تـاريخ الحزب الشيوعي اللبناني


* تأسس الحزب الشيوعي اللبناني رسمياً في 24 تشرين أول (أوكتوبر) 1924
* تم تأسيسه في بلدة الحدث من ضواحي بيروت الجنوبية. حضر الأجتماع التأسيسي عمال نقابيون، اسسوا نقابات عمالية حقيقية، من نوع جديد في لبنان وبلاد الشام. ـ كانت النقابات، حتى ذلك الحين، جمعيات مهنية تضم أرباب العمل والعمال – الى هؤلاء العمال ضم الاجتماع نخبة من المثقفين والجامعيين، اصحاب مهن حرة وكتاباً وصحافيين، من الذين سبق ونشطوا كتابة وخطابة في الترويج لافكار مستمدة من شعارات الثورة الفرنسية في الحرية والعدالة والاخاء، ومما تمكنوا من الاطلاع عليه في كتابات ماركس وأنجلس وغيرهم، ومتأثرين بوهج الثورة الروسية، ثورة تشرين أول (أوكتوبر) وانجازاتها الأولى بقيادة لينين. وكان هؤلاء المثقفون قد تتلمذوا على كتابات مفكري النهضة العربية المشرقية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وتأثروا، بخاصة، بالأفكار الجريئة لبعض رواد النهضة، وبما كشف هؤلاء من افكار ومواقف وتجارب ثورية في التراث العربي طمستها كلها عصور الأنحطاط المديدة، وبما نقلوا وترجموا من نتاجات الغرب المتقدمة في العلوم، وبالأخص منها علم الأجتماع.
* تم ذلك على أرضية الخيبة من التطورات التي حصلت في اعقاب الحرب الكونية الأولى وأدت الى تفتيت الولايات العربية من السلطنة العثمانية المنهارة وأقامة كيانات عديدة فيها خاضعة كلها للأستعمار، بتواطؤ، صريح أحياناً، وخفي في معظم الأحيان، من جانب الزعماء والمرجعيات الأقطاعية والدينية. الامر الذي حطّم طموحات الوطنيين الصادقين بدولة عربية كبيرة موحدة مستقلة وسيدة.

* من ابرز حضور ذلك الاجتماع التأسيسي يوسف ابراهيم يزبك الصحافي آنذاك والمؤرخ الكبير فيما بعد والقائد النقابي فؤاد الشمالي.

* كان الحزب الذي أسس في ذلك اليوم، رسمياً، حزباً للشيوعيين على امتداد المنطقة العربية التي أخضعت للأنتداب الفرنسي،أي الجمهوريتين الحاليتين، اللبنانية والسورية، ولواء الأسكندرون الذي قايضه الفرنسيون، عام 1939، بامتناع تركيا عن دخول الحرب لجانب المانيا، وتم فيه تطهير عرقي بطرد سكانه العرب وهو الى جانب التطهير العرقي الذي أصاب الأرمن قبل ذلك في تركيا نفسها، اخطر تطهير عرقي تم في القرن العشرين واستمرت مفاعيله دون أي ادانة أو تعديل أو تعويض.

* الحزب أنقسم عام 1964، بصورة ناجزة، الى حزبين مستقلين : الحزب الشيوعي اللبناني والحزب الشيوعي السوري.

* الحزب الشيوعي اللبناني هو أقدم حزب في لبنان. وهو يتميز بأنه يضم في صفوفه مناضلين من مختلف الطوائف اللبنانية ومن الأقليات القومية الموجودة في لبنان، ولا سيما أكبرها، الأقلية الأرمنية. وهو ينتشر في كل المناطق والمدن اللبنانية.

* كما تؤكد وثائق التأسيس، فان الحزب الشيوعي اللبناني، على خلاف نشوء احزاب شيوعية اخرى في المنطقة وخارجها، نشأ دون أي تدخل خارجي مباشر، بل بعملية تطور داخلية هادئة وطويلة نسبياً، تلبية لطموحات عناصر متقدمة الوعي من العمال والمثقفين وعلى قاعدة نضوج ظروف موضوعية لحصول هكذا حدث.

* شكل هؤلاء الشيوعيون حزبهم باسم "حزب الشعب" واصدروا جريدة بعنوان : "الأنسانية"، ولم تتم صلته بـ "الكومنترن" الا عام 1927، سنة انتسابه اليه وتغيير اسمه من "حزب الشعب" الى "الحزب الشيوعي". وكان ذلك شرطاً من شروط الأنتساب.

* هو أول من نادى في لبنان بتحديد ساعات العمل، بثمانية ساعات في اليوم. كان الشعار الذي اطلقه وناضل من اجل انجازه : ثمان ساعات عمل، ثمان ساعات تعلّم وتنزه، وثمان ساعات نوم.

* اطلق هذا الشعار، الى جانب شعارات اجتماعية اخرى، في مهرجان كبير في الأول من ايار 1925، في قلب بيروت، وقد توقف العمال، في ذلك اليوم، عن العمل لأول مرة في لبنان، بدعوة من الحزب.

* انصرف الشيوعيون فور تأسيس حزبهم الى تنظيم العمال وتأسيس نقابات في مختلف فروع نشاطهم، الأمر الذي أسس للارتباط بين الحزب والعمل النقابي ارتباطاً لا انفكاك له على امتداد عمر الحزب وعمر الحركة النقابية على حد سواء.

* أرتبط الحزب منذ تأسيسه بحركة شعبنا التحررية، وهو غداة تأسيسه أسهم في الثورة السورية، مشاركة ودعماً ودفاعاً في المحافل الدولية التي كان على اتصال بها، لا سيما في فرنسا، الدولة التي قامت الثورة في وجهها وضد استعمارها. ودفع ثمن هذا الموقف سجوناً ومنافي وتعطيل لـ "الجريدة"، واخضاع الحزب لاقسى ظروف القمع…



* بعد الضربة التي وجهت الى معظم قادة الحزب وملاكاته بعد اخماد الثورة السورية، وانتقال الحزب الى السرية المطلقة والعمل البنائي الداخلي، لم يعد الحزب الى الواجهة السياسية إلا في عام 1930. ففي هذا العام، في شهر نيسان، وفي اطار من السرية الصارمة جداً، عقد الكونفرانس الوطني الثاني للحزب، وكان الكونفرانس الأول عقد في عام 1928. وقد عقد الكونفرانس الثاني في حي الجميزة في وسط بيروت. ويكتسب هذا الكونفرانس قيمة استثنائية وهامة في حياة الحزب وانطلاقته اللاحقة. ورغم شدة التدابير السرية والحرص الشديد على عدم انكشاف هذا النشاط فقد حضر هذا الكونفرانس 36 مندوباً يمثلون منظمات الحزب في : بيروت، دمشق، طرابلس، حلب، حمص، زحله، يبرود، النبك، بكفيا، بعلبك وعكار. بحث الكونفرانس في تقرير اللجنة المركزية حول الاوضاع السياسية والمهمات التي تواجه الحزب، وأوضاع الحزب التنظيمية، وانتخب لجنة مركزية جديدة.

وقد بحث هذا "الكونفرانس" اعمال الحزب خلال فترة "الصمت" ونتائجها تنظيمياً داخل الحزب، وسياسياً في المجال العام، وبناء على اقتراح اللجنة المركزية قرر العودة الى النشاط العلني وفوّض اللجنة المركزية المبادرة الى ذلك في الوقت المناسب. كما قرر اعتماد اسم الحزب الشيوعي اسماً للحزب بصورة رسمية.

والقرار الآخر الهام الذي اتخذه هذا الكونفرانس هو تكليف اللجنة المركزية بوضع "بلاتفورم" حول اهداف الحزب وغايات كفاحه، وموقفه من كل القضايا التي تواجه البلاد، أي سوريا ولبنان.



وبعد سنة من هذا "الكونفرانس" تقريباً، في 7 تموز، في الذكرى الأولى لاعلان الاسم الجديد للحزب : الحزب الشيوعي، وعودته الى النشاط العلني المكثف، اصدر الحزب "البلاتفورم" الذي كلف "الكونفرانس" اللجنة المركزية اعداده بعنوان : "لماذا يناضل الحزب الشيوعي، غايته القصوى وشي من "بروغرامه".

يؤكد الحزب في هذه الوثيقة ان غايته الأساسية، كسواه من الاحزاب الشيوعية في العالم، هي تقويض النظام الرأسمالي – الاستعماري، وانشاء النظام الاشتراكي على انقاضه. واذ يؤكد ان الاشتراكية هي الهدف الأساسي والنهائي فانه يشدد على المهام المباشرة لنضاله : تحرير سوريا (أي سوريا ولبنان)، من الاستعمار الفرنسي، ومن عملائه والمتعاونين معه في الحكومات في دمشق وبيروت.

وتلبية مطالب العمال بثماني ساعات عمل، وحد ادنى للأجور، وتأمين الشروط الصحية في اماكن العمل، والضمان الاجتماعي على حساب الرأسماليين والحكومة، تعويضات للعاطلين عن العمل تفي حاجات المعيشة حسب عدد افراد العائلة، وانذار العمال قبل صرفهم، ودفع شهر تعويض للعامل المصروف عن كل سنة عمل، واعطاء العامل اجازة سنوية لا تقل عن الشهر مع دفع كامل اجرته.

و لدى قراءة هذه المطالب التي شكلت قاعدة كفاح الطبقة العاملة في لبنان وسوريا طوال عقود وبعضها لم يتحقق بصورة قاطعة حتى الآن، يتبين كم كان نضج الحزب وارتباطه بواقع علاقات الانتاج وقوى الانتاج قد اصبح متطوراً…



وتطالب الوثيقة بتحسين حياة الفلاحين والعمال الزراعيين وتصوغ مطالب لم يتحقق معظمها حتى الآن.

كما تضع مهمات اخرى ديمقراطية عامة، وغيرها تتعلق بتآخي الشعوب وتضامنها.

* نفس الفترة تقريباً صدر عن الحزبان السوري – اللبناني والفلسطيني بيان هام يحدد فيه الحزبان موقفها في ادانة الصهيونية ومحاربتها وفي الدعوة الى الوحدة العربية. وفي عام 1934 عقد مؤتمر زحله الشهير بمبادرة من الحزب وحضره كبار مثقفي سوريا ولبنان وهو المؤتمر الذي صاغ أول دعوة واضحة للوحدة العربية من المحيط الى الخليج.

* في النصف الأول من الثلاثينات تصلب عود الحزب وبرزت فيه عناصر قيادية جديدة شابة اضحى معها الحزب مكوناً أساساً في الحياة السياسية. والى ازدياد نفوذ الحزب في الوسط العمالي وفي الحركة النقابية وبروز قادة نقابيين شيوعيين كبار، تعاظم تحلق المثقفين حول الحزب ولم يبق كاتب أو شاعر أو رجل علم، تقريباً، إلا واقام علاقة ما مع الحزب الشيوعي بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، من خلال المؤسسات الصحفية والمنابر الفكرية التي أقامها وامتلكها أو شارك فيها.

* وبدأ الحزب يشارك في الانتخابات النيابية بمرشحين مباشرين وعلنيين وينال كميات وافرة من الأصوات تشهد على اتساع نفوذه وسمعته. وكان قد شارك بمرشحين في الانتخابات البلدية منذ تأسيسه وفاز له مرشحون في عدد من البلديات.

* منذ الثلاثينات اصدر الحزب، مباشرة، أو بأسم مناضلين شيوعيين عدداً من الجرائد، الى ان اصدر في اواسط الثلاثينات مجلة الطليعة التي حملت صفحاتها خلال بضع سنوات، وهي سنوات صدورها، اسماء لامعة في فضاء الفكر والادب والعلم والثقافة في لبنان وسوريا والوطن العربي باسره.

* في عام 1937، اصدر الحزب جريدته اليومية الشهيرة "صوت الشعب"، بحلة عصرية واخراج متقدم، مقارنة مع صحف ذلك الزمان. وقد اصبحت هذه الجريدة من كبريات الصحف البيروتية ومن اكثرها انتشاراً، وأصدر ملحقاً لها ارمنياً ايضاً للجالية الارمنية الكبيرة في لبنان.

* في هذه المرحلة، مرحلة النصف الثاني من الثلاثينات، ومع تنامي خطر الفاشية والنازية، بادر الحزب، مع استمرار تصديه للاستعمارين الفرنسي والبريطاني في المنطقة، الى التحذير من خطر الفاشية وتنبيه الوطنيين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين والعرب بعامة الى هذا الخطر وعدم الوقوع في شرك الأوساط المشبوهة التي تدعو الى التعاون مع القوى الفاشية باعتبارها عدوة فرنسا وبريطانيا.

وبمبادرة من الحزب، وبمشاركة عناصر قيادية فيه، تداعى عدد بارز من كبار المثقفين الىانشاء عصبة مكافحة الفاشية والنازية.

* عند نشوء الحرب، دفع الحزب ثمناً باهظاً لمواقفه هذه، ولعدائه للمستعمر المباشر وللفاشيين، وتعرض قادته لحكم الاعدام وللسجن ولوحق مناضلوه وعطلت "صوت الشعب" ومنعت من الصدور. ولم يفرج عن الشيوعيين وتعود "صوت الشعب" الى الصدور الا بعد ان طردت من لبنان وسوريا السلطات الفرنسية الموالية لحكومة فيشي لتحل مكانها سلطات موالية للجنرال ديغول ولجنة الجزائر…



* بعد عودة الحزب الى نشاطه العلني وعودة الجريدة اليومية الى الصدور، اخذت شعبية الحزب تزداد ونفوذه يتعاظم، وتحول فعلاً الى حزب جماهيري تخفق اعلامه على امتداد البلدين الشقيقين سوريا ولبنان.

* تصدى الحزب بقوة لمؤامرة اغتصاب لواء اسكندرون وتتريكه عام 1939، وظل لسنين طويلة يذكر بهذه الجريمة. وقد تشرد الوف الشيوعين من ابناء اللواء السليب نتيجة لهذه المؤامرة.

* برز الحزب قوة شعبية كبيرة وشديدة التأثير في معركة الاستقلال في لبنان وسوريا، لا سيما لجهة تصليب الموقف الوطني والضغط الشعبي لمنع ما كان يبرز من قبل عند ممثلي البرجوازية المحلية، المشاركة في السلطة أو التي في المعارضة، من ميل للمساومة.

* وعندما قام المؤتمر الوطني في لبنان لقيادة المعركة، عند اعتقال رئيس الجمهورية اللبنانية، ورئيس الحكومة، وبعض الوزراء والزعماء، اثر تعديل الدستور لالغاء المواد التي تخضع لبنان لانتداب فرنسا، احتل ممثلو الحزب موقعاً بارزاً في قيادة هذا المؤتمر ولعب الشيوعيون دوراً معترفاً به في هذه المعركة الحاسمة.

* وكان دور الحزب حاسماً في معركة اجلاء القوات البريطانية والفرنسية في لبنان وسوريا، في تعبئة الرأي العام الفرنسي والبريطاني من خلال الصلات المباشرة التي اجراها ممثلوه مع الحزبين الشيوعيين في البلدين المعنيين، ومع القوى الديمقراطية فيهما. وشارك ممثلون للحزب، كصحفيين مرافقين للوفود الرسمية المفاوضة، وسهلوا اقامة صلات بين هذه الوفود وبين القوى الديمقراطية المعنية.

* في عام 1941، اصدر الحزب، الى جانب "صوت الشعب"، مجلة "الطريق" كمنبر فكري وثقافي بعد توقف الطليعة عن الصدور… وهي ما تزال تصدر حتى اليوم. وتتطور مع تطور الازمنة والاحداث والحاجات.

* منذ بداية الاربعينات وحتى قيام دولة اسرائيل تعاظم دور الحزب وتحول الى حزب جماهيري كبير يضم عشرات الالوف من الاعضاء وترسخ وضعه التنظيمي، واستقر وضعه القيادي، واصبح عند الشيوعيين زعماء سياسيون وزعماء عماليون، معترف بهم ولهم شعبيتهم، ليس في وسط الشيوعيين واصدقائهم وحسب، بل على الصعيد الوطني العام… وصار من النادر ان لا تكون لمثقف يستحق هذه التسمية، علاقة ما مع حزب الشيوعيين.

* في نهاية عام 1943، وبداية عام 1944، عقد الحزب مؤتمره الوطني الذي نعتبره نحن اللبنانيين، المؤتمر الأول. لأنه فعلاً الأول من حيث مواصفات المؤتمرات وانتخاب المندوبين وساعات النقاش التي امتدت على ايام ولاهمية ما صدر عنه من قرارات. وكان هذا المؤتمر حدثاً وطنياً كبيراً، عقد في بيروت، وحضره بصفة ضيوف وزراء ونواب وشخصيات سياسية وثقافية وعامة تمثل نخبة المجتمع اللبناني.

* اصدر المؤتمر قراراً بتحول الحزب الى حزبين، بعد اعلان استقلال البلدين لبنان وسوريا، حزب شيوعي لبناني، وآخر سوري. وأعلن المؤتمر ان علم الحزب في لبنان هو العلم اللبناني، وعلمه في سوريا هو العلم السوري، ونشيده في لبنان هو النشيد الوطني اللبناني، ونشيده في سوريا هو النشيد الوطني السوري.

* واصدر المؤتمر قراراً يرحب به بحل الأممية الشيوعية "الكومنترن"، وهي حلت عام 1943، ويؤكد استقلال الحزب التام وتحرره من كل علاقة تنظيمية مع اية دولة أو أي طرف ومرجعية تحوله بالكامل الى قوة سياسية وطنية.

* اصدر هذا المؤتمر الهام برنامجاً للحزب ونظاماً داخلياً. وكان البرنامج الذي صدر عن هذا المؤتمر، مع محافظته على ثوابت الهدف النهائي، برنامجاً شديد الملموسية بارتباطه باحداث تلك الايام وضرورة انجاز موجبات الاستقلال الوطني وبناء دولة الاستقلال ومؤسساتها.

* في تلك الفترة نمت الحركة النقابية بقيادة الشيوعيين وتصلب عودها وتوحدت قواها في اتحاد عام لعب دوراً حاسماً في فرض سن قانون للعمل، كان الاول والفريد من نوعه في البلدان العربية. حدد هذا القانون، لأول مرة، ساعات العمل، ومنع التسريح الاعتباطي، ونص على تعويض نهاية الخدمة وعلى حقوق عديدة، وهو ما يزال، مع بعض التعديلات، القانون القائم حتى الآن.

* نمو الحزب وازدياد جماهيريته واتساع نشاط منظماته التي غطت البلاد بأسرها، بدون استثناء، وتحوله الى مكون نشط في الحياة السياسية والوطنية اللبنانية، بدأت تقلق الأوساط المحافظة، في السلطة، خاصة بعد تعاظم الحملات التي شنها الحزب واستجابت لها الجماهير الشعبية في مواجهة مشاريع الاحلاف الاستعمارية التي كانت تحاول اعادة الاستعمار من النافذة بعد اخراجه من الابواب الواسعة. وبدأت هذه الأوساط واسيادها تنتظر ظرفاً يتيح لها الانقضاض على الحزب وضربه.

وقد جاءتها هذه الفرصة باعلان دولة اسرائيل وبالحروب - المهزلة التي شنها العرب على الكيان المعلن، والخيانات التي رافقت هذه الحروب ومكامن الفساد التي انكشفت. فلتغطية عجزها وتواطؤها وخيانة أوساط منها، عملت الحكومات العربية، وحكومتا سوريا ولبنان بخاصة، الى حل الحزب في البلدين، والى تعطيل "صوت الشعب"، واعتقال عشرات المناضلين. وزج اللبنانيون منهم في معتقل اقيم خاصاً بهم في بعلبك، والسوريون في سجون سورية.

ورغم ان هؤلاء المعتقلين قد افرج عنهم بعد زمن دون محاكمة ودون توجيه أي اتهام، فان حل الحزب ظل سارياً وجريدته "صوت الشعب" عطلت نهائياً. وبدأ منذ ذلك التاريخ عصر قمع وارهاب للحريات العامة والخاصة استمر سنوات مما اجبر الحزب للعودة الى السرية. وقد دخل السجون مئات الشيوعيين في هذه السنوات.

وقد ادى القمع والأرهاب الى ردة فعل يسارية حادة عبر عنها بعشرات المظاهرات المتحدية الانتحارية. وقد نتج عن هذا النهج اليساري المتحدي والمكلف ضمور في عدد الشيوعيين وانكفاء لاعداد واسعة منهم عن التنظيم وعن المشاركة في المظاهرات.

* الا ان فترة ردة الفعل هذه لم تستمر طويلاً وعاد الحزب، بعد ان استقر في عمله السري، الى اكتشاف اساليب وصيغ مختلفة لايصال موقفه وللتأثير في الاحداث، وحول السرية التي فرضت عليه الى نصف سرية، فالى سرية شكلية وعاد منذ السنوات الأولى في الخمسينات، الى العمل الصحفي العلني فاصدر جريدة "الصرخة" اسبوعية فيومية، وكانت ملكاً لأحد اعضائه الصحافيين، ثم اصدر عام 1954 جريدة "الأخبار"، الاسبوعية. وكان قد اصدر مجلة ثقافية باسم "الثقافة الوطنية"، وكانت صحافته آنذاك طليعية ولعبت دوراً هاماً سياسياً وثقافياً.

* وبعد سقوط دكتاتورية الشيشكلي في سوريا، وقيام مرحلة الحكم الديمقراطي البرلماني هناك، اصدر الحزب جريدة "النور" الدمشقية اليومية التي لعبت دوراً هاماً في ترسيخ الديمقراطية وفي مواجهة ما كانت تتعرض له سوريا من مخاطر.

* وفي اعقاب احداث عام 1958، ضد حكم شمعون ومحاولته ربط لبنان بحلف بغداد ومشروع ايزنهاور، وبفعل الدور الكبير الذي قام به الشيوعيون في هذه الأحداث، عاد الحزب الى وضع شبه علني بالكامل واصدر جريدة "النداء" اليومية، اضافة الى "الاخبار"، والمجلات الاخرى، وبدأ انتشاره الجديد الواسع وخاصة في الأوساط الأكثر حيوية، أي أوساط العمال والطلاب والمثقفين.

* برز في هذه الفترة جيل جديد من القادة اكثر ارتباطاً بنبض الشارع وذو تجربة واسعة في العمل الجماهيري، مارسه في الجامعة وفي المعمل والمؤسسة، واكثر تحرراً من الارتباطات العاطفية بما كان يسمى وطن الاشتراكية، وبلد العمال والفلاحين، وشديد الانتقاد لما كان يلمس من اخطاء ونواقص في تجربة الاتحاد السوفياتي والدول الدائرة في فلكه، ومن بعد وانفصام بين ما يقال وما يعمل ويمارس فعلاً. كما انه كان منفتحاً على ما برز من تجارب ثورية جديدة، غير تقليدية، في البلدان العربية وخاصة في مصر والجزائر، مدركاً لما تحمل القضايا الوطنية في ظروف بلادنا والبلدان المماثلة، من طاقة تحررية وتقدمية.

* كانت فترة الستينات من اخصب المراحل في مسيرة الحزب لما تخللها من حوارات جدية وصراعات افكار ومواقف تبلورت، على امتداد تلك السنوات، لتنتج وثائق وقرارات المؤتمر الثاني التاريخي.

* في اواسط الستينات تم الانفصال النهائي بين الحزبين في سوريا ولبنان على قاعدة خلافات عديدة ابرزها الخلاف حول القضية القومية ومفهوم الامة العربية والطموح الى الوحدة في حين كانت المواقف الرسمية للرفاق السوريين تجنح الى الأنعزال.

* المؤتمر الثاني صيف عام 1968، لم يكن اذن وليد ازمة نشبت عام 1967، أو قبله بعام، بل هو محصلة ونتيجة لصراع هادئ احياناً وصاخب احياناً، استمر حوالي السنوات العشر. وحسم هذا الصراع لمصلحة ما قرر في المؤتمر الثاني لم يكن يتم في الحلقات المغلقة والتآمر والحرتقات، وهو اسلوب أتبعه رافضوا التجديد والتحديث المتحصنين بقلاعهم، والمدعومين من الحركة الشيوعية العالمية، بل كان يتم، وبالتدريج، في ميادين الكفاح والمعارك السياسية والاجتماعية. والذي حسمه، في الواقع، هو الجمهور الواسع في الحزب الذي تصلب عوده وارتفع وعيه في نار النضال المتنوع الذي خاضته تجمعات العمال في مصانعهم ومؤسساتهم ومزارعهم، وتجمعات الطلاب في الجامعات والمدارس الثانوية، والمثقفون الذين تكاثر عددهم وازداد دورهم في حياة الحزب.

وعمد المؤتمر الى المراجعة النقدية الراقية والموضوعية لمسيرة الحزب منذ المؤتمر الاول، أي طوال ربع قرن مليء بالاحداث والنجاحات والخيبات. ووضع الحزب في موقعه الصحيح، حزباً لبنانياًُ بامتياز، وعربياً بامتياز، أيضاً. لقد كان الحزب لبنانياً وعربياً في آن، في وقت كان اللبنانيون، في معظمهم، يشوهون اللبنانية والعروبة بنفي متبادل ادى، مع اسباب اخرى، الى الحرب المدمرة التي استمرت عقد ونصف من الزمن. قام المؤتمر بلبننة الحزب وتعريبه، أي جعل اهتمامه الاساسي ينصب على القضايا اللبنانية والعربية، وعلى ما يرتبط بها ويؤثر فيها من قضايا اقليمية ودولية. واصدر هذا المؤتمر، لأول مرة في تاريخ الحزب، برنامجاً شاملاً ونظاماً داخلياً كاملاً.

وجاء المؤتمر الثالث عام 1972، مكملاً ومطوراً للمؤتمر الثاني.

ومن اهم انجازات هذين المؤتمرين، اضافة الى لبننة الحزب وتعريبه، المواقف التي تضمنتها وثائقهما والتي يمكن اعتبارها عملية التحديث والتطوير الأولى في الفكر الشيوعي، قبل كل التجارب الأخرى والمحاولات الأخرى.

فهذه الوثائق نصت على احترام تداول السلطة والتناوب عليها اذا شاء الناخبون ذلك عن طريق انتخابات حرة فعلاً. وأن مطلق نظام عليه ان يستمد شرعيته ومبرر بقاءه من ارادة الناس الحرة في الانتخابات الحرة، وليس عن طريق القمع والقوانين المقيدة، ورفض المؤتمر صيغة الحزب الواحد وأكد على التعددية.

وكانت واضحة في التأكيد ان الارض للعاملين عليها، وان التعاونيات وما شابهها لا يمكن ان تقوم الا برضى اعضائها والمنتسبين اليها ورفضه أي اكراه للفلاح لضمه الى التعاونية. كما كانت واضحة في الاحترام لحق الملكية الخاصة، وحصر ضرورات التأميم في ما له علاقة بالمصلحة العامة وبالخدمات التي ينبغي توفيرها للمواطنين، أو باستثمار الثروات الطبيعية التي تعود مليكتها اساساً للمجتمع… الى النظرة الجديدة الى الدين والمؤمنين وضرورة التفتيش عما يجمع بينهم وبين الشيوعيين من قيم انسانية سامية وهموم مشتركة.

الى كل ذلك تفهّم هذا المؤتمرين للتجارب الثورية الكثيرة التي قامت في العالم الثالث ودعمهما لها، ورفضهما احتكار العملية الثورية بفكر احادي وتجربة احادية، والمواقف الاخرى التي اتخذاها بوضوح دعماً للثورة الفلسطينية ورفضاً للتسليم بامر واقع في فلسطين، وتبنيهما الصريح لمشروعية النضال من اجل الوحدة العربية على اعتبار ان العرب ينتسبون لامة واحدة وواجبهم الكفاح لتوحيد شعوب هذه الأمة.

كل هذه المواقف الواضحة صاغها الحزب على قاعدة برنامجه الذي حوله من حزب ينظر الى التطورات من الخارج بانتظار ساعة الصفر وحلول دور موعود، أو مرصود، له الى دور يومي ومسؤولية يومية ومباشرة عما يجري في البلاد من احداث باعتبار ان التغيير يتم في كل ساعة ومع كل موقف ولا يأتي فجأة ومرة واحدة، والا كان انقلاباً يذهب به انقلاب آخر مهما طال الزمن….

* هذان المؤتمران نقلا الحزب من حال الى حال ووضعاه نهائياً، في قلب الحركة الوطنية لشعبنا، وفي قلب حركة التحرر العربية، ورفعا من وزنه في نظر قوى التحرر العالمية واثبتت السنون اللاحقة، حتى يومنا، اهمية هذين المؤتمرين ودورهما الكبير فيما قام به الحزب من انجازات في توحيد الحركة الوطنية والديمقراطية اثناء سنوات الحرب الصعبة وفي حركة المقاومة التي اطلقها، واعاد باطلاقها وانجازته فيها الاعتبار الكامل لتقاليد الشيوعيين في المقاومة وحروب الانصار، الى تحوله نهائياً، ورغم كل محاولات العزل والتهميش، الى مكون اساسي في الحياة الوطنية اللبنانية والعربية.

وتم عقد المؤتمرين الرابع والخامس في سني الحرب وارتبطت ابحاثهما وقراراتهما، اساساً، بها.وعند مراجعة وثائق هذين المؤتمرين يكتشف المرء مدى ارتباط الشيوعيين العميق بقضايا البلاد ومصالح الشعب. ومدى ما كانوا يتمتعون به من اطلاع ومعرفة وقدرة على الاستشعار عن بعد لما تم لاحقاً من احداث. فالمؤتمر الرابع مثلاً، الذي عقد في عام 1979، حذر بوضوح من اجتياح اسرائيلي جديد يصل الى بيروت لتنصيب بشير الجميل رئيساً للجمهورية، في وقت كانت تجري محاولات ساذجة لجعل بشير الجميل يقطع علاقاته مع اسرائيل، وفي وقت، ايضاً، اعتبر فيه ما قاله المؤتمر، حول هذا الموضوع، من باب المبالغة والطرافة الشيوعية.

قام المؤتمر الرابع بمراجعة نقدية لحرب السنتين الأولتين من الحرب الاهلية التي خاضها الحزب ولعب فيها دوراً هاماً في الدفاع عن الثورة الفلسطينية وتظهير الجانب اللبناني في الأزمة التي ادت الى نشوب الاقتتال، وحمّل السلطات المتعاقبة منذ الاستقلال والطبقة السياسية السائدة المسؤولية عن تصديها لكل محاولة اصلاح وتحميلها المسؤولية الاساسية عن هذه الحرب.

وفي الواقع ضعف دور الحزب والحركة الوطنية، في نهاية حرب السنتين وبعد اغتيال زعيم الحركة الوطنية كمال جنبلاط ليتحول الى موقف دفاعي عن الذات، وتركّز دور الحزب على ادانة التعاون مع اسرائيل من قبل فرقاء الجبهة اللبنانية، وفي النشاط القومي لمواجهة اتفاقيات كامب دايفد وخروج مصر من المعركة مع العدو.

* واستعاد الحزب دوره بقوة في التصدي للغزو الاسرائيلي والصمود في وجهه وفي اطلاقه لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، بعد مغادرة المقاومة الفلسطينية المسلحة لبنان، ولدى دخول القوات الاسرائيلية الغازية الى مدينة بيروت. وابلى الحزب بلاءاً حسناً في هذه المقاومة مع قوى مقاومة اخرى الامر الذي اجبر القوات الاسرائيلية على الانكفاء عن بيروت ثم الجلاء عن كل المناطق اللبنانية باستثناء الشريط الحدودي الذي احتل عام 1978. وكانت السنوات الممتدة منذ عام 1982 وحتى السنوات الأولى من التسعينات، سنوات المقاومة الباسلة التي اعطاها الحزب كل جهده وبذل فيها الغالي من التضحيات. وفي حين كانت الحرب الأهلية تتحول الى حرب بين الطوائف والمذاهب، وفي داخل هذه الطوائف والمذاهب بين عصابات امراء حرب، كان جهد الحزب الشيوعي منصباً على مقاومة العدو وقتاله مركزاً النار باتجاهه. الا ان نهاية الثمانينات وسنوات التسعينات الاولى خلقت للحزب مصاعب كبيرة. فاتفاق الطائف الذي اوقف الاقتتال جاء نتيجة تسوية دولية واقليمية فرضت طبقة سياسية، كانت خليطاً من امراء الحرب زعماء الطوائف ومن سياسيين قدماء، وآخرين صنعوا خصيصاً لتلبية سياسات معينة ومصالح معينة. وجرى استثناء الحزب من المشاركة في الحل وتطبيقه، وبذلت جهود كبيرة لعزله وتهميشه، وصودر سلاحه وعرقلت حركة مقاتليه، وشلت ماكنته المقاومة بقطع طرق امداده وفقدانه لسلاحه، مما اضعف من دوره لمصلحة من عهد اليه بهذا الدور حصراً. كل ذلك في وقت انهيار الاتحاد السوفياتي ومعسكره، وربما بسبب هذا الانهيار.

هذه الاحداث بتراكمها خلقت عند الشيوعيين حالة احباط، حاول المؤتمر السادس عام 1992 معالجتها، ونجح عملياً بازالة قسم كبير منها.