|
طبيعة المرحلة وسماتها العامة
I-
موضوعات في الوضع الدولي:
·
يتجه الحزب نحو عقد المؤتمر التاسع في مرحلة دقيقة شديدة الخطورة شهدت غزوًا
أمريكيًا وبريطانيًا وحشيًا للعراق، يتجاوز في أهدافه، الخفية بل والمعلنة، العراق،
قيادةً ونظامًا، كما يتجاوز في مقاصده ما تدعيه أمريكا حول القضاء على الإرهاب
وتعزيز الديمقراطية في المنطقة العربية. وقد ألحقت الحرب الدائرة ويلات إنسانية
بالشعب العراقي، ودمارًا واسعًا للبنى الاقتصادية والاجتماعية ومكنت الأميركيين من
وضع اليد، مرة أخرى، على منابع نفط العراق مباشرة. كما تؤشر هذه المرحلة الى تطورات
محتملة، عميقة الأثر وبعيدة المدى، وهي تطورات مفتوحة على متغيرات وتحولات جيو
سياسية تطال العالم بأسره، وان كانت ستطال بتداعياتها العالم العربي، في مراحلها
الأولى. كما تطال هذه التطورات مناحي الحياة كافة: السياسة، والاقتصاد، والاجتماع،
والثقافة، بل حتى معتقدات الناس وقيمهم وأنماط سلوكهم!
·
إن الهدف الأساس للعدوان الأميركي والذي سقطت ذريعته الأساسية بامتلاك العراق أسلحة
دمار شامل، هو إعـادة رسـم الخـارطة الجـيو سياسية في منطقة الشرق الأوسط بما يحقق
مصالح أمريكا الاستراتيجية، ليس فقط في المنطقة هذه بل في العالم بأسره، ومن ضمن
هذه المصالح ومن أولوياتها تأمين مصلحة إسرائيل كدولة، وكقوة إقليمية مسيطرة،
وكشريك استراتيجي. كما ان من أولويات هذه الاستراتيجية استكمال السيطرة المباشرة
على منابع النفط، حيث تنتج منطقة الخليج العربي حاليًا حوالي 30% من إنتاج العالم،
وحيث تحتوي على حوالي 65% من الاحتياطي المحقق عالميًا، مما يجعلها المنطقة الوحيدة
القادرة على تلبية الطلب العالمي المتزايد على النفط بمعدلات مرتفعة ومضطردة،
خصوصًا في الولايات المتحدة الأميركية التي يتوقع أن يزداد اعتمادها على النفط
المستورد ليصل الى نحو 70% من مجموع استهلاكها عام 2020. ولطالما كانت السيطرة على
الثروة النفطية العربية، بدءًا من منابع النفط وصولاً الى أسواق استهلاكه، هدفًا
استراتيجيًا أمريكيًا تقدّم، ولا زال يتقدم، على أي شعار آخر.
إن
نجاح أميركا في مخططاتها سيمكنها من التحكم بمصدر الطاقة الأساسي في العالم وهو
المصدر الأكثر توفرًا وأمانًا ورخصًا في المرحلة الراهنة. والنجاح هذا سيمكنها
بدوره من التحكم بمسار ووجهة تطور الكثير من دول العالم وتكتلاته، وبخاصة أوروبا
واليابان. وفي هذا المجال يمكن اعتبار الحرب الأمريكية بمثابة "هجوم استباقي"
اقتصادية الأهداف تحاول أميركا بواسطته احتواء المتغيرات الحاصلة في العالم، لجهة
تنامي قدرات دول وتكتلات منافسة لأميركا، والتحكم بوتيرة تطورها (أوروبا – الصين –
جنوب شرق آسيا- روسيا- أميركا الجنوبية...). إضافة الى ردم الهوة المتسعة بين قدرات
أمريكا العسكرية والتقنية وبين قدراتها الاقتصادية المتراجعة نسبيًا.
·
إن اتساع الاستهدافات والأطماع الأميركية، والتي تشمل العالم برمته، ولا تستثني
ايضا" مراكز رأسمالية ودولا" كبيرة وشعوبا" بأسرها، يؤسس لإعتراض عالمي متعدد
الأطراف ضد هذه الاستهدافات والأطماع، ولمقاومة تتسع دون حدود حتى اسقاط هذا الجموح
الخطير او تقليص مخاطره
·
وتشكل العولمة خلفية التطورات الجارية، وترسم منحاها العام على المستوى العالمي. إن
العولمة التي يدور جدل واسع في العالم حول تعريفها وعناصرها المحددة، هي في جوهرها
الاقتصادي، عملية تدويل مكثف ومتزايد لحركة رأس المال، بدأت في التوسع مع التطورات
الاقتصادية الكبيرة التي حصلت خصوصًا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وساعدت
على تطور هذه العملية، وتساعد في تسريع وتائرها، الاكتشافات العلمية والتقنية
خصوصًا في مجالي المعلوماتية والاتصالات. ومن مستلزمات هذه العملية، ومن تداعياتها،
إزالة القيود أمام حركة راس المال والسلع، وتحقيق المزيد من التبادل والترابط بين
دول العالم وبخاصة أسواقها، بما يتجاوز الحدود القومية، وصولاً الى اندماج يتسع
باستمرار ليشمل قطاعات ونشاطات متزايدة تنتشر في شتى أنحاء المعمورة. ان الرأسمال
المعولم، عبر مؤسساته الاحتكارية العالمية، يحول العالم بأسره الى سوق عالمي، كما
يحوّل كل المواضيع الى "سلع تباع وتشرى"، حتى الإنسان يجري التعامل معه كسلعة،
ويُحوّل الى "موارد بشرية" والى "أيدي عاملة"، وهي ظاهرة تكمن في أساس تكوّن
الرأسمالية وتطورها! ومن الناحية السياسية والاقتصادية على الاقل، تعتبر "العولمة"
في جوهرها رأسمالية المرحلة التاريخية الراهنة. وبالتالي، فإن كل نضال ضد العولمة
المذكورة هو في شكل مباشر أو غير مباشر، جزئي أو كلي، نضال ضد الرأسمالية، رغم
مشاركة فئات اجتماعية متنوعة الانتماءات الطبقية، وان اتسع ليشمل هذا النضال جوانب
وميادين رئيسية وثانوية أخرى، وإن تباين هدف هذا النضال ومركز الاهتمام فيه من فئة
مناهضة الى أخرى.
وتتعزز، نتيجة هذه العملية، اواليات التأثيرات المتبادلة فيما بين التحولات الحاصلة
في جميع البلدان، بحيث اصبح من المستحيل على أي بلد أن ينأى بنفسه عن مفاعيل ما
يجري وتأثيراته. طبعًا مع فارق نوعي وكمي كبير في حجم الأدوار، وفي درجات التأثر
والتأثير بين الدول-المراكز والدول-الأطراف، كما بين التكتلات الإقليمية المتصارعة،
بحسب قوة وفاعلية كل من هذه التكتلات.
·
والسمة الطاغية لعملية العولمة في لحظتها الراهنة، هي إنها تتطور في ظل نمو وتطور
متفاوتين في المراكز الرأسمالية بهيمنة أمريكية طاغية تكاد تظهر العملية بمجملها
وكأنها عملية "أمركة" شاملة للعالم بأسره، وبالأولوية أمركة للميادين والجوانب
والمناطق التي تعتبرها أمريكا الأكثر أهمية لمصالحها الاستراتيجية، إضافة الى
محاولة "أمركة" المعايير والمفاهيم والقيم السائدة. وتكشف السمة هذه البعد "الذاتي"
للعملية الموضوعية الجارية، اي الدور الأمريكي الحاسم الأهمية في تسريع هذه العملية
وتحديد وجهتها بما يتوافق ومصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية البعيدة المدى. كل
ذلك انطلاقًا من الموقع المهيمن لأمريكا في النظام الرأسمالي العالمي، وفي المؤسسات
المالية الدولية، واستنادًا الى ميزان قوى عسكري وتقني راجح بشكل حاد لمصلحة هذه
الأخيرة، والى شبكات إعلامية ودعائية واسعة، ومتفوقة، تروج لكل ما هو أمريكي؛
سياسات، ومصالح وقيمًا وأنماط حياة.
·
وتحاول أمريكا، في ظل تفوقها الراهن ومنذ تفجيرات 11 أيلول وغزو أفغانستان خصوصا"،
ونتيجة تراجع أدوار القوى العالمية الأخرى، تحاول ان ترسي القاعدة المادية لنظام
عالمي جديد تكون هي قطبه الأوحد، تلعب فيه دور المبادر المحرّك للتطورات، والضابط
لإيقاعها، والموجّه لحركتها، إضافة الى دورها كعامل توازن لهذا النظام الجديد
والحافظ له. والمحاولة هذه ليست بالحدث الجديد. فقد بدأت ملامحها في الظهور مع
البوادر الأولى لانهيار الاتحاد السوفياتي، وبدءِ البحث في حقبة ما بعد السوفيات،
وازدادت وضوحًا وعلانية مع "حرب عاصفة الصحراء"، التي اعتبرها بوش-الأب في حينه
بداية قيامة النظام العالمي الجديد، ويراد لها ان تتكامل وتحسم مع غزو العراق، بكل
مفاعيل هذا الغزو وتأثيراته، إقليمياً ودوليًا. وما كان الصراع الذي دار عشية الحرب
في أروقة الأمم المتحدة وخارجها، ولازال يدور بين أميركا من جهة، وفرنسا وروسيا
وألمانيا والصين وغيرها من جهة أخرى، سوى تأكيد على ان المعركة تدور تحديدًا حول أي
نظام عالمي جديد سيقوم، وما هي طبيعة وخريطة الأدوار فيه، الأساسي منها والثانوي.
والواقع إن مسعى أميركيًا محمومًا ينشط منذ تسعينات القرن الماضي، بعد التحول
الحاسم في التوازن الدولي لمصلحتها نتيجة انهيار الاتحاد السوفياتي، لإلغاء وقائع
ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. ويطاول ذلك بشكل خاص دور المؤسسات
الدولية، وعملية التقرير فيها (الأمم المتحدة ومجلس الأمن...) فواشنطن لم تعد تقبل
حقوقًا متساوية لها مع الآخرين، ولا الخضوع للشرعية الدولية القائمة، او الالتزام
بالقواعد التي تنظم العلاقات فيما بين الدول، وهي تسعى من اجل تهميش كتل ودول
منافسة (أوروبا، الصين، اليابان، روسيا...). بينما يجهد هؤلاء لدور شريك ضعيف على
الأقل في مقابل الدور الالحاقي المقترح عليهم من قبل واشنطن. كما يطاول ذلك منظومة
أوسع من المواقف والعلاقات وحتى القيم التي يحاول القادة الأوروبيون جزئيا"، تأكيد
طابعها الانساني، فيما يتعامل معها قادة الولايات المتحدة بوصفها تقاليد "قديمة"
فقدت دورها لمصلحة نظام الحياة والقيم الاميركية.
·
أما الجديد في الوضع الدولي الراهن فهو تحوّل أمريكا، في ظل الإدارة الأميركية
الحالية الى "دولة مارقة عظمى" تشكل خطرًا حقيقيًا ملموسًا يهدد السلم العالمي،
نتيجة اعتمادها سياسات جامحة في غطرستها الإمبريالية ولجوئها الى القوة العسكرية،
والى عمليات أمنية تآمرية والى شتى أشكال الضغوط الاقتصادية، متجاهلة حقوق الدول
والشعوب الأخرى، مدعية دورًا "رسوليًا" مزعومًا تنطلق في تحديده من نظرة سطحية تصنف
العالم بين قوى "شر" وقوى "خير". ومما يزيد الوضع خطورة هو استناد هذه الإدارة الى
تحالف يضم قوى مغرقة في رجعيتها، توفر الخلفية الأيديولوجية لهذه الإدارة، تجمع من
جهة، فئات تحمل مفاهيم وتفسيرات توراتية، مسيحية متصهينة تعتمد العهد القديم بدلاً
عن العهد الجديد والرسل، ومن جهة أخرى، قوى ومصالح اقتصادية وعسكرية وسياسية هي
بمثابة "مثلث حديدي" ورث "المجمع الصناعي العسكري" الذي سبق وحذّر حتى خطورته
الرئيس الأميركي الأسبق ايزنهاور، والذي يوفر القاعدة المادية لهذا التحالف.
·
ويكشف الكثير من الوثائق الرسمية الأميركية وبخاصة الوثيقة الصادرة في 12 أيلول
2002 عن البيت الأبيض بعنوان "استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية"
حقيقة التوجهات العامة لهذه الاستراتيجية وأهدافها وأدواتها...
ونتوقف عند أهم مفاصل هذه الاستراتيجية:
Ü
استناد "استراتيجية الأمن القومي" الى ما تدعوه "أممية أمريكية متميزة" تعكس
الاتحاد (الوحدة) بين القيم الأميركية ومصالح أمريكا القومية. والتماهي هذا بين
القيم والمصالح الأميركية، يهدف إذا ما ترجم عمليًا الى أمركة العالم باعتبار
العملية هذه هي الأداة الأفعل للسيطرة عليه وتأبيد هذه السيطرة.
Ü
ضمان احتفاظ أمريكا بنفوق تقني حاسم وبقوى عسكرية "غير قابلة للتحدي" بحيث يثني هذا
التفوق جميع القوى الأخرى، وبخاصة الأعداء، الحقيقيين منهم والمحتملين، عن تعزيز
قواهم العسكرية بأمل "تجاوز او حتى مساواة القوى العسكرية الاميركية". هذا مع تعهد
بالعمل على منع هذه المساواة او ذاك التجاوز بشتى الوسائل.
Ü
التخلي عن الاستراتيجية التي حكمت السياسة الاميركية إبان "الحرب الباردة"، والتي
قامت على أساسين هما "الاحتواء" و"الردع"، والتحول الى استراتيجية جديدة تقوم على
"الضربات الاستباقية" (الاستباقية) و"التدخل الوقائي"، ضد اي قوة او دولة قد
تشكل مصدر "خطر محتمل". واستكمالاً لذلك التخلي عن العهود الدولية التي تلزم
الدول النووية بعدم استخدام السلاح النووي ضد دول غير نووية. والأخطر في هذا القرار
ان اللجوء الى الضربات الوقائية لا يستلزم خطرًا داهمًا بل يكفي ان يكون خطرًا
محتملاً في المستقبل.
Ü
استخدام كل الإمكانات والوسائل لتحقيق المصالح الأميركية وتعميم القيم الأميركية،
وبخاصة الليبرالية الاقتصادية واقتصاد السوق. وتدعو الوثائق هذه صراحة الى اعتماد
كافة أشكال الضغط والتدخل في سبيل ذلك، مع دور خاص تنيطه بالمؤسسات المحلية
والإقليمية والدولية، الخاضعة للنفوذ الأمريكي. وفي مقدمة هذه المؤسسات البنك
الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها من وكالات الأمم المتحدة المتخصصة التي ينبغي
على أميركا استخدامها لكسب معركة المستقبل، وتحديدًا ونصًا "لكسب معركة مستقبل
العالم الإسلامي".
Ü
استخدام شعار "محاربة الإرهاب" أداة أساسية في خدمة الاستراتيجية الأميركية في
الخارج، وسلاحًا في يد التحالف اليميني الحاكم لتمرير سياساته "المكارثية الجديدة"
في الداخل. وليس من قبيل الصدفة أن تترافق المخططات العدوانية الإمبريالية في
الخارج، مع سياسات وإجراءات تتخذ داخل أميركا، ويعتبرها الكثير من الأميركيين بأنها
جامحة في تحيزها لراس المال الكبير ومؤسساته الاحتكارية، كما تترافق مع سياسات
معادية للديمقراطية، قامعة للحريات، عنصرية ضد الأقليات على اختلاف ألوانها
ومشاربها! .
إن استمرار التهديد بخطر الحركات الأصولية المتطرفة والمبالغة فيه، ينبغي إلاّ يطمس
حقيقة ان معظم هذه الحركات كانت، ولا يزال بعضها، محل رعاية وإيواء من قبل دوائر
المخابرات الغربية عمومًا. بل ان بعضها كان في مرحلة ما صنيعة هذه الدوائر،
والأميركية منها بشكل خاص. ولقد جرى استخدام هذه الحركات كسلاح، من ضمن غيرها من
الأسلحة والأدوات، لمحاربة الاتحاد السوفياتي وحلفائه من القوى الساعية الى التحرر
والتقدم، كما استخدمت هذه الحركات كأدوات لإفشال جميع محاولات ومشاريع التغيير
والتحديث التي جرت في المنطقة تحت أي عنوان، وعلى امتداد القرن الماضي.
إن
الأخطار الناجمة عن الاستراتيجية الأميركية المعلنة وسياساتها العدوانية الممارسة
هي أخطار شديدة هائلة، بل هي الاشد خطورة، مما واجهته البشرية عبر التاريخ. رغم ذلك
فان ثمة امكانيات حقيقية للتصدي لهذه الاخطار والإنتصار عليها.
إن
سياسة تستعدي شعوب العالم بأسره، بما في ذلك قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي، وتضرب
بعرض الحائط مصالح الشعوب والدول الأخرى، (بما فيها دول تجمعها مع الولايات المتحدة
احلاف قديمة او جديدة) وترفض بخفّة واستعلاء ما يتوصل إليه المجتمع الدولي من
اتفاقات حول البيئة، والتسلح، والجريمة، والتجارة الدولية، والأوبئة والأمراض..الخ؛
إن سياسة كهذه لا يمكن إلاّ أن تنتج تناقضات تناحرية تحتدم باستمرار، مع كل خطوة
تخطوها الإدارة الأميركية على طريق فرض هيمنتها على العالم وأمركته.
إن
مواجهة مخططات الدوائر الأميركية الإمبريالية الرجعية غير مستحيلة وفي المثل الأخير
الذي أرادته واشنطن تعبيرا" عن القوه المطلقة والتفرد والاستئثار، عنينا غزو
العراق، تواجه إدارة بوش صعوبات كبيرة ومقاومة متنوعة ومتصاعدة، وذلك مرشح إذا ما
إستمر وتوسع وإحتضن كما ونوعا"، لأن يحول الإنتصار الأميركي السريع على نظام صدام
الى هزيمة مبكرة على يد شعب العراق. فالعداء للسياسة الأميركية ينتشر ويعم العالم
اجمع. كما تتصاعد الحركة الشعبية المعادية للعولمة، "المؤمركة" و"المعسكرة"، وتتسع
لتشمل فئات وقوى متنوعة التمثيل السياسي والفكري، ومتباينة الانتماء الاجتماعي
والثقافي والديني. وكما تنطلق سياسة بوش الابن من "أممية أمريكية" هجينة لا تقدم
للبشرية غير المزيد من الإفقار والدمار تحت شعار تعميم قيم ومُثل النموذج الأميركي،
فان شعوب العالم وقواها الحيّة، ومن بينها الشعب الأميركي، قادرة على بلورة أممية
جديدة، أممية ديمقراطية حقًا، وإنسانية حقًا من شأنها ان توازن الخلل السائد في
ميزان القوى المادي، وان تتفوق عليه عبر نضال طويل ومثابر ومتعدد الاشكال والقوى
على امتداد العالم. فانتصار هذه الـ "أمريكا"، وهذه العولمة، ليس انتصارًا أبديًا
ولا هو نهاية للتاريخ...
إن
نشاطات جديدة وعديدة ومبادرة تقوم وتنتشر في شتى ارجاء العالم. وشكل المنتدى
العالمي المناهض للعولمة (بورتو إليغري) أبرزها لجهة الحشد والتاثير والحركة. كذلك
تزداد مقاومة النهج الاميركي في مواقف تجمعات ذات طابع دولي (دول عدم الانحياز) وفي
اوسع الاوساط الأوروبية سياسيا" وشعبيا"...
وتستطيع الحركة التقدمية الديموقراطية أن تفعل الكثير للإنخراط في هذه النشاطات أو
إستحداث ما هو ضروري ومفيد من أجل جعل الحصار على النهج الاميركي يضيق باستمرار
لمنعه من تحقيق مخططاته او الاخطر من بينها.
II-
موضوعات في الوضع العربي
II-
1
سقوط
النظام العربي الرسمي وتعمق أزمة "البدائل"
·
يشكل العالم العربي اليوم الميدان الرئيسي للهجوم الشامل، المتعدد الأشكال والأدوات
والأهداف، الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، سعيًا الى فرض سيطرتها الآحادية
على العالم، واقامة نظام عالمي جديد يوطّد لها هذه السيطرة، ويعيد تشكيل العالم وفق
مصالحها الإستراتيجية، الآنية والبعيدة المدى. وكما ساهمت التطورات العاصفة على
المستوى العالمي، والمتمثلة خصوصًا في انهيار الاتحاد السوفياتي وانتصار أميركا في
الحرب الباردة من تمكين هذه الأخيرة من شنّ هذا الهجوم، فان الواقع العربي، وبخاصة
النظام الرسمي العربي، بعجزه الفاضح وبتواطئه وفّر، ويوفّر، الفرصة لأميركا
وحلفائها لتسجيل انتصارات سهلة نسبيًا، في منطقة يتعاظم الصراع فيها وعليها. هكذا
كان الحال مع نظام صدام حسين الاستبدادي الذي ساهم، بحروبه المغامرة، وبسياسته
الإجرامية ضد الشعب العراقي وقهره له والتنكيل به، وإبادة وتشريد مئات الألوف من
خيرة أبنائه وبناته، (ساهم) في إيجاد الظروف المناسبة لأمريكا لشنّ عدوانها على
العراق واحتلاله.
·
ومع اكتمال احتلال العراق من قبل القوات الأميركية والبريطانية الغازية، وما رافق
ويرافق هذا الاحتلال من جرائم موصوفة ضد المدنيين، ومن تدمير مبرمج لمقوّمات العراق
العمرانية والحضارية، وبناه التحتية، ومؤسساته الاقتصادية والاجتماعية، مع محاولة
إضعاف وحدته وتغذية الإنقسامات فيه، على أسس إثنية وطائفية وعشائرية، والسيطرة
المباشرة على منابع النفط فيه والتحكم بعمليات إنتاجه وتسعيره وتسويقه... وصولاً
الى محاولة تنصيب حكم عسكري مباشر عليه غير محدد المدّة، وتحويله الى حقل تجارب
متعدد الأشكال وتشمل نتائجه العراق والمنطقة عموما".
·
ويستمر تنفيذ المخطط الصهيوني ـ الأميركي الهادف الى تصفية قضية فلسطين، وإنهاء
انتفاضة شعبها واغتصاب كامل حقوقه، وسلبه كامل أرضه. وتستمر عمليات الإبادة
والتدمير والتطهير العرقي والتوسع الاستيطاني، دون أي مساءلة دولية، بل ودون أي
ردود فعل عربية مؤثرة. أما مشروع "خارطة الطريق" فبرغم إتخاذ الأطراف الفلسطينية
موقفا" مرنا" منه، إلا أن هذا المشروع من شأنه، في حال اعتماده، بالشروط
الإسرائيلية والأمريكية الملازمة له، تفجير صراعات فلسطينية-فلسطينية مقابل وعود
خادعة، الهدف من اطلاقها ليس مكافأة النضال الفلسطيني بل إجهاض الإنتفاضة وإنهائها
عبر التأمر الخارجي والاقتتال والخلاف الداخلي.
مع كل
هذا، وغيره من حقائق تميز الواقع العربي، تكتمل هزيمة النظام الرسمي العربي، بما هو
جمع ومحصلة لأنظمة وحكام وسياسات ومؤسسات وعلاقات، قطرية ومشتركة، كما تتساقط
مفردات هذا النظام ومكوِّناته، بغض النظر عن إمكانية استمرار بعض هذه المفردات في
مواقعها السلطوية، وهو استمرار تشير كل التوقعات الى ظرفيته، وفي كل الأحوال الى
عدم فاعليته في مواجهة المخاطر المقبلة وما تطرحه من مهمات. ويثبت بالملموس، مرّة
أخرى، هشاشة الكيانات الدولتية العربية بخصائصها الراهنة وإفتضاح قصورها على كل
صعيد.
ويتجاوز الواقع العربي السائد، في عجزه ومرارته، كلّ ما عرفته الشعوب العربية من
هزائم ونكبات وخيبات أمل على امتداد قرن من الزمن، وعلى امتداد حقبة من النضال
المديد في سبيل الاستقلال وما بعدها. حيث يظهر الحاضر العربي وكأنه ماضٍ في زمن
آخر! زمن انهيار الإمبراطورية العثمانية، وعشية الهجوم الاستعماري لوراثتها وتقسيم
العالم العربي ضمن كياناته الراهنة، وتقاسم المصالح والنفوذ فيه بين الإمبراطوريتين
الغابرتين البريطانية والفرنسية.
وفي
مقابل هذا السقوط المدوّي للنظام العربي الرسمي، يتأكد في الوقت نفسه، فشل المشاريع
البديلة لهذا النظام ومفرداته، وتعمّق الأزمة التي تعيشها هذه البدائل، بكل أطيافها
وتلاوينها وعناوينها؛ وخصوصا" منها اولئك الذين إستولوا على السلطة ورفعوا شعارات
عجزوا عن تحقيقها أو عملوا بعكس مضمونها ومستلزماتها.
وفيما عدا إستثناءات
نادرة، لقوى لا تزال تصمد وتحاول مقاومة الهجمة الأميركية الصهيونية، فإن صورة
الواقع العربي الراهن تظهر واضحة، بكل ملامحها وتفاصيلها، في الحقائق التالية:
·
أنظمة عربية عاجزة عن مواجهة المخططات الإمبريالية، الأميركية والصهيونية منها
بخاصة، بل متواطئة، وفي أحيان كثيرة مشاركة فيها، بصورة مباشرة او غير مباشرة، سرًا
وعلانية، حفاظًا على بقائها. وليس صدفة أن ينطلق العدوان على العراق من أرضٍ عربية،
ومن سماواتٍ عربية، وبحورٍ عربية، وبتسهيلاتٍ عربية، وأن يموّل ولو جزئيًا بثرواتٍ
عربية، ويروّج له بوسائل إعلامٍ عربية. كما ليس من الصدفة أن تستمر إسرائيل في قضم
فلسطين، وأن يقترب مخططها من الفرات بعد أن اقترب من النيل، في ظل انكفاءٍ مريب
تمارسه هذه الأنظمة، قسرًا أم طوعًا، طمعًا في رضى أميركا أو خشية من إثارة غضبها!
·
دول عربية مشرذمة، على أسس إثنية وطائفية وعشائرية، فشلت في مواجهة التحديات
الداخلية منها والخارجية، في مرحلة تشهد تطورات دولية وإقليمية عاصفة، تدفع نحو
المزيد من التمركز والتدويل لرأس المال باتجاه العولمة والأقلمة. وتتمثل هذه
التطورات في نشوء تكتلات اقتصادية وسياسية عملاقة، ركيزتها شركات متعدية الجنسيات،
تخترق حدود الدول، وتقلص دورها وسلطاتها وتغيّر من وظائفها، وتفرض عليها توجهات
وسياسات ليبرالية جامحة دون نظرٍ الى حاجاتها وإمكاناتها وظروفها...
·
أنظمة وحكومات، ملتبسة الشرعية، وفي أحيان كثيرة، فاقدتها، حيث أنها تخالف إرادة
شعوبها، وتقمع طموحاتها في كل ميدان. فقد فشلت، على امتداد حقبة الاستقلال، في
تأمين الحد الأدنى من طموحات هذه الشعوب الى التحرر السياسي، والتقدم الاجتماعي،
والديمقراطية. بل إنها فشلت حتى في توفير الأمن لمواطنيها، والحماية لسيادة وسلامة
أراضيها، سواء تجاه الأطماع والتهديدات الخارجية، أم تجاه النزاعات الداخلية،
المحلية المدمرة...
·
حكام طغاة فاسدون، في معظمهم، لا يكتفون بحكم بلدانهم والسيطرة عليها، بل يسعون الى
امتلاكها، ونهب ثرواتها، وكأنها إرث يتوارثونه جيلاً بعد جيل. وهم يتعاملون مع
شعوبهم وكأنها قطعان من الرعايا؛ رعايا طوائف، وعشائر، وزعامات، لا مواطنين
متساويين في الحقوق والواجبات في ظل قوانين ومؤسسات ديمقراطية، حديثة، تمثيلية،
مناسبة، كفؤة، وفاعلة. وليس غريبًا، في ظل هكذا حال، أن تشهد البلدان العربية، الى
الممالك والإمارات الهزيلة، ظاهرة الجمهوريات-الملكية، حيث يرث الأبناء-الآباء، ليس
فقط في مواقع السلطة الرئاسية بل في مستوياتها الأدنى، وفي مواقع النفوذ كافة!
وفي
مقابل هذا الجانب من صورة الواقع العربي، وكجزء لا يتجزأ منها، تبرز الوقائع
التالية:
·
طبقات وفئات وشرائح اجتماعية واسعة وتجمعات سياسية وأهلية تشكل الأكثرية الساحقة من
الشعوب العربية، غارقة في بؤس حياتها اليومية، تبحث عن مخارج وهمية لها: إما في
انتماءات وولاءات تقليدية أو طائفية أو عشائرية، وإما في حركات عدمية، أو أصولية
سلفية، أو ترتد الى حالة من اللامبالاة والغيبية او اليأس والقنوط والتقوقع...
وتتعرض جميعا" للتدجين والتهميش فضلا" عما تعانيه من أزمات داخلية بفعل سلبيات
العوامل الموضوعية المذكورة آنفا" او بفعل القصور الذ |