للمراسلة عبرالبريد الالكتروني الجديد للعلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي اللبناني lcparty.lcparty@gmail.com - tel 01/739615- 01/739616 ### البريد الالكتروني لإذاعة صوت الشعب chaabradio@gmail.com - tel 01/819014 - 01/311809 ## لمراسلة مجلة النداء عبر البريد الالكتروني annidaa@gmail.com ## الى جميع مستمعي اذاعة صوت الشعب يمكن متابعة الاذاعة 103,7 و 103,9 على الموقع sawtachaab.com ##
الثقافة والثورة - مهدي عامل
الحزب الشيوعي اللبناني

No photo description available.

الرفيق الأمين العام حنا غريب

مرحلة الانتقال: الاحتمالات والممكنات 1

michel kilo.jpg - 13.46 Kbمرحلـة الانتقـال: الاحتمـالات والممكنـات (1)

 هناك إجماع لدى المعارضة السورية على وجود مرحلة انتقال واحدة من النظام الاستبدادي/ العائلي/ الفئوي الراهن إلى النظام الديموقراطي المنشود. تنطلق هذه الورقة من أن مرحلة الانتقال المعنية تحتمل بدائل متنوعة/متضاربة، تسوغ الحديث عن أنماط انتقال مختلفة يطمس عقلنا السياسي السائد ما بينها من فروق تحت مصطلح «مرحلة الانتقال» العام. ثمة اليوم أنماط انتقال أربعة نشاهد معالمها في واقعنا الراهن، هي: نمط انتقال سلطوي يتولى النظام تنفيذه منذ نشوب الانتفاضة الشعبية، ونمط تفاوضي/ سلمي تتبناه أطراف من المعارضة السياسية الحزبية، هو نمط افتراضي تمليه الرغبة في إيجاد تسوية مع النظام، ونمط ثالث، حراكي شعبي أساساً، يريد الشارع تحقيقه هو «نمط ميداني/ عملي» هدفه إسقاط النظام عبر تعبئة طاقات شعبية كافية حول الإسقاط كشعار تعبوي، بينما يتركز النمط الرابع على ما قد يفعله الخارج حيال أزمة بلادنا، فإن كانت أفعاله سياسية فقط تقاطعت مع عناصر من النمط الافتراضي، وإن كانت عسكرية الطابع، تداخلت مع بعض مكونات النمط الميداني، مع أنه سيحافظ في الحالتين على هويته كنمط انتقال يتم تحت إشراف الخارج وبإرادته ولمصلحته .

- يقاتل النظام اليوم لفرض نمط انتقال يبقي على السلطة القائمة في أقرب أشكالها من الوضع الذي كانت عليه قبل 15 آذار العام 2011، ويريد إرغام المجتمع السوري على التخلي عن حراكه ومطالبه، وأهمها مطلب الدولة الديموقراطية القائمة على المواطنة وحكم القانون، فالانتقال لا يعني هنا التفاهم مع أي طرف كان على تغيير متوافق عليه في السلطة أو النظام، بل يعني تغيير موقف المجتمع من النظام، وإجباره على قبول الوضع الذي فرض عليه بين العام 1970 وما قبل الخامس عشر من آذار 2011، حيث كان قبل انخراطه في الربيع العربي، مجتمعاً مستسلماً لمصيره، تاركاً شؤونه لأهل السلطة، خاضعاً لما يريده هؤلاء من دون احتجاج أو اعتراض. هذا الهدف يريد النظام تحقيقه بالقوة: من خلال حل أمني /عسكري/ حربي يضع المجتمع امام احتمال من اثنين: التدمير المنهجي أو الخضوع دون قيد او شرط. بوغت النظام بحقائق الموقف المجتمعي منه، وبعمق رغبة السوريين في الحرية، كما بوغت بتصميمهم على انتزاع حريتهم منه، فزجّ بقواه جميعها في المعركة تحت شعار: اقتلكم أو أحكمكم، فإما أنا وإما أنتم. لا حاجة إلى القول إن موضوع المعركة الدائرة اليوم في سوريا هو نمط الانتقال، الذي يتصارع عليه الطرفان: وهل هو عودة المجتمع إلى الماضي بعد اجتثاث روح المقاومة والحرية من صدور بناته وأبنائه، وتطهيره من جراثيم الكرامة والعدالة والمساواة، أم هو خروج المجتمع السوري من القمقم، والقضاء على نظام فئوي عنفي قام على الظلم والتمييز وتقويض مقومات حياة الجماعة الوطنية السورية بمكوناتها كافة؟

يفتح فشل الحل الأمني ورفض المجتمع السوري العودة إلى حظيرة التدجين التي فرضت عليه قرابة نصف قرن، الباب أمام واحدة من نمطي انتقال محتملين: نمط سيتم بأدوات السياسة التي دأبت على ممارسها قوى حزبية تاريخية، تعتبر تقليدية بالقياس إلى قوى الحراك المجتمعي، هي التي يعنيها عادة من يتحدثون عن «المرحلة الانتقالية» بمعناها العام، ونمط ميداني/ عملي سيتم بوسائل مجتمعية/ حراكية، تجمع بين السياسة والمقاومة الشعبية، السلمية والعسكرية، قلما يراه أو يتحدث عنه أحد، مع أنه النمط الذي تناضل قطاعات واسعة من شعب سوريا لتحقيقه، سواء وهي تدعو إلى إسقاط النظام بقوة الشارع، أي إلى نمط انتقال لا تفاوض فيه، أم إلى حلّ سياسي يلتقي مع حل قوى المعارضة التقليدية الافتراضي، الذي يرى في الانتقال تسوية بين المعارضة او قسم منها، وبين النظام أو من يتخلى من عناصره عن ولائه لقيادته الحالية. لئن كان نمط الانتقال الافتراضي مرتبطاً بالمعارضة الحزبية وخططها وبرامجها، فإن النمط الميداني يتصل بقوى المجتمع التي نظمت الحراك وترابط في الشوارع، وتجنح قطاعات واسعة منها اليوم إلى السلاح والمقاومة المنظمة، وانضم قسم منها إلى الضباط وصف الضباط والجنود الذي فرّوا من جيش السلطة وشكلوا «الجيش السوري الحر» أو يتعاون مع هذا الجيش وسواه من منظمات مسلحة. هذا النمط من الانتقال، الذي تبناه «المجلس الوطني السوري» باعتباره خياراً شعبياً ملزماً، محكوم بالنتائج التي ستترتب على خيارات ونضالات التيار الميداني/ العملي، التي جعلت إسقاط النظام هدف المرحلة الانتقالية الراهنة، ورفضت أول الأمر نمط الانتقال الافتراضي، لأنه لا يسقط النظام، ويبقى على عديد من مقوماته، ثم قبلت نمطاً انتقالياً تدريجياً إن كان يبدأ بتنحّي الرئيس، أي بتعويض مجزٍ وكثيف الرمزية عن إسقاط النظام، بعد أن بانت صعوبة وربما استحالة، تحقيقه بسحبة واحدة، فكان قبولها نوعاً من التكيف مع موقف العالم الخارجي، الداعم الرئيس «للمجلس الوطني السوري»، الموافق على إسقاط الرئيس بديلاً لإسقاط النظام، على أن يكون سقوطه فاتحة نمط انتقال تدريجي ومتوافق عليه مع أطراف داخل النظام، تتطابق معظم بنوده ما يقول به السياسيون من أتباع النمط الافتراضي.

ثمة طرق ثلاث في النظر إلى «مرحلة الانتقال»: هناك طريقة ترى فيها الفترة الفاصلة بين بدء المفاوضات مع أطراف من النظام حول البديل وبين تشكيل حكومة وحدة وطنية تعمل لإقامته. هذه هي النظرة الضيقة إلى مرحلة الانتقال. وهناك نظرة أوسع تجعل هذه المرحلة بين إسقاط الرئيس وقيام سلطة بديلة تتجسد في حكومة وحدة وطنية تضم المجلس الوطني والمؤسسة العسكرية، حسب ما جاء في مشروع البرنامج السياسي للمجلس، على أن تأخذ سوريا إلى نظام ديموقراطي. أخيراً، هناك النظرة التي تعتمدها هذه الورقة، وتقوم على نظرة ترى أن مرحلة الانتقال بدأت يوم 15 آذار من عام 2011، وستستمر إلى إجراء أول انتخابات برلمانية حرة تشارك فيها أحزاب وتنظيمات متنوّعة، على أن تقوم في الفترة الفاصلة بين التسوية مع أطراف النظام وبين الانتخابات البرلمانية حكومة وحدة وطنية تضمّ معظم او جميع قوى الطيف السياسي، التي ستقوم باجتثاث الاستبداد ومولداته ومؤسساته من الدولة والمجتمع والسلطة، وستلتزم بتوافقات وجوامع وطنية عامة تترجمها إلى سياسات ومواقف ديموقراطية يقرها الشعب.

هذه الطرق في النظر إلى مرحلة الانتقال تنتمي إلى مدارس سياسية مختلفة، فالأولى هي مدرسة المعارضة الحزبية التاريخية، المنضوية في «هيئة التنسيق لقوة التغيير الديموقراطي»، والثانية مدرسة «المجلس الوطني السوري»، التي تفتقر إلى رؤية نهائية وملزمة حول مرحلة ونمط الانتقال، ويتأرجح موقفه بين طلب يلفه الغموض للتدخل العسكري الخارجي ودعم محدود ومتردد «للجيش السوري الحر». أما الثالثة فهي مدرسة المنتمين إلى المجتمع المدني، من منظمي الحراك وقادته، الذين يعتبرونه بداية انتقال سوريا إلى طور جديد من تاريخها، ويرون في ما حدث خلال عام الحراك الأول أرضية يجب إرساء أي مرحلة انتقال عليها، لأنها هي التي ستقرر نمطه وعمقه ومداه.

هذا التحقيب للمرحلة الانتقالية، يجعلنا نتحدث عن نمطين منها، في حال فشل نمط النظام العنيف:

ـ نمط يربطها بشروط مسبقة إن توفرت تمّت المرحلة وجاء الحل، وإلا اقتصر الأمر على المطالبة بها والضغط السياسي كي تقبل السلطة بتحقيقها. في هذا النمط، هنا كما يشبه دفتر شروط سياسية يربط تحقيق الانتقال بقبول النظام بمواصفاته، فإن لم يقبل بقي مطلباً مشروعاً يفتقر إلى ميزان قوى قادر على فرضه عملياً، فهو لن يتحقق ولن تفتح أبواب التحقق أمامه ما دام المطالبون به عاجزين عن إجبار السلطة على تنفيذه، أي على قبول مرحلة انتقال هي التي ستدفع ثمنها.

ـ نمط آخر، لا ينطلق من تقديم تصور يستبق تحقيقه، بل من العمل لإقامة ميزان قوى يجعله في الحدود القصوى مسألة إجبارية لا خيار للنظام في قبولها أو رفضها، وفي الدنيا تسوية تشبه ما يريده النمط الأول، لكنها تملك من عناصر القوة ما يتكفل بتحقيقها. في حال تحقق هذا الحد الأدنى، تكون مطالب الحل الافتراضي من ضمن ما يتضمنه، لكن تطبيقه لا يكون مرتبطاً بإرادة السلطة وإنما يفرض عليها بقوة الغلبة. عندئذ، لا يحمل هذا النمط عناصر كابحة يمليها إسهام أطراف من النظام في إقامته، على غرار ما يكون عليه الوضع في مرحلة الانتقال من النمط الأول، حيث يبقى نفوذ وحضور ممثلي النظام قويا في أجهزة السلطة ومواقع معينة من المجتمع والحياة العامة، ويكون هؤلاء في موقع يتيح لهم إبقاء الانتقال محكوماً بإرادتهم وحساباتهم ايضاً، ما دام بدء هذا النمط مستحيلا من دون موافقتهم، بينما يكونون مجبرين، عند تحقق النمط الميداني من الانتقال، على قبوله بشروط الحراك، وفي ظل موازين قوى غير ملائمة لهم، على عكس ما يتوفر للنمط الافتراضي، حيث يُعتقد أن بدء مرحلة الانتقال سيقيم توازن قوى يتغير ببطء لغير مصلحة النظام وأهله.

أدّى الحراك إلى نشوء توازن قوى جديد في سوريا، كان من المحال أن يفكر أحد قبل الخامس عشر من آذار العام 2011 بإمكانية نشوئه خلال وقت منظور. واليوم، يستميت النظام لكسر هذا التوازن، الذي يجسّد عجزه عن إخراج الشعب من الشارع، ما دام نجاحه يعني بداية عودة الوضع الذي كان قائماً قبل الحراك، حتى في حال بقيت مجموعات مسلحة هنا أو هناك. بالمقابل، لا مفر من قيام الحراك بصد هجمات النظام المتصاعدة: للمحافظة على التوازن القائم، ثم كسره في فترة تالية وإحلال ميزان قوى جديد محله، يقنع بعض أهل النظام بعبثية سعيهم إلى قهر الشعب وباستحالة انتصارهم، لما لاقتناعهم بهذا من أهمية في قبولهم بضرورة وحتمية تغيير علاقات القوة داخل السلطة لمصلحة مرحلة انتقال ليس نظامهم مرجعيتها، ولا إصلاحه هدفها، سينبثق عنها خلال وقت قصير نسبيا نظام ديموقراطي سينهض على أنقاض نظام الاستبداد.

كيف يمكن منع النظام من كسر ميزان القوى الحالي لمصلحته؟ بداية، من الضروري ملاحظة أن منع النظام من قلب موازين القوى في الاتجاه الذي يريده يمهد لكسب المعركة ضده. بقول آخر: ليس الحراك بحاجة إلى نشاط هجومي كي يكسب الصراع، يكفي أن يحبط هجوم السلطة وأجهزتها من خلال سياسات مدروسة ومنسقة، وإن غلب عليها الطابع الدفاعي، ما دام قد اعتمد منذ بدايته استراتيجية تقوم على منع النظام من إنزال الهزيمة به عبر استمرار التظاهر، السلمي غالباً. لم تنجح قوى النظام العسكرية، المتفوقة على الحراك، في احتواء الشارع وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الخامس عشر من آذار من العام الماضي، رغم انتشارها في كل قرية وبلدة ومدينة وشارع، وما مارسته من عنف لا قيود عليه ضد المواطنين وممتلكاتهم.

(للبحث صلة) - كاتب سياسي ـ سوريا