ببساطة

سعدالله مزرعاني

النداء 63

 مؤتمر الجمعية ومؤتمر الحزب

عقد في الأسبوع الماضي "مؤتمر وطني" لجمعية النجدة الشعبية اللبنانية. والجمعية مؤسسة للعمل الأهلي، الاجتماعي والصحي والبيئي والتنموي... ببعد ديمقراطي هادف. وقد أكتسبت الجمعية التي اطلقها في أوائل السبعينات الدكتور محمد دقيق، حجماً وموقعاً مرموقين، واستقطبت في مجرى نشاطها، مساهمة عدد كبير من الشخصيات الوطنية والديمقراطية، مما ضاعف من حضور ووزن ودور الجمعية على المستوى الوطني.
طبيعة الأحداث المتوترة في لبنان (الحرب الأهلية، العدوان الاسرائيلي...) فرضت اولوية الإغاثة على عمل الجمعية. وبرز دورها في الجنوب خصوصاً، لمواجهة نتائج الاعتداءات الإسرائيلية، حيث شكلت وحداتها المتطوعة ومراكز الطوارئ التابعة لها، أحد عناصر الصمود الشعبي الذي كانت المقاومة طليعته التي الحقت بالعدو الاسرائيلي المعتدي، هزائم لم يعرفها على أي جبهة عربية.
لكن مسار العمل في الجمعية لم يستمر على وتيرة ايجابية متواصلة. فالمتغيرات اللاهثة التي اصابت لبنان (في جانبيها الخارجي والداخلي)، تركت تاثيراً كبيراً على عمل الجمعية. وكان اخطر تلك الإنعكاسات الخلاف الذي نشب في الجمعية وعليها في أواسط التسعينات. وقد أدى ذلك الى ابعاد او ابتعاد عناصر أساسية، كانت تقود بكفاءة عمل الجمعية في مراحل سابقة، الا أنها اعتمدت تباعاً، وجهة دار بشأنها خلاف كبير، ما زال يستحق ان يدرس وتستفاد منه العبر.
لقد ادى الإبعاد والإبتعاد المذكور الى تحوِّل مضطرب في عمل الجمعية. وفي مواجهة فكرة الإستقلالية الشاملة للجمعية، قامت فكرة التبعية الكاملة. كلا هذين إفراط وتطرف ومغالاة. ففي الجمعية لعب شيوعيون، اعضاء في الحزب الشيوعي، دوراً مؤسساً ومبادراً وقيادياً... الا أن الجمعية ليست منظمة حزبية. إنها جمعية اهلية ذات اهداف ووظائف أشرنا اليها سابقاً. إنها مؤسسة اجتماعية وليست مؤسسة سياسية. وهي على هذا الأساس، ليست مجال عمل لأعضاء الحزب الشيوعي دون سواهم. بل هي مجال عمل مفترض وممكن لعدد كبير من الذين يفضلون حصر مشاركتهم في الشأن العام، عبر العمل الاجتماعي، وليس عبر العمل السياسي المباشر والمنظم، أو ما شابه ذلك. حتى أعضاء الحزب الذين يعملون في الجمعية، يجب أن يعرفوا، وأن يتقنوا، العمل وفق برامجها وأهدافها.
والواقع أنه في مجرى عمل الجمعية كان مقياس نجاحها في دورها، قدرتها على جذب كفاءات وقدرات غير حزبية، سياسية وشعبية، للعمل في المجالات التي إختارتها الجمعية. وكان أحد أبرز علامات ذلك إنخراط شخصيات عامة مؤثرة، في مواقع الجمعية القيادية، ولو بشكل رمزي وإعتباري، في مناخ ايجابي تسوده الثقة والتعاون والإنتاجية.
في تلك المرحلة إنتشرت مؤسسات ومراكز وأنشطة الجمعية في كل المناطق اللبنانية تقريباً. وبات قادة الجمعية رموزاً في العمل الأهلي اللبناني. وإستحقت الجمعية رسمياً، صفة مؤسسة ذات منفعة عامة، وتنوعت علاقاتها الى مجالات وأمكنة جديدة وواسعة في الداخل والخارج.
مر مؤتمر الجمعية الأخير، مرة جديدة، دون مشاركة دولية، ودون ضيوف محليين، ودون أن يشكل محطة للتقييم وللمراجعة ولإقرار الخطط ولإختيار القيادة في اجواء طبيعية. ساد المؤتمر التوتر والمناكفات وإنتقلت اليه، مرة جديدة الخلافات الحزبية، فإبتعد أكثر فأكثر عن هدفه وعن مهمته كمحطة أساسية في مجرى نضال الجمعية وفي مجرى السعي لتطوير هذا النضال.
هل فات الآوان لتدارك هذا الوضع السلبي؟ نعم وكلا! نعم، إذا أمعنا في نفس السياسات والفئويات والخلافات .... وكلا، اذا استفدنا من تجربتنا وتركنا لهذه الجمعية أن تنتج دورة نشاطها بشكل طبيعي، في مناخ من الايجابية والود والتعاون والتكامل..
الجمعية مطالبة بموجب وظيفتها المفترضة، أن تكون مؤسسة واسعة للعمل الشعبي والجماهيري في كل البيئات، وخصوصاً المغلقة منها. وبوسائط الخدمة النموذجية والاهتمام بشؤون الناس للتخفيف من معاناتهم ودفعهم الى المشاركة والى الوعي والى الفعل والانتاج والاحتجاج...
الجمعية ميدان للنشاط يجب أن يطلق الكوامن من الطاقات، ويتيح الضروري من المبادرات، ويستقبل ويجذب اللافت والمنتج من الطاقات واللكفاءات... سواءً كانت حزبية او غير حزبية، ولا فضل لواحدهما على الآخر الا بتقدمه في مجال البذل والمبادرة والنشاط والتضحية والإنتاج.
ما ينطبق على الجمعية، ينطبق، بهذه النسبة أو تلك على كل ميادين العمل الجماهيري، وخصوصاً في ميادين العمل الشبابي والطلابي والنقابي والعمالي، وفي صفوف أوسع الفئات الشعبية المحرومة التي يبتعد عنها بشكل خطير، تأثير القوى الديمقراطية ذات الاتجاه غير الطائفي، وذات الهواجس المتصلة بالعدالة الاجتماعية وبتأمين مقومات التطور والتقدم والسيادة والديمقراطية والحرية..
المؤتمر الوطني العاشر للحزب الشيوعي مطالب بالكثير، وفي المقدمة بورشة اصلاح شاملة لجملة من التوجهات والسياسات والعلاقات.
 

 

 

 

 

 الصفحة الرئيسية

 

نسخة للطباعة

 

 الصفحة السابقة


(c) Lebanese Communist Party - 2006
Designed by Comrade Wissam Matta