من سان كلو إلى ضفاف البارد مصير لبنان على المحك
 

مصطفى العاملي
النداء 63


محطة جديدة ينتظرها اللبنانيون هي عودة وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير إلى لبنان، للقاء المسؤولين والقيادات المصنّفة من الصف الأول، بعد أن جمع ممثليهم من الصف الثاني في سان كلو واستطاع أن يمون عليهم بإعلان توافقهم على بعض العناوين العامة، التي لم تكن طوال السنتين الماضيتين مصدر الخلاف الأساسي بينهم.
ورغم أن الدبلوماسية الفرنسية الجديدة تحاول الإنفتاح على الأطراف في لبنان كمدخل لإعادة الحرارة إلى العلاقات مع سورية، بعد أن قطعها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والبعض يقول أن الأسباب شخصية، فإنه من السذاجة انتظار الحلول للأزمة اللبنانية من هذا المسعى الفرنسي الذي يحاول الإنعتاق من الهيمنة الأميركية والحصول على دورٍ مستقل في المنطقة.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحال من شقين:
أوّلهما هل تسمح واشنطن لباريس بمثل هذا الدور؟ وإلى جانب أي من العاصمتين يقف فريق الأكثرية في لبنان؟.
كل المؤشرات تدل على أن الأميركيين انزعجوا من المبادرة الفرنسية بدعوة الأطراف اللبنانيين بمن فيهم حزب الله للإجتماع في باريس. وعملوا بواسطة السفير جيفري فيلتمان على تعطيلها. ومقابلته التلفزيونية خير دليل على ذلك، إذ هو تصرّف من موقع المندوب السامي الذي يحدِّد الأولويات ويضع الخطط ويعطي أوامر التنفيذ لمن يدين له بالولاء من الأطراف اللبنانية التي تمادت في استجابتها للمطالب والتعليمات الأميركية ما جعلها تفقد شخصيتها الوطنية ودورها المؤثِّر في اللعبة السياسية الداخلية.
والواضح أن هذه القوى لم تنتظر طلب الإدارة الأميركية بتعطيل المبادرة الفرنسية، بل بادرت إلى التقليل من أهميتها أولاً، ثم عمدت إلى التشويش على السياسة الخارجية الفرنسية من زاوية تواصلها مع كلٍ من دمشق وطهران، في حين تعاني السياسة الأميركية في المنطقة الإخفاق تلو الآخر.
وإذا كانت باريس استطاعت تجاوز العراقيل الأميركية ونجحت في تأمين لقاء في سان كلو جمع ممثلي الموالاة والمعارضة، فإن الخشية أن تعمد الإدارة الأميركية مباشرة أو عبر أدواتها في لبنان على نسف مهمة كوشنير، كما حصل التوصّل إلى قواسم مشتركة بين الأطراف اللبنانية المختلفة تمهِّد الطريق لتشكيل حكومة وفاق وطني تكون مدخلاً لتمرير الإستحقاق الرئاسي.
ويبدو أن وزير الخارجية الفرنسي، وهو ذو خبرة تاريخية في التعاطي مع الملف اللبناني، سيركِّز خلال زيارته المقبلة إلى بيروت، ومهّد لها بإيفاد مبعوثه جان كلوكوسران إلى دمشق، على تحقيق هدنة بين القوى السياسية، تفسح في المجال للتوصّل إلى اتفاق على رئيس توافقي للبلاد، لا سيما بعد أن تبيّن للقاصي والداني أن أي طرف ومهما كان حجمه لا يستطيع أن ينفرد في حكم لبنان، وإن أي رئيس للجمهورية مهما كان قوياً، سيجد نفسه عاجزاً عن الحكم إن لم يكن هناك توافق عليه، وبالتالي فإن مناورات فريق الأكثرية حول انتخاب رئيس بأكثرية النصف زائد واحد، سقطت بالضربة القاضية، بعد المواقف التي صدرت عن بعض نوّاب فريق 14 آذار وتوّجت بموقفٍ واضح وحاسم للبطريرك صفير يؤكِّد فيه على نصاب الثلثين.
وتوقّف المراقبون باهتمام عند موقف التكتّل الطرابلسي في مؤتمر سان كلو بشأن نصاب الثلثين، وفسّر كأنه كلمة السر الفرنسية بالنسبة إلى الإستحقاق الرئاسي. ويمكن القول أن النكسة التي أصيب بهنا فريق السلطة في الأيام الأخيرة سيدفعه إلى إعادة النظر في طروحاته والقبول بتسوية لتمرير الإستحقاق على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، قبل أن يفلت زمام الأمور من يده، لا سيما بعد أن بدأ يفقد الأكثرية النيابية، إضافة إلى الشعبية المفقودة مسبقاً، فضلاً عن أن التوصّل إلى رئيس توافقي يعفي قطبي 14 آذار وليد جنبلاط وسعد الحريري من حرج تأييد أي من مرشّحين قويين هما ميشال عون وسمير جعجع، فالأول أعلن ترشيحه علناً للرئاسة، ولا يجد في سواه الموصفات التي تمكّنه من تبوء هذا المنصب، خصوصاً وانه يتمتع بحضور سياسي وشعبي مسيحي كبير، ولديه كتلة نيابية كبيرة، مما يؤهله ليكون رئيساً قوياً.
أمّا الثاني فهو يعرف أنه في الحالات الطبيعية في البلاد ليس له حظّاً في الرئاسة، امّا الآن وفي ظل الإنقسام السياسي والتنافس القائم بينه وبين العماد عون، فإن الظروف قد تساعد في وصوله كرئيس تحد بدعم من الولايات المتحدة، خصوصاً وأنها لا تريد الإستقرار للبنان، وتريده ساحة للفوضى لتخفيف الضغط عن قوّاتها في العراق، وتضجّ وسائل الإعلام الدولية بالمعلومات.
إن مساهمة الإستخبارات الأميركية بالتعاون مع بعض القوى المحلية في استقدام عناصر من الأصولية السنية إلى لبنان لمواجهة حزب الله الشيعي!... وهذا ما تنظر إليه الدول الأوروبية المشاركة في قوات الطوارئ الدولية بكثير من الحذر ولا سيما بعد حادث الإعتداء على الوحدة الإسبانية في سهل الخيام مؤخراً.
وليس مستغرباً مع اقتراب موعد الإستحقاق الرئاسي أن يتعمّق مأزق فريق السلطة، في ضوء تعدد المرشحين في صفوفه، وعدم الإتفاق على أي منهم، مع الأخذ بعين الإعتبار موقف البطريرك صفير الذي يريد المحافظة على موقع رئاسة الجمهورية وهيبته، الأمر الذي ينزع ورقة المغامرة بانتخاب رئيس فئوي، مع أن الخشية من هذه الخطوة تبدو قائمة رغم كل المحاذير والمخاطر الناجمة عنها، خصوصاً إذا كانت الإدارة الأميركية تؤيد مثل هذا الخيار، مع أن مراجع دبلوماسية أكّدت أن السفير فيلتمان استمزج آراء بعض قوى 14 آذار بفكرة انتخاب رئيس توافقي لمدة سنتين!.
في كل الأحوال، إن مأزق فريق السلطة لا يختلف كثيراً عن مأزق المعارضة التي ما زالت تعيش أسيرة طرح حكومة الوحدة الوطنية التي لن تبصر النور قبل الإنتخابات الرئاسية، وهي إن نجحت في شيء منذ انسحاب وزرائها من الحكومة، وحركة الإعتصام المستمر منذ نحو ثلاثة أشهر في وسط العاصمة، فهو منع فريق الأكثرية من الإستفراد بالسلطة وشل عمل الحكومة، رغم إصرار الرئيس السنيورة على عقد اجتماعات متقطّعة لمجلس الوزراء، وآخرى تشاورية، في إطار سياسات المكابرة والعناد التي إرتضاها، بعد أن انتشى بالدعم الخارجي غير المسبوق، والذي حال دون سقوط حكومته في الشارع.
ومن السذاجة القول أن أيّاً من الملفات الداخلية يمكن معالجتها بمعزل عن الخارج. فالوضع اللبناني لم ولن يكون يوماً منفصلاً عن وضع المنطقة وتأثيراتها، والمرحلة المقبلة دقيقة وحسّاسة، وكما قال الرئيس السوري بشار الأسد بأنه "يمكن أن يتحدد خلالها مصير المنطقة والعالم".
ولذلك ينبغي النظر بانتباه إلى ما يجري من حوارٍ فرنسي ـ إيراني وسعودي ـ إيراني، والمعلومات المتوافرة لدى مصادر دبلوماسية لبنانية تؤكِّد أن هذه المفاوضات بين السعوديين والإيرانيين قطعت شوطاً لا بأس به، وقد يترجم ذلك في حصول لقاء سوري سعودي على مستوى وزراء الخارجية في وقت قريب، وبمشاركة مصرية.
وعلى ضفاف هذا الواقع السياسي المأزوم يتجه الجيش اللبناني إلى حسم الوضع في مخيّم نهر البارد، بعد شهرين من الإشتباكات مع عصابة شاكر العبسي التي تبيّن أنها تحوي خليطاً من المقاتلين الأصوليين من دول عربية مختلفة كان ثمنها غالياً.
لذلك تشدد مصادر العماد ميشال عون على ضرورة كشف ملابسات هذه المعركة وأسبابها، وذلك عبر تشكيل لجنة برلمانية قضائية، خصوصاً وأن هناك الكثير من الأحاجي حول كيفية وصول هؤلاء المجرمين إلى لبنان؟ ولماذا تم السكوت عنهم طيلة هذه الفترة، وما هي علاقتهم بالإعتداء على السفارة الدانماركية في الأشرفية، وهل صحيح أن هذه العصابة هي المسؤولة عن تفجير الحافلتين في عين علق واغتيال الوزير بيار الجميّل؟ هذه أسئلة كبيرة وخطيرة، ولا يجوز أن تبقى غامضة، وعرضة للإستغلال السياسي وتوجيه الإتهامات العشوائية.
هذه الصورة تكشف مدى هشاشة الوضع اللبناني وغياب الشعور الوطني لدى قيادته السياسية، ومثل هذه المعالجات التي تأتي من العواصم الأجنبية القريبة أو البعيدة لا يمكن أن تنتج حلولاً لهذه الأزمة اللبنانية المستعصية، بل هدنة تقصر أو تطول وفقاً لمصلحة من فرضها.
وبات من الضروري أن يدرك اللبنانيون. وبعد التجارب الطويلة التي مروا بها، أن مشكلتهم تكمن في النظام الطائفي الذي يعيشون فيه. والذي يفرض على قواه الطائفية الإرتماء في أحضان الدول الخارجية العربية والأجنبية للإستقواء بها على الآخرين، مما يفاقم الخلل في تركيبة الحكم ويحول دون إعادة بناء الثقة بين القوى الحاكمة، وهذا يولِّد المزيد من الأزمات.
ولعل من المفيد أن يفكر اللبنانيون ولو لمرة واحدة بالتخلص من تبعات هذا النظام وقوانينه البالية، والشروع في التحضير لوطن تتغلّب فيه المواطنية على المذهبية، والديمقراطية على الطائفية.
لبنان يحتاج إلى ثورة فعلية على الواقع القائم والشروع في إعادة بناء الوطن على أسس ثابتة وصلبة تنطلق أولاً وأخيراً من احترام المؤسسات وإعادة إنتاج السلطة وفق معايير وطنية حقيقية، والمدخل إلى ذلك إجراء إنتخابات نيابية وفق قانون يؤمِّن صحّة التمثيل، وهذه يمكن أن تشكِّل الخطوة الأولى على الطريق الصحيح في عملية بناء الدولة.
ويعتقد كثيرون إن المرحلة تتطلّب خطوة إنتقالية، وليس هناك ما يمنع أن تكون عبر تشكيل حكومة تضم مختلف الأفرقاء، مهمتها انتخاب رئيس جديد للجمهورية والتحضير لإنتخاباتٍ نيابية مبكرة... وإن إستمرار المسؤولين في دفن رؤوسهم في الرمال كالنعامة سيجعل مصير الوطن على المحك، إن لم نقل في مهب الرياح العالمية القادمة على المنطقة وبسرعة.
 


 

       

 

 

 

 

 الصفحة الرئيسية

 

نسخة للطباعة

 

 الصفحة السابقة


(c) Lebanese Communist Party - 2006
Designed by Comrade Wissam Matta