرح على اللبنانيين وعليها مهمة تنفيذ البنود الدستورية الاصلاحية لإتفاق  الطائف وليس لبنود الدوحة.... وفي طليعة ذلك مسألتين متلازمتين:

الأولى قانون عصري وديمقراطي على أساس النسبية ودون القيد الطائفي وإنشاء مجلس شيوخ يجعل ممثلي الطوائف في خدمة الدولة ولا يجعل الأخيرة ميدان تقاسم لزعامات الطوائف السياسية أو الروحية ...

الثاني إعادة الاعتبار للمجلس الاقتصادي الاجتماعي كإطار لتوافق قوى الانتاج على سياسة اقتصادية توازن بين نمو الاقتصاد الوطني وبين الأمان الاجتماعي للفئات الكادحة، بعيداً عن التملق المتبادل حول نتائج "باريس 3" المهددة للأسس الوطنية والاجتماعية للدولة...

هكذا تأخذ عملية إعادة تكوين السلطة بعدها المتلازم مع إعادة صياغة الوطن اللبناني الموحد في تعاطيه مع أزمات الخارج... سواء منها في إعادة صياغة العلاقات مع سوريا على قاعدة التكامل والسيادة والبعد عن منهجي  الإلتحاق والعداء، والمنظم للعلاقة مع الفلسطينيين على قاعدة حقهم في العودة والمبني على اولوية المعالجة السياسية والاجتماعية على المعالجة الامنية تجاههم ومعهم ومع ممثليهم السياسيين، وبشكل خاص وطن قادر على صياغة منطق موحد تتكامل فيه عناصر الدولة مع عناصر الصمود الشعبي في مواجهة أطماع العدو الاسرائيلي...

*        *         *

 

نعم ... الانقاذ ممكن، السلم الأهلي ضرورة وبوابته الوحيدة الاصلاح السياسي

 

 

 

 

 الصفحة الرئيسية

 

نسخة للطباعة

 

 الصفحة السابقة


(c) Lebanese Communist Party - 2006
Designed by Comrade Wissam Matta