للمراسلة عبرالبريد الالكتروني الجديد للعلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي اللبناني lcparty.lcparty@gmail.com - tel 01/739615- 01/739616 ### البريد الالكتروني لإذاعة صوت الشعب chaabradio@gmail.com - tel 01/819014 - 01/311809 ## لمراسلة مجلة النداء عبر البريد الالكتروني annidaa@gmail.com ## الى جميع مستمعي اذاعة صوت الشعب يمكن متابعة الاذاعة 103,7 و 103,9 على الموقع sawtachaab.com ##
الثقافة والثورة - مهدي عامل
الحزب الشيوعي اللبناني

No photo description available.

العدد 357 من مجلة النداء

Image may contain: one or more people
الرفيق الأمين العام حنا غريب

عن سؤال الهوية

assafir- logo.png - 11.78 Kb يتساءل الناطق باللغة العربية: مَن أنا؟ مَن أكون؟ ما هي هويتي؟ ما هو انتمائي؟ لمن يجب أن أنتمي؟ إلى اللغة كأمة عربية؟ إلى الإسلام كأمة إسلامية؟ إلى الدولة القطرية كوجود قانوني؟ أم إلى الأقلية الدينية أو الإثنية؟

تتأسس الهوية على المعطى، على التاريخ، على التراث. ولكنها لا بد أن تكون في الآن ذاته مشروعاً مستقبلياً؛ المشروع هو الإرادة، هو المستقبل، هو التجاوز، تجاوز المعطى والتاريخ والتراث. أكثر من ذلك، عندما يكون هناك مشروع مستقبلي، تسهل إعادة تشكيل أو كتابة التاريخ والتراث. يُصنع التقليد. الخروج من التقليد حداثة، أو يمكن أن يكون كذلك. في الحداثة تجاوز. التجاوز قدرة واستطاعة؛ قدرة على اتخاذ القرار. القرار يلزمه الدولة، الدولة يلزمها نظام؛ النظام يلزم أن يكون سلطة. السلطة تميل دائماً إلى الاستبداد. الاستبداد يميل دائماً إلى الإلغاء والاستبعاد؛ إلى أن يضع جانباً مَن يجب أن تكون لهم إرادة الفعل. الاستبداد يلغي الشعب لصالح فرد أو عصابة.

لا تستطيع سلطة أن تحكم لأمد طويل إلا بالشرعية. الشرعية هي قبول الناس بالسلطة؛ هي إمكان تحويل الغلبة (والاستبداد) إلى عقد اجتماعي. لا يتشكل العقد الاجتماعي من شعب يجتمع ويقرر، بل من القبول العمومي بالأمر الواقع، بواقع السلطة. أثبتت ثورة 2011، الثورة العربية، أو ما يسمى بالربيع العربي، أن للتاريخ روحاً، وأن روح التاريخ قضى حكمها بعدم شرعية النظام العربي القائم، وأن المنظومة العربية السياسية غير مقبولة، وأن هناك شيئاً آخر سوف يكون مقبولاً.

تتعلق المسألة بالدولة. الدولة هي كيان المجتمع. المجتمع، على تنوعه، هو مجموع السكان داخل حدود جغرافية (مكان محدد)؛ والتاريخ إن لم يُصطنع فهو يخترع. يُخترع التاريخ بالفكر والمعرفة والالتزام. وكي يكون الحديث مفهوماً علينا استخدام تعابير مألوفة للدولة. الدولة في المنطقة العربية إما أن تكون دولة قطرية أو عربية أو إسلامية، لا لدواع إيديولوجية، بل لدواع تتعلق بما يعطي المعنى والمغزى. لا تصير الدولة دولة إلا عندما تصير أساسية في إعطاء المعنى والمغزى لمن تشملهم. الثورة على النظام واجب؛ الانتماء للدولة واجب. وهنا تناقض. كثيراً ما يتعارض النظام (السلطة) مع ضرورات الدولة، فيصير النظام غير شرعي.

مهما كانت أصول الدولة القطرية بعد الحرب العالمية الأولى وقبلها، إلا أنها كانت بعد الحرب العالمية الثانية وعاء التحرر الوطني. كان يمكنها البناء على ذلك لاكتساب الشرعية وقبول الناس بها، لتصير دولة. لكنها امتنعت أو مُنعت من ذلك. فهل الأسباب بنيوية أو طارئة؟ وهل يمكن معالجة الأسباب وبناء الدولة القطرية في يوم ما؟ ما زلنا نتحدث في لبنان عن العبور إلى الدولة برغم مرور أكثر من عشرين سنة على اتفاق الطائف وإعلان لبنان وطناً نهائياً. وشرعية الدولة، أو بالأحرى فكرة الدولة، مصابة في كل قطر عربي أكثر بكثير مما في لبنان. كان يمكن للدولة القطرية أن تؤسس على التحرر الوطني، ليصير تحرراً إنسانياً بالتنمية والديموقراطية، لكنها أسست على الاستبداد. وصار ضرورياً أن تزول هذه الدولة. وهذا معنى شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، نظام الدول العربية، وكل من الدول العربية على حدة.

أما الدولة الإسلامية فلا نعلم عنها شيئاً، ولا يعلم الإسلام السياسي عنها شيئاً، لذلك لا يستطيع الإخوان المسلمون أن يقدموا برنامجاً لعمل الدولة حيث سيطروا واستلموا السلطة. حتى في دولة غير عربية تركيا، حيث يحكمون لم يقدموا سوى برنامج ليبرالي جديد. دولة الإسلاميين تعطي الرأسماليين على الأرض وتحتفظ بحصة للفقراء في السماء. قضى الإسلاميون عقوداً من السنين في معارضة الاستبداد، لكنهم تطبّعوا بطباع الاستبداد ولم يسعوا إلى تشغيل الفكر والمعرفة والالتزام في تشكيل وتظهير إيديولوجيا مضادة لنظام مغاير.

لم يستطع الإسلام السياسي أن ينشئ هوية إسلامية، لا للدولة ولا للأفراد؛ وذلك لسبب بسيط جداً هو أن الهوية لا تتعلق بالمعطى وحده، لا بالتاريخ والتراث وحدهما بل بالمستقبل أيضاً. ليس لديهم مشروع للمستقبل؛ علماً بأنه حتى الإيمان الديني يتعلق بالمستقبل، بالمشروع، لا بمسائل الحلال والحرام وحسب. في الإيمان الديني لا تقل الآخرة أهمية عن الخلق. طقوس الحلال والحرام لا تشكل هوية؛ ما يشكل هوية هو المشروع المستقبلي. يتخبط الإسلام السياسي في مصر، كما في كل دولة أخرى، عربية أو غير عربية، حيث يسيطر، لأنه يفصل الهوية عن المشروع المستقبلي. في غياب هذا المشروع يشكل الإسلام السياسي سقفاً للتحرر، عائقاً للتجاوز، مانعاً للفكر، سالباً للتحرر. سيبقى المسلمون بين أرض هي المعطى وسقف هو المعطى أيضاً؛ وسيكون بينهما حكم الإسلام السياسي نسخة عن الاستبداد، لكن أكثر قمعاً وإكراهاً.

أما الدولة القومية فهي وهم؛ بالنسبة للبعض هي أمل. الفرق بين الأمل والوهم هو كالفرق بين إمكان التحقق أو عدمه. لا هوية عربية من دون مشروع. الفرق بين المشروع العربي، إن وُجد؛ والمشروع الإسلامي الظاهر أمامنا، هو أن الهوية العربية أرض دون سقف بينما المشروع الإسلامي أرض وسقف معاً. السقف ضاغط على من تحته. الأرض من دون سقف يمكن أن تكون قاعدة للتحرر، قاعدة لتأسيس شرعية جديدة تجعل الدولة التي تناضل من أجلها ثورة 2011 دولة تحرر، دولة ذات قبول لدى الناس؛ الناس هم الحرية والتحرر. المهم أن لا تفهم القومية على أنها كيان مغلق، أو فكرة معطاة، أو تراث مكتمل. منذ أكثر من ألف عام نظر الفقهاء والفلاسفة المسلمون للدولة السلطانية لا لدولة الخلافة، لا للدولة الدينية؛ ذلك أن الدولة الدينية صارت استحالة قبل ذلك. الدين في نظرهم مكتمل، أو هو المجال الفرد الشخصي. المجال العام هو للسياسة.

هل تستطيع النخب الثقافية العربية تحويل الوهم إلى أمل، والدولة السلطانية إلى دولة حديثة ذات شرعية، والدين إلى إيمان فردي؟ وهل يكون الإيمان إلا فردياً يتعدى الطقوس الجماعية؟ للإجابة يتوجب النظر إلى ثورة 2011. قامت الجماهير بدورها، قامت بالثورة. ولم تقم النخب الفكرية بما يتوجب عليها في التفكير والمعرفة والالتزام من أجل تغيير المجال الجغرافي، بما في ذلك الحدود، ومن أجل تغيير الزمان بتجاوز المعطى والتراث.

شاعر عربي قال بأولوية الممارسة «السيف أصدق إنباء من الكتب»؛ آخر قال بأولوية النظرية «الرأي قبل شجاعة الشجعان». لسنا أمام خيار بين النظرية والممارسة. الممارسة حصلت وتحصل كل يوم في الشارع العربي. الشعوب العربية تسبق مثقفيها. المثقفون العرب محاصرون بين قوى عديدة، خارجية وداخلية؛ وأهمها الشارع العربي. تتشكل الهوية عندما يستجيب المثقفون للشارع العربي من دون غيره. عندها تكون الهوية غير قاتلة وغير قامعة وغير استبدادية؛ عندها تكون الهوية تحررية وإنسانية. نعرف مَن نحن عندما نكون فاعلين، نكون فاعلين عندما نكون مفكرين. تتشكل الهوية من خلال الفكر والعمل.