للمراسلة عبرالبريد الالكتروني الجديد للعلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي اللبناني lcparty.lcparty@gmail.com - tel 01/739615- 01/739616 ### البريد الالكتروني لإذاعة صوت الشعب chaabradio@gmail.com - tel 01/819014 - 01/311809 ## لمراسلة مجلة النداء عبر البريد الالكتروني annidaa@gmail.com ## الى جميع مستمعي اذاعة صوت الشعب يمكن متابعة الاذاعة 103,7 و 103,9 على الموقع sawtachaab.com ##
الثقافة والثورة - مهدي عامل
الحزب الشيوعي اللبناني

No photo description available.

العدد 357 من مجلة النداء

Image may contain: one or more people
الرفيق الأمين العام حنا غريب

"الحراك الشعبي للإنقاذ": لا ثقة لحكومة سيدر... والمعركة مع قوى السلطة مفتوحة

"الحراك الشعبي للإنقاذ": لا ثقة لحكومة سيدر... والمعركة مع قوى السلطة مفتوحة

  كاترين ضاهر

* مجلة النداء   

استكملت القوى السياسية والنقابية والمدنية والطلابية المُنظِّمة للتحرّكات الشعبية معركتها في مواجهة قوى السلطة، واستقبلت الحكومة الجديدة وبيانها الوزاري المُستنسخ بعدّة تحركات تحت عنوان "لا ثقة". إذ نفّذت اعتصاماً في ساحة رياض الصلح الثلاثاء 12 شباط الجاري، بالتزامن مع انعقاد الجلسة النيابية لمناقشة البيان الوزاري.

كما نفّذت تلك القوى باسم "الحراك الشعبي للإنقاذ" تظاهرة مركزية الأحد الماضي، انطلقت من ساحة بشارة الخوري مروراً بجمعية المصارف وبلدية بيروت ومركز البنك الدولي حتى ساحة رياض الصلح في وسط بيروت، موجهة بمرورها على هذه المحطات رسالة واضحة وإصرار على مواجهة حكومة سيدر وقروضها المشبوهة، دفاعاً عن مصالح العمال والموظفين والمزارعين والجماهير الشعبية، وتنديداً بهيمنة القطاع المصرفي على القرار السياسي للسلطة، ورفضاً لسياسات الحكومة الضريبية وإجراءاتها التي تطال الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وتستمر بإعفاءاتها ودعمها للمصارف والريوع ورؤوس الأموال.

Image may contain: 8 people, crowd and outdoor

"مخاطر الأزمة الاقتصادية وسبل المواجهة"

كما نظم "الحراك الشعبي للإنقاذ"، طاولة مستديرة حول "مخاطر الأزمة الاقتصادية في لبنان وسبل مواجهتها"، الخميس 14 شباط الجاري في مركز توفيق طبارة. شارك فيها مجموعة من الخبراء الاقتصاديين والأكاديميين: جورج قرم، وتوفيق كسبار، وكمال حمدان، وغسان ديبة، وسامي عطالله، وأدارها الصحافي محمد زبيب. وتناولت خمس محاور أساسية: النظام الضريبي، السياسة النقدية ومصرف لبنان، سياسات الإنفاق العام، مؤتمرات باريس للقروض، والدولة والاقتصاد الخاص.

 

جورج قرم...

افتتح اللقاء بمداخلة عن "النظام الضريبي" لوزير المال اللبناني الأسبق د. جورج قرم أكد فيها أن "النظام الضريبي في لبنان يتّسم بتكيّفه مع حاجات الاقتصاد الريعي. فهو يكافئ أصحاب الريوع والرساميل ويعفيهم من أيّ ضغط ضريبي، وينقل 90 % من هذا الضغط إلى الفئات الشعبية من خلال الضرائب المباشرة وغير المباشرة. فنحن نعيش في ظلّ نظام ضريبي مجنون يحمّل الناس العبء الأكبر من تأمين إيرادات الدولة ليموّل كبار الأثرياء"، مشدّداً على "إن أي برنامج لمواجهة الأزمة يجب أن ينطلق من النظام الضريبي، ووضع تصوّر لنظام بديل مع مجموعة من الإصلاحات والإجراءات أبرزها:

-ضريبة موحّدة على الدخل:لم يعد يوجد في العالم أيّ دولة لديها نظام ضريبي يتضمّن ضرائب مختلفة على الدخل المتأتي من العقارات والفوائد والأجور وأرباح الشركات سوى لبنان. لذلك يُفترض إقرار نظام الضريبة الموحّدة على الدخل الذي يؤدّي إلى رفع الإيرادات المحصّلة من هذه الضريبة ويسهّل حياة المكلّف لناحية تقديمه تصريحاً واحداً عن دخله"، مشيراً إلى أن "قبل الحرب كانت ضريبة الدخل تصل إلى 43 %، لكن مع دخولنا مرحلة العولمة والأيديولوجيا الليبرالية الموجّهة لخدمة مصالح كبار الرأسماليين، خُفّضت هذه الضريبة إلى 10%، من ثمّ نجحت بعد معارك مع المجلس النيابي برفعها إلى 20%، ومن المفترض أن ترتفع وتصل إلى 35% في الشطور العليا.

-الضريبة على القيمة المضافة:يجب إعادة النظر بالضريبة على القيمة المضافة، ورفعها فوراً إلى 18% على الكماليات وخفضها أو إلغاؤها عن الأساسيات المُستهلكة من الفئات الشعبية.

- إشغالات الأملاك البحرية:تعدّ إيجارات الأملاك البحرية مصدراً مهمّاً للإيرادات، لكن أسعارها لم تصحّح منذ عام 1992 بالتوازي مع ارتفاع أسعار العقارات، وهو ما يفترض إعادة النظر به.

- ضريبة على الأرباح في البورصة:في لبنان، وعلى عكس باقي بلدان العالم، لا تُفرض أي ضريبة على الأرباح الرأسمالية المحقّقة في بورصة بيروت وفي البورصات العالمية، وهو ما يجب العمل عليه في إطار أي تصحيح ضريبي.

-الضريبة على الشركات العقارية:من المعروف أن الشركات العقارية أنشِئت بغرض التهرّب الضريبي، عبر تحويل المتاجرة بالعقار نفسه إلى متاجرة بأسهم الشركات العقارية، وبالتالي التهرّب من دفع نسبة 6.5% من ثمن العقار المتاجر به كرسم لتسجيله. لذا من المفترض فرض هذه النسبة على عمليات المتاجرة العقارية عبر الأسهم، وهو ما حاولتُ إقراره حين كنت وزيراً مالياً إلّا أن مجلس الوزراء رفضه.

-البلديات:يخصّص القانون 10% من بعض إيرادات الدولة للبلديات، إلّا أن عدم تحويل هذه الإيرادات حيناً أو تحويلها واستعمالها كأداة ضغط سياسي على المجالس البلدية كنوع من العلاقة الإقطاعية، فضلاً عن عدم تطبيق اللامركزية الحقيقية، يفرض إعادة النظر بكيفية استخدام هذا المصدر من الإيرادات، بحيث يستمرّ تحويله إلى البلديات لكن مع زيادة مسؤولياتها في تقديم الخدمات الاجتماعية وخصوصاً المدارس الابتدائية ودور الحضانة. بالإضافة إلى تطبيق قوانين اللامركزية الصادرة منذ عهد فؤاد شهاب، وإنشاء مجالس القضاء والمحافظة لتعزير الوظائف التنموية في المناطق.

- إنشاء صندوق التقاعد المستقلّ لموظّفي الدولة: يبلغ رسم التقاعد 9% من مجمل الراتب. وفي حين باتت فاتورة التقاعد كبيرة جدّاً على الدولة اللبنانية، إلّا أن صندوق التقاعد المستقلّ لم يتأسّس على الرغم من صدور القانون المتعلّق به في عهد فؤاد شهاب. وبالتالي لا تزال هذه الرسوم المهمّة تدخل ضمن إيرادات الموازنة في مخالفة دستورية وقانونية ومؤسّساتية واضحة".

 

توفيق كسبار...

وأعلن المستشار السابق في صندوق النقد الدولي د. توفيق كسبار، في مداخلته عن "السياسة النقدية ومصرف لبنان" أن "هناك خطاب سائد في لبنان، إعلامياً وبين الناس، عن وجود مشكلة تتمثّل بتنامي العجز السنوي الذي يؤدّي إلى تفاقم الدين الحكومي بما يشكّل خطراً كبيراً على الاقتصاد والمجتمع. وفي الوقت نفسه، يشيع الخطاب نفسه أن هناك فارساً على حصان أبيض، وهو مصرف لبنان، يقوم بجهود جبّارة ليخلّصنا من هذا الوضع. لكن، بالاستناد إلى الأرقام الرسمية المنشورة، يتبيّن أن الخطر الأكبر على الاقتصاد والاستقرار المالي والنقدي والجهاز المصرفي، يتأتّى من السياسة النقدية لمصرف لبنان.

وفقاً للتعريف المتداول، إن العناصر الأساسية المكوّنة للسياسة النقدية تتشكّل من سياسة الفوائد التي يتبعها المصرف المركزي، وكيفية استعمال الاحتياطي بالعملات الأجنبية لاستقرار النقد، وسياسته تجاه المصارف، أمّا أهدافها فهي تأمين الاستقرار النقدي (أي ثبات سعر صرف الليرة في الحالة اللبنانية) والاستقرار المصرفي وتطوّر الجهاز المصرفي".

وأضاف "انطلاقاً من هذا التعريف، يمكن تلخيص السياسة النقدية لمصرف لبنان منذ بداية التسعينيات (1993) وحتى اليوم، بقيامها أساساً بتجميع أكبر حجم من الدولارات لدى مصرف لبنان للدفاع عن سعر صرف الليرة. وهذا أمر بديهي في بلد اقتصاده صغير ومنفتح ويتّبع نظام سعر الصرف الثابت للعملة. لكن المشكلة تكمن في استعمال المصرف المركزي أدوات لم تساعد بتاتاً في تحقيق هذا الهدف، بل أدخلت الاقتصاد في وضع خطير جدّاً ومخاطره تتزايد باطراد، ويمكن تبيانها من خلال تفسير عواقب الهندسات المالية".

وقال "عملياً، بدأت الهندسات المالية التي يجريها مصرف لبنان منذ أكثر من 15 عاماً، عبر منح فوائد سخيّة بنسبة 4% و5% على الودائع القصيرة الأجل في مقابل أقل من 1% في الأسواق العالمية. إلّا أن هذه الهندسات وصلت إلى مستوى ضخم في منتصف 2016، عندما منح بضعة مصارف فقط وخلال بضعة أشهر، أرباحاً بقيمة 5.1 مليار دولار من دون أي مقابل في رساميلها بحسب ما أكّد صندوق النقد الدولي في تقريره عن لبنان عام 2016. ومنذ عام 2017، بات المصرف المركزي يعطي المصارف معدّلات فائدة مرتفعة جدّاً على العملات الأجنبية التي تضعها لديه، وطبعاً من دون الإعلان عن نسبة هذه الفوائد على عكس كلّ المصارف المركزية في العالم، ويمنحها أيضاً في مقابلها ديوناً بالليرة اللبنانية توازي مرّة وربع المرّة (1.25) قيمة الودائع بالعملات الأجنبية بفائدة 2% فقط، في حين تودع المصارف في الوقت نفسه ومباشرة المبالغ نفسها بالليرة لدى مصرف لبنان وبفائدة تتعدّى 8-9%. وهو ما يعني أرباحاً إضافية ضخمة. ووفقاً للأرقام المنشورة في 2018، منح مصرف لبنان المصارف قروضاً إضافية بالليرة اللبنانية خلال العام الماضي توازي نحو 21 مليار دولار إضافي، من دون إدخال أي ليرة من هذه المبالغ في المقابل إلى الاقتصاد.

ولإظهار المخاطر الفعلية التي أنتجتها الهندسات المالية يكفي النظر إلى ما تحقّق من أهدافها. يقول مصرف لبنان في كلّ تصريحاته المنشورة والعلنية أنه أجرى هذه الهندسات لتحقيق ثلاثة أهداف؛ أوّلاً، زيادة احتياطاته بالعملات الأجنبية التي يحتاج لها لتثبيت سعر الصرف. في حين تُظهر الأرقام أن بين منتصف 2016 ونهاية 2018 لم ترتفع قيمة هذا الاحتياطي لدى مصرف لبنان، بينما ارتفعت استدانته من المصارف بالعملات الأجنبية بقيمة 40 مليار دولار تقريباً. ثانياً، تحسين ميزان المدفوعات الذي يعبّر عن صافي الأموال الخارجة والداخلة إلى لبنان وخفض العجز فيه بعد تسجيله عجوزات متتالية للسنة السابعة على التوالي (ما عدا عام 2016)، وهو ما لم يشهده لبنان في تاريخه. وفي نهاية 2018 بلغ العجز السنوي نحو 4.8 مليار دولار، مع العلم أنه أكثر من ذلك، كون مصرف لبنان، منذ تشرين الثاني 2017، غيّر المنهجيّة المتّبعة عالمياً في احتساب ميزان المدفوعات عبر إدخال سندات اليوروبوندز ضمن موجوداته الخارجية. ثالثاً، زيادة إقراض المصارف للقطاع الخاص وخصوصاً بالليرة اللبنانية. لكن وللمرّة الأولى في تاريخ لبنان، انخفض الإقراض إلى القطاع الخاص بالمطلق بنحو 1.7 مليار دولار عام 2018، ومع زيادة تراكم الفوائد ترتفع قيمة هذا الانخفاض إلى نحو 7 مليارات دولار".

وتابع "أمّا الأخطر من ذلك، أنه وضع الاقتصاد اللبناني في وضعية لم يشهدها يوماً، إذ باتت المصارف في موضع خطر للغاية ومرتبطة عضوياً بالوضع المالي للقطاع العام، كون ثلثي أصوله باتت قروضاً للقطاع العام، بالمقارنة مع نصف الأصول في 2007، ونحو 52% منها لدى مصرف لبنان. لقد منح المصرف المركزي المصارف - التي استفادت لفترة طويلة من أرباح عالية من دون مخاطر ــ هدايا مسمّة، لا لأصحاب المصارف، وإنّما للقطاع المصرفي والاقتصاد والناس. ولبنان بتركيبته وصغره وضعفه لا يستطيع تحمّل أي انهيار في قطاعه المصرفي. وهذه المخاطر مستمرّة منذ سنوات وتتفاقم، في حين لا نسمع من المسؤولين سوى الشعارات. وفيما البيت الذي نعيش فيه يحترق، هناك إجراءان محدّدان لمنع الانزلاق نحو الإنهيار والخطر الداهم علينا، أوّلاً اجتماع الرؤساء الثلاثة والاتفاق على خفض العجز المالي السنوي إلى 4 مليارات دولار في موازنة 2019 مثلاً، وإلى 3.5 مليار بعد سنة ونحو 3 مليارات بعد سنتين. وثانياً، مساءلة مصرف لبنان ومحاسبته على سياسة الفوائد السخيّة التي يمنحها للمصارف منذ سنوات عدّة، وتوزيعه 5.1 مليار دولار مجّاناً لبضعة مصارف عام 2016".

 

كمال حمدان...

أما الخبير الاقتصادي د. كمال حمدان (المدير التنفيذي لمؤسّسة البحوث والاستشارات) فقد ركّز مداخلته على موضوع "سياسات الإنفاق العام" مشيراً إلى أن تلك السياسات تأثّرت تاريخياً بتطوّر تركيبة السلطة السياسية وتوازناتها، والتي يمكن إيجازها بثلاث مراحل:

-قبل الحرب،لجأت البورجوازية اللبنانية، كي تمارس سيطرتها الطبقية، إلى توسيط ما سُمّي "الإقطاع السياسي" مقابل إشراكه في المنافع والخيرات، وكان وزن المكوّن الريعي في تشكيل البورجوازية محدوداً نسبياً آنذاك.

-خلال الحرب، تراجع دور "الإقطاع السياسي"، لا بل انهار، وتكيّفت البورجوازية بممارسة سيطرتها الطبقية - ولو بأشكال قصرية أحياناً - مع بروز لاعبين جدد هم قوى الأمر الواقع، التي ساهمت في تقطيع أوصال الدولة واغتنت من تحكّمها بمصادر تمويل الحرب.

-بعد انتهاء الحرب، نشأ زواج كاثوليكي بين البورجوازية وهؤلاء اللاعبين الجدد الذين فرض اتفاق الطائف بإدخالهم إلى الدولة، بالتزامن مع التنامي الفظيع للمكوّن الريعي داخل البرجوازية ارتباطاً بعدة عوامل منها: ظهور وتفاقم مشكلة العجز المالي والدين العام والخلل الفادح في نمط إدارتها، وازدياد دور المموّل/ الراعي الخارجي لأطراف السلطة، وتفاعل الظاهرات الناتجة عن اتساع تأثيرات الهجرة الخارجية إلى النفط، حيث قصدها مئات الألوف من اللبنانيين، ثم عاد البعض منهم إلى البلد وأقدموا على شراء أو إنشاء مؤسسات، لينتقلوا بعد ذلك إلى المشاركة بأشكال شتّى في السلطة.

لقد ساهم تعاقب هذه الحقبات الثلاث في إعادة صياغة البنية الداخلية للبورجوازية وآليات التراكم الرأسمالي فيها، وانعكس بأشكال معقّدة على السياسات الاقتصادية عموماً، وعلى مسار تطوّر الإنفاق العام بالتحديد. وخلال الحقبة الأخيرة، تمخّضت تداعيات النمط الاقتصادي الريعي عن تحوّلات عميقة في بنية الإنفاق العام، وأبرزها:

 

- ارتفاع غير مسيطر عليه في الإنفاق العام الجاري أي غير المنتج، بعدما ترسّخت آليات المحاصصة والهدر والفساد في صفوف أطراف الحكم واستسهال هؤلاء اعتماد سياسات للتوزيع الاجتماعي البسيط عبر التوظيف والتشغيل غير المجدي في أروقة مرافق الدولة، وذلك بهدف تأبيد سيطرتهم على "جمهور" طوائفهم...

- احتلال عجز قطاع الكهرباء موقع الصدارة في الإنفاق العام (أكثر من 45 % العجز السنوي)، ارتباطا باعتبارات مصلحية وزبائنية واحتكارية ذات صلة باستيراد الفيول والمشتقّات البترولية، وانتشار وتعميم استيراد واستهلاك المولّدات، فضلاً عن العراقيل المصطنعة التي اعترت أعمال التحقّق والفوترة والجباية وترافقت مع هدر تقني وسياسي كبير.

- استسهال اللجوء إلى تمويل جزء متزايد من الإنفاق الجاري عبر الاقتراض، كرافعة لنموذج اقتصادي ريعي يشجّع على استقطاب التحويلات ورؤوس الأموال والودائع من الخارج لتمويل التوسّع في الاستهلاك العام والخاص. فبلغ نصيب الفرد من الدين الحكومي أكثر من 20 ألف دولار في نهاية 2018. في حين وصلت المديونية الإجمالية للدولة والقطاع الخاص والأسر إلى 200 مليار دولار، أي أكثر من 375% من مجمل الناتج المحلّي.

- ترسّخ النظرة الدونية للاستثمار العام الرأسمالي منذ أواخر التسعينيات، حيث لم يتجاوز نسبة 1% من الناتج المحلّي وأقل من 8% من إجمالي النفقات العامّة خلال أكثر من ربع قرن، ما أدّى إلى انهيار المرفق العام بالتزامن مع ارتفاع عدد المقيمين نحو مرتين خلال العقود الأربعة المنصرمة.

- التراجع التدريجي لدور الدولة الأساسي كمنتج مباشر للخدمة العامة، واتجاهها نحو الاكتفاء بالتمويل الجزئي لهذه الخدمة التي تحوّل إنتاجها فعلياً إلى القطاع الخاص (قطاع الصحة حيث طغى تعاقد الدولة مع المستشفيات الخاصة ومورّدي التجهيزات الطبية، والتعليم الرسمي حيث انخفضت نسبة التحاق الطلاب به من 50% الى 30% رغم ارتفاع الانفاق على التعليم الرسمي، وكذلك انتشار نظام الفاتورتين للكهرباء والمياه وتعدد فواتير الاتصالات). ونتيجة لهذه التحولات بدأت الخصخصة المستترة لخدمات عامة لم يتمكن التحالف الهجين بين أطراف السلطة ليفرضها كخيار نظامي/ شرعي، إنما فرضت عبر طريق قوة الأمر الواقع نتيجة الفراغات التي تُخلق بالسوق ويستغلها القطاع الخاص، وسط خلل فظيع في أعمال الضبط والرقابة من جانب الدولة، فضلاً عن تكبد الأسر دفع الفاتورة الأكبر ثمن خدمات هي بالأساس حق من حقوقها.

 

ما العمل؟إن معالجة هذه المشكلات يتطلّب إجراء تعديلات جذريّة ومتزامنة في بنية الإيرادات الضريبية وبنية النفقات العامة في آن معاً. وبالإضافة إلى ما عرضه الدكتور جورج قرم حول الإيرادات، لا بدّ من الإشارة إلى مسألتين مكمّلتين: أوّلاً، ضرورة فرض ضريبة تصاعدية على فوائد الودائع المصرفية، في بلد يستحوذ فيه 1% من مجمل الحسابات المصرفية على 52% من مجمل الودائع، مع ما يتطلّبه ذلك من تعديلات على قانون السرّية المصرفية بغية تجميع حسابات الشخص الواحد المتعدّدة في حساب واحد، الأمر الذي يوفّر للدولة دخلاً إضافياً لا يقلّ عن مليار دولار. ثانياً، ضرورة التفاوض الجادّ والمسؤول مع المصارف حول اقتطاع استثنائي لنسبة وازنة من أرباحها لفترة تتراوح بين 3 و5 سنوات، بما يعزّز فرص تجنّب الانهيار المالي والاقتصادي، ويخدم فعلياً ليس فقط استقرار البلد، بل كذلك مصلحة المصارف في المدى المتوسّط والبعيد"

وأضاف "أمّا في مجال إعادة هيكلة النفقات العامّة، فإن رزمة إجراءات يجب أن توضع موضع التنفيذ، وأبرزها:

- الشروع فوراً في حلّ مشكلة قطاع الكهرباء عبر جدول زمني صارم يشمل تأهيل وتشييد المصانع، وتأمين الاستقلالية الإدارية والمالية لمؤسّسة الكهرباء واستكمال جهازها البشري (50% وظائف شاغرة)، والالتزام بمعالجة الهدر التقني وغير التقني، وتحسين الجباية ووقف التعدّيات على الشبكة، واعتماد تعرفة تصاعدية دعماً للفئات المحتاجة وبالتزامن مع ازدياد ساعات التغذية...

- إلغاء تعويضات الرؤساء والنواب السابقين، وتقليص مخصّصات وتعويضات النواب والوزراء الحاليين، بما في ذلك التقديمات التي يستفيدون منها. وإعادة النظر في أجور موظّفي الفئتين الأولى والثانية في المصالح المستقّلة والمؤسّسات العامة ومصرف لبنان وكبار الضباط، خصوصاً أن رواتب وتعويضات هذه الفئة من العاملين باتت تتراوح بين 20 و75 ضعف الحدّ الأدنى للأجور، في مقابل سقف أعلى لا يتجاوز 9 أضعاف في بلدان الاتحاد الأوروبي. وكذلك ضبط (بل إلغاء) الزيادات السنوية التي تجريها بعض المصالح المستقلّة والمؤسّسات العامة على أجور العاملين فيها، وما يرافقها من تعويضات استثنائية وامتيازات، فضلاً عن حصر تطبيق التدبير رقم 3 الخاص بالقوات المسلّحة في أضيق نطاق.

-إغلاق وتصفية صندوقي الجنوب والمهجّرين وإعادة هيكلة الهيئة العليا للإغاثة وتحديد مهامها بشكل دقيق، ووضع كشف وتقييم مفصّلين لأوضاع المؤسّسات العامة المرتبطة برئاسة مجلس الوزراء، تمهيداً لاختصارها أو دمجها أو إلغائها تبعاً لمقتضيات تحقيق الفعالية الاقتصادية والحدّ من الهدر.

-حصر كلّ أنواع التوظيف في الإدارات والمؤسّسات العامة والمجالس على اختلافها بمجلس الخدمة المدنية.

- إعادة النظر في منح تعليم أبناء الموظّفين في القطاع العام (نحو 350 مليون دولار عام 2018) التي تحكمها معايير متفاوتة وفق الإدارات والأسلاك، وإلغاء التعليم الخاصّ المجاني الذي يضمّ نحو 100 ألف تلميذ لصالح دمجهم في التعليم الرسمي.

إن هذه الرزمة من الإجراءات ــ المطلوب تزامنها على جانبي الإيرادات الضريبية والنفقات العامة ــ من شأنها أن تخلق وفورات مالية للدولة تمكّنها ليس فقط من الضبط المتدرّج للعجز المالي، بل كذلك من استعادة وظائفها الأساسية خصوصاً في المجال الاجتماعي، بما يشمل توفير التغطية الصحّية الشاملة للبنانيين المقيمين وتحسين نوعية التعليم الرسمي وإنشاء نظام عادل للتقاعد في القطاع الخاص".

 

 

غسان ديبة...

أما مداخلة رئيس قسم العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU)الخبير الاقتصادي د. غسان ديبة فقد تمحورت حول "الدولة والاقتصاد الخاص"، وقال "هناك أساطير عديدة عن الاقتصاد اللبناني تدّعي كفاءة الاقتصاد الخاص أو كفاءة القطاع الخاص بالمقارنة مع الدولة وهذا ما يبرر الشراكة بين القطاع الخاص والقطاع العام"، متسائلاً: هل صحيح الاقتصاد الخاص في لبنان كفوء وفعّال؟"، مشيراً إلى أن الإجابة توفرت في التقرير الأخير الذي "أصدره المنتدى الاقتصاد العالمي في 14 من شهر أب الماضي حول تنافسية القطاعات الاقتصادية، والذي تناول 12 بلداً عربياً بالإضافة إلى دول العالم، حيث احتل لبنان الموقع الأخير بين الدول العربية والمرتبة الـ 105 في العالم. وتابع "من أين أتى الترتيب السيء الذي فاجأ البعض؛ ومن ناحية الكفاءة في سوق العمل احتل لبنان المرتبة 109 في هذا المؤشر. وأهم ما فيه هو مؤشرات الاستعمال الكفؤ للموارد، حيث احتل لبنان المرتبة 105 و128 في مشاركة الإناث في سوق العمل، إذاً هذا الاقتصاد الخاص لا ينتج الوظائف التي تماهي درجة التقدم العلمي ودرجة التقدم التكنولوجي في لبنان".

وأشار إلى أن لبنان احتل في التقرير، من حيث جودة تعليم الرياضيات والعلوم، المرتبة الرابعة، والمرتبة 15 في توفر المهندسين والعلماء، مضيفاً "حسب رأيي المهندسين أكثر من العلماء، ممّا يعطينا انطباعاً؛ كيف يكون لبنان في المراتب العليا في العلوم والتعليم بينما في المراتب الدنيا في تنافسية وكفاءة الاقتصاد.. الحلقة المفقودة هي هذا الاقتصاد الخاص الذي يبدد هذه الموارد العلمية".

وأضاف ديبة أن "لبنان احتل المرتبة الـ 64 بالاستعداد التكنولوجي، والـ 108 في توفر أحدث التكنولوجيات، والمرتبة 86 في استيعاب المؤسسات الخاصة بالتكنلوجيا، والمرتبة 122 في الاستثمار المباشر ونقل التكنلوجيا...  ومما يبدو واضحاً جداً أن هذه الأسطورة حول كفاءة الاقتصاد الخاص والقطاع الخاص تطرح أسئلة كبيرة حولها في لبنان".

وتطرق أيضاً إلى "تقرير مايلز الذي صدر عام 2012 وتقرير البنك الدولي حول الحوكمة الطائفية، اللذان يظهران كيف يبدّد لبنان قدراته الإنتاجية ويخلق اقتصاد متدني الإنتاجية، وحيث الحوكمة الطائفية أيضاً تؤدي إلى تبدّد الموارد". وقال " ذكرت مسبقاً أن بنية الاقتصاد الرأسمالي في لبنان هي الأساس في إنتاج جميع هذه الظواهر التي تكلم عنها الزملاء. وذكرت أن الرأسمالية اللبنانية سقطت في اختبار البيان الشيوعي. وحالياً يجري الحديث عن ماكنزي وعن العديد من الخطط السابقة من أجل ضرورة تحويل الاقتصاد اللبناني من اقتصاد ريعي إلى إنتاجي، وهناك بعض الأوساط في الطبقات الرأسمالية والسياسية الحاكمة توصلت بعد حوالي 26 سنة من التدهور إلى أن هناك أمر خاطئ في الاقتصاد".

 واعتبر ديبة أن ما أتى ببعض المشاريع وخطة ماكنزي لا يأخذ بعين الاعتبار ماهية الآليات التي يجب اتباعها من اقتصاد إلى اقتصاد حتى لا يبقى الأمر مجرد كلام دون أي واقع في عمليات السياسات الاقتصادية.

 

-         أولاً،التحوّل إلى اقتصاد مغاير وغير ريعي، يجب أن يتم عبر تهميش هذا الاقتصاد الريعي، والذي هو الأساس في تراجع القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة واقتصاد المعرفة... كما أن الاقتصاد اللبناني بُني على سيطرة النقد وبالتالي لم يعد بإمكانه أن يتحوّل أوتوماتيكياً من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد انتاجي من دون تدخّل الدولة لتفكيك هذا النموذج وخلق العائدات المرتفعة على القطاعات الإنتاجية.

-         ثانياً،يأتي دور الدولة أساسياً في تفكيك هذا النموذج الريعي، وأيضاً من أجل خلق العائدات المرتفعة على النشاطات العالية الإنتاجية. وهنا يتناسى المؤيدون للشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص أن هناك عدم تناظّر بين الدولة والقطاع الخاص على مستوى المقدرة المالية وهذا الأمر ناتج عن التاريخ اللبناني بالاقتصاد منذ 1992 حتى الآن، فهناك تراكماً لدى الرأسمال المالي أتي من تراجع القدرة المالية للدولة وخلق الأزمة المالية للدولة.

-         ثالثاً؛يجب علىالدولة أن تتوقف عن إدخال القطاع الخاص إلى القطاع العام، لأنه بالتالي سيؤدي الى ابتلاع القطاع العام من قبل القطاع الخاص، وإنما أيضاً يجب أن يقوم مفهوم الدولة بتفكيك الاحتكارات الموجودة في القطاع الخاص بدلاً من نقلها إلى القطاع العام عبر مشاريع الشراكة والخصخصة".

-         وأكد ديبة على أن "أي تحويل الاقتصاد الريعي إلى انتاجي يتطلّب سياسات صناعية راديكالية، وهذا الأمر حصل في جميع البلدان التي اعتمدت عمليات التصنيع السريعة مثل كوريا الجنوبية وروسيا..، وهذا يعتمد على تحويل الموارد من قطاع نريده أن ينتهي أو يضمر إلى قطاع نريده أن ينمو، وهنا يجب أن نجد عملية استغلال هذا القطاع الريعي عبر النظام الضريبي، إذ أن النظام الضريبي هو ليس فقط من أجل زيادة موارد الدولة أو من أجل العدالة الاجتماعية، ولكن في هذا الإطار زيادة موارد الدولة عبر النظام الضريبي على القطاع الريعي هو استغلال لهذا القطاع ونقل موارده إلى القطاع العام، أو القطاع الإنتاجي  والذي ليس بالضرورة أن يكون قطاعاً عاماً، وحتى لو وضعنا ضرائب منخفضة على القطاع الإنتاجي أو قدمنا له الدعم فهذا يتطلب موارداً وليس فقط كلاماً، بالتالي نحن بحاجة إلى نقل هذه الموارد إما عبر الضرائب أو عبر سياسات أسعار تعطي الأولوية للقطاع الإنتاجي. وهنا من المهم ما ذكره الدكتور قرم في هذا المجال حول ضرورة الانتهاء من هذا الوهم المالي والتخلّي عن فكرة "المركز المالي للبنان"؛ فالقطاع المصرفي يشكّل 325% من مجمل الناتج المحلي. وبالتالي هذا الأمر، في ظل انتهاء دور لبنان المالي الذي كان قبل الحرب الأهلية، حوّل البلد ليس فقط إلى مركز مالي كما ذكرت، إنما إلى دوامة مالية. وبالتالي يجب أن نتخلى أيضاً على المستوى الفكري عن عودة أن يكون لبنان مركزاً مالياً، وكما هو واضح جداً أن هذا النظام المالي أو المصرفي لا يلعب دوراً عالمياً أو دوراً في جذب الاستثمارات إلى لبنان، وإنما يلعب دوراً في إبقاء هذا النموذج القديم الذي هو بالقطاع المصرفي (الترابط بين المصارف والدولة اللبنانية) وتعميق الأزمة الاقتصادية والمالية.

 

ختاماً، تطرق ديبة إلى دور نظام الطائف والاقتصاد، معتبراً "أن نظام الطائف هو أكثر عدالة من النظام الذي كان قبل الحرب ولكنه الأسوأ اقتصادياً، فبتحول النظام الطائفي في لبنان إلى النظام الأكثر عدلاً هذا، أدى إلى تراجع الكفاءات الاقتصادية، ذاكراً 4 مسلمات؛ وهي:

-الأولى:الاقتصاد اللبناني كان أفضل قبل الطائف، على الرغم من سيطرة ما كان يسمى آنذاك رأس "الطغمة المالية". إلاّ أن الطغمة المالية في ذاك الوقت؛ المصارف والرأسمال المالي لم يستعمل الدولة كأداة لتكنيز وتمركز الرأسمال المالي في أيدي القلة.  فإذاً بعد نظام الطائف فعلاً أصبح القطاع المصرفي أو القطاع المالي هو طغمة مالية وليس قبل ذلك. وفي نفس الوقت تراجعت نسبة الأجور من الناتج المحلي من 50 % إلى 25% و28 % حالياً. كما الصناعة والتصدير وغيرها...

-المسلمة الثانية؛ النظام الطائفي لا يمكن أن ينتج شهابية جديدة، نقل النظام الطائفي من نظام الهيمنة إلى نظام شمولي؛ وهذا أدى إلى أمرين: انتهاء الدولة وفقدان قوتها. والذين يتحدثون عن أن هذه الدولة مفترسة ليس صحيحاً، هذه دولة ضعيفة يحولها إلى هيكل عظمي مليء بالمتعاقدين والمياومين بالقرن الواحد والعشرين في ظل المحاصصة الطائفية والمذهبية على أقل الوظائف، هذا الأمر لا يمكن أن يتم إصلاحه من الداخل وإعادة انتاج الفترة الشهابية التي انتجت رجال الدولة والمؤسسات العامة ... إلخ. فإذا كانت إحدى حسنات اتفاق الطائف هي قيمة الزيادة في العدالة بين الطوائف إلّا أنها أفقدت اللبنانيين أيضاً الشعور الوطني وأدّت إلى ضعف الدولة بتقديم السلع العامة، وما كان يتحدث عنه الدكتور كمال حول انسحاب الدولة من تقديم السلع والخدمات هو جزء من هذا التحول الذي حصل.

-المسلمة الثالثة؛إن انحصار التصنيع في لبنان كان له آثاراً سياسية بالغة، وهو ليس فقط أمراً اقتصادياً، وهنا سأستشهد بمقال للاقتصادي داني رودريغ في جامعة هارفارد "أن العواقب السياسية الناتجة عن انحسار التصنيع قد تكون غير واضحة للوهلة الأولى إلاّ أنها كثيرة الأهمية، فالأحزاب السياسية الجماهيرية كانت نتاجاً جماهيرياً للتصنيع، أي أن الأحزاب الجماهيرية الديمقراطية والاجتماعية في أوروبا كانت جزءاً أساسياً من التقدم الاقتصادي والصناعي. والسياسة ستبدو مختلفة عندما ينظم الإنتاج الحضري بشكل كبير حول الطابع غير النظامي عبر إنتاج المؤسسات الصغيرة والخدمات الثانوية. في هذا الوضع يصبح من الصعب للمجموعات غير النخبوية - وهذا مهم جداً للحراك - أن تحدد مصالحها المشتركة. ويواجه التنظيم السياسي عقبات أكبر حيث تهيمن الهويات الشخصية والعرقية على السياسة بدلاً من التضامن الطبقي، وهذا يوثق بشكل كبير ما يحصل في لبنان حالياً.

-أما المسلمة الرابعة؛ فهي أن النظام الطائفي غير مستقر، ومن يعتقد عكس ذلك حتى مع تشكيل الحكومة اللبنانية الآن ومع كل الدعايات السياسية حول "سيدر" فهو مخطئ، إذ أن هذا النظام هو نظام غير مستقر، وكلما زادت قوة رأس المال مثل ما سيحصل الآن، كلما زاد اهتراء الدولة، وبالتالي فإن الترويكا الآن بين المصارف والمصرف المركزي والدولة هي في وضع مختلف عمّا كان قبل السنتين الآخرتين، حيث بدأ التفكّك في الترويكا (المصارف ومصرف لبنان والدولة)، وهذا يفسّر اللجوء إلى مؤتمر سيدر الذي أتى كخطوة يائسة لا أكثر للإنقاذ المالي وإنقاذ نموذج المحاصصة الطائفية وسيطرة رأس المال المالي، وهي خطوة شبيهة بالخطط الإنقاذية التي سبقتها، وطبعاً هي لا تمّت بصلة إلى أي خطّة لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني أو تطويره وتحسين بنيته التحتية.

 

 

سامي عطالله...

المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات د. سامي عطالله، تطرق إلى "مؤتمرات باريس"، متسائلاً "لماذا الدولة اللبنانية بعد مؤتمرات باريس 1 و2 و3، لا تزال بحاجة للذهاب مجدّداً إلى باريس 4، بحثاً عن مصادر تمويل وقروض لتجهيز البنية التحتية وتحسينها؟"، شارحاً أن "الإجابة تفسّر تركيبة النموذج اللبناني، وتوضح سبل مواجهة أزماته المتكرّرة.

من الواضح أن البنية التحتية اللبنانية سيئة للغاية، من الكهرباء إلى الماء وصولاً إلى الطرقات. أمّا السبب فهو عدم إنفاق الحكومات المتعاقبة أموالاً كافية على مشاريع البنية التحتية، وهو إنفاق لم يتخطَّ 1.6% من مجمل الناتج المحلّي بالمقارنة مع 5% في البلدان الشبيهة بنا".

وأضاف "هذا يعني أمراً من اثنين: أن الحكومة لا تملك الأموال الكافية للإنفاق على البنية التحتية أو أن الحكومات المتعاقبة والأحزاب السياسية الحاكمة تصرف الأموال على أمور أخرى. وهنا تبرز الحاجة إلى تأمين الأموال لتحسين البنية التحتية وإيصال الخدمات العامّة. وإذا تأمّنت هذه الأموال، التأكّد من إنفاقها بشكل فعّال وكفوء. لكن لماذا لا يوجد لدينا أموال كافية؟ حُكي الكثير عن كيفية إنفاق الإيرادات العامّة، على خدمة الدين العام والإنفاق الجاري للدولة. وهذا جزء من قصّة الإيرادات يكمّله جزء ثانٍ متعلّق بجباية الضرائب. في الواقع، تشكّل الجباية 13.6% من مجمل الناتج المحلّي، لكن إذا رفع هذا المعدّل إلى 16.4% كما هو الوضع في البلدان الشبيهة بلبنان إنمائياً، يمكننا تحصيل مليار وربع مليار دولار سنوياً، أي 12 مليار دولار خلال عشر سنوات، وهو ما يوازي قيمة قروض سيدر. من الواضح أن أحداً لا يريد تغيير العقد الاجتماعي القائم. إذ فضّلت الحكومة الاستدانة لتمويل مشاريع البنية التحتية بدلاً من جباية الأموال من الضرائب العادلة والثروات المتراكمة والاحتكارات الممنوع المسّ بها.

اليوم في ملف سيدر هناك محوران، واحد متعلّق بالمشاريع والثاني متعلّق بالإجراءات المرتبطة بها".

وقال "عملياً، يتضمّن سيدر نحو 281 مشروعاً مقسّماً على القطاعات والمناطق، تعود بمعظمها إلى ستينيات القرن الماضي، وبقيمة 11 مليار دولار. في حين سيتمّ تنفيذ بعض المشاريع بالشراكة مع القطاع الخاص بما سيرفع القيمة الإجمالية إلى 17 مليار دولار. على أن ينفّذ جزء من هذه المشاريع عبر مجلس الإنماء والإعمار وجزء آخر عبر وزارة الطاقة والمياه. تكمن المشكلة بمدى كفاءة الدولة في إدارة إنفاق نحو ملياري دولار سنوياً في حين أن معدّل إنفاقها السنوي على المشاريع الاستثمارية يتراوح بين 500 و800 مليون دولار، وذلك في ظلّ ضعف إدارة المناقصات، ووجود شكوك في مدى نزاهة وشفافية المؤسّسات والإدارات العامّة المفترض بها تنفيذ هذه المشاريع، خصوصاً أن الشركات التي تفوز بالمشاريع هي على علاقة وطيدة مع نافذين وسياسيين، فضلاً عن ضعف أجهزة الرقابة والمساءلة والمحاسبة".

وأردف "أمّا في الشقّ المتعلّق بالإجراءات التي تعهّدت الحكومة بتنفيذها أمام المانحين، يتبيّن أن هناك 73 إجراءً. نحو 32% منها هي إجراءات مالية، و70% منها كانت موجودة ضمن باريس 3 ولم تنفّذ. و44% منها إجراءات قطاعية، كإنشاء هيئات ناظمة أو تحضير قانون للصندوق السيادي للنفط، وتعرفة الكهرباء.."، مشيراً إلى أن "هناك 3 إجراءات فقط متعلّقة بالقضاء الذي يعدّ سلطة أساسية لمحاربة الفساد، وكلّها متعلّقة بمكننة المحاكم. بالإضافة إلى وجود عدد كبير من الإجراءات الغامضة على سبيل تحسين الإدارة النقدية وتخفيض الإنفاق من دون توضيح الآليات. وهناك 36 إجراءً يتطلّب إقرار قوانين، ما يفترض على المجلس النيابي القيام بجهد تشريعي، فيما لم يقم بأي جلسة رقابية بين عامي 2009 و2017، وأقرّ خلال الفترة نفسها نحو 352 قانوناً، 9% منها فقط تتعلّق بهموم الناس، أمّا النسبة المتبقية فكانت إجراءات مالية وإدارية محوّلة من البنك الدولي وعبارة عن قروض ومنح صوّتوا عليها.

تشكّل هذه الأرقام والوقائع دليلاً على مدى جدّية النواب لمناقشة أمور من المفترض تناولها عند البحث عن سبل لمواجهة الأزمة وهي النظام الضريبي وتغيير العقد الاجتماعي، وتحصين الأجهزة الرقابية للقيام بدورها في مكافحة الفساد".

للتواصل عبر البريد الالكتروني: This e-mail address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it  

#ملف_العدد_352 #مجلة_النداء
#إلى_الشارع #كلنا_عالشارع #لا_ثقة

 

Image may contain: 6 people, people sitting and indoor

 

 

 

 

 

 

Last Updated (Monday, 25 February 2019 17:30)