للمراسلة عبرالبريد الالكتروني الجديد للعلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي اللبناني lcparty.lcparty@gmail.com - tel 01/739615- 01/739616 ### البريد الالكتروني لإذاعة صوت الشعب chaabradio@gmail.com - tel 01/819014 - 01/311809 ## لمراسلة مجلة النداء عبر البريد الالكتروني annidaa@gmail.com ## الى جميع مستمعي اذاعة صوت الشعب يمكن متابعة الاذاعة 103,7 و 103,9 على الموقع sawtachaab.com ##
الثقافة والثورة - مهدي عامل
الحزب الشيوعي اللبناني

No photo description available.

العدد 357 من مجلة النداء

Image may contain: one or more people
الرفيق الأمين العام حنا غريب

النداء 290/ موقع العمل البلدي والانتخابات في سيرورة بناء تيار شعبي ديمقراطي / محمد المولى

موقع العمل البلدي والإنتخابات في سيرورة بناء تيار شعبي ديمقراطي

النداء 290/ محمد المولى

جرت الانتخابات البلدية والاختيارية في ظل ظروف ومعطيات طبعت الوضع السياسي العام في لبنان خلال السنوات السابقة، وبعد سلسلة من التحركات المطلبية والنقابية والشعبية التي أخذت أشكالاً متعددة، وشاركت فيها أوساط واسعة من الفئات الشعبية، ومن المواطنين والمواطنات، ومن الشباب، ومن المتضررين من السياسات السلطوية، ومن النهج المافياوي القائم على التحاصص "الطائفي -الطبقي"، والممعن في نهب مقدرات البلاد، إستناداً إلى سيطرة رأس المال المالي وتعاظم وزن الاقتصاد الريعي المالي والمصرفي والعقاري، مقابل تهميش القطاعات الإنتاجية، بحيث أدت هذه السياسات وهذا النهج إلى تدهور الأحوال المعيشية للمواطنين وللعمال والمزارعين والموظفين ولسائر العاملين، وللفئات "الوسطى" وإلى ازدياد نسب البطالة، خاصة بين الشباب والخريجين، وتفاقم ظاهرة الهجرة، وإلى التفاقم المريع في أوضاع الخدمات العامة، في المدن والأرياف على حد سواء..

فخلال السنوات الأخيرة، جرت سلسلة من التحركات التي أخذت طابعاً شعبياً، بدءاً من تحرك "إسقاط النظام الطائفي" الذي إستمد وهجه من "الانتفاضات الشعبية" في العالم العربي، ومروراً بالتحركات النقابية والمطلبية، مثل تحركات المستأجرين ضد مشاريع القوانين التهجيرية، وتحركات المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان، وإضراب عمال بعض المؤسسات التجارية والصناعية، ووصولاً إلى النضال الذي خاضته هيئة التنسيق النقابية، والذي بدأ بإستقطاب اللبنانيين، وتحوّل، تدريجياً، من مجرّد تحرك نقابي مطلبي للأساتذة والمعلمين والموظفين، إلى طرح مجمل السياسات الاقتصادية والمالية والضرائبية، مما دفع بمن أُطلق عليهم لقب "حيتان المال" إلى التخلي عن سياسة "الصمت" والإفصاح عن الموقع الطبقي الفعلي للنظام، كما دفع بالقوى السلطوية في الإستقطابين الآذاريين إلى التوحّد في محاولة الإنقضاض على الدور الذي بدأت تأخذه هذه الهيئة وقيادتها، وفي محاولة لتكرار تجربة الهيمنة على قيادة الإتحاد العمالي العام.

وشهد العام الفائت مجموعة تحركات، إنطلقت شرارتها من مشكلة معالجة النفايات، بدءاً من "حملة إقفال مطمر الناعمة" والحملة الشعبية لأهالي برجا ("عامية برجا") وصولاً إلى "الحراك الشعبي" الذي شاركت فيه مجموعات متعددة، في بيروت وفي المناطق( مثل حملة "عكار منا مزبلة" وغيرها)، ومر بمراحل صعود وهبوط، وإتسم بالتنسيق أحياناً، وبالتفرد وإختلاف الأولويات، والتباينات المرتبطة بعوامل موضوعية أو ذاتية في أحيان أخرى، بين المجموعات المتعددة، لكنه كشف عن طاقات شبابية، وعن إستعدادات شعبية للنضال الاجتماعي والمطلبي، وعن الرغبة في التغيير الديمقراطي، كما كشف عن عورات النظام، وعن "بلطجيته"، وعن التآزر بين المتحاصصين الطائفيين عندما تتهدد مصالحهم، وعن الترابط الوثيق بين المافيات السياسية والمالية ( تحالف الطغمة المالية والزعامات الطائفية)..

لم يتوقّع أحد أن تؤدّي النضالات والتحركات النقابية والشعبية إلى الإسقاط الفوري للسياسات الاقتصادية المتبعة، ولا إلى تهاوي النظام الطائفي، لكن يمكن القول أنها رسمت الخطوات الأولى للمسار الذي يمكن أن تسلكه التحركات المقبلة، من خلال بناء أطر عمل نقابية مستقلة عن هيمنة القوى السلطوية من جهة، مثل التيار النقابي المستقل واللقاء النقابي التشاوري وغيرهما، ومن خلال بناء تحالفات تستند إلى برامج عمل وتشمل المسائل والقضايا الوطنية والاجتماعية، وتسمح بمشاركة أوسع الفئات الشعبية في عملية التغيير الديمقراطي باتجاه بناء الدولة الديمقراطية، الدولة المدنية العلمانية، دولة الحريات والعدالة الاجتماعية، والاقتصاد المنتج، وتأمين حقوق المواطنين في التعليم والصحة والسكن والحياة الكريمة.

من هذا المنطلق، فإن العمل البلدي، والإنتخابات البلدية والإختيارية، والعلاقات والتحالفات والمبادرات واللقاءات وأطر العمل المحلية الناشئة في المدن والأرياف تشكل، مجتمعة، في تشعبها وترابطها ودينامياتها وإتساعها وموضوعاتها وقضاياها، رافداً هاماً من روافد بناء تحالف وطني ديمقراطي، يطال أوساط واسعة من شعبنا، ومن قواه الحية، في مختلف أرجاء الوطن، ويتجاوز الأشكال والأطر التحالفية المركزية "الضيقة". ويمكن من خلال "التشبيك" بين "الحراك البلدي" والحراك الشعبي والتحركات النقابية والمطلبية، ومن خلال التداخل الموضوعي بين القضايا المطروحة، أن يتم التمهيد لتأسيس حركة شعبية ديمقراطية قادرة على تغيير ميزان القوى، وطرح التغيير الفعلي وفرضه..

ووفق هذا التصور، يتبدّى الإختلاف عن منطقين في مقاربة العمل البلدي والانتخابات البلدية:

- المنطق الأول هو المنطق "السياسي"، بمعناه "المبتذل"، الذي تأخذ به القوى السلطوية، بثنائياتها الطائفية، وبتحالفاتها وخصوماتها، من خلال تحويل الانتخابات البلدية، التي ناورت وحاولت تأجيلها، إلى ميدان لتأكيد إمساكها بكل مفاصل الشأن العام، وإلى ربط العمل البلدي بآليات الإستتباع والزبائنية. وبدل أن تكون المجالس المحلية إطار منتخب شعبياً، لكي تدير الناس شؤونها بنفسها، تلجأ القوى السلطوية إلى إستحضار "الشعارات الكبرى" بأساليب تضليلية، وإلى إستخدام وإستثارة المشاعر الطائفية، والفئويات الجهوية، أو إلى الدعوة إلى الإصطفاف تحت عباءات "الزعماء"، أو إلى اللعب على الخلافات العائلية والعصبيات المحلية، وإلى تسجيل "إنتصاراتها"، وادراجها في سجلات "الأمجاد"، مع غياب البرامج، التي وإن وجدت فإن صلاحيتها تنتهي بانتهاء فترة الانتخابات..

- المنطق الثاني هو المنطق الذي يأتي كردة فعل على المنطق الأول، فيعتبر أن المسألة هي مسألة "بلدية" بحتة، وبعيدة عن كل فهم سياسي، في تصور "نموذجي" للمؤسسة البلدية لا يلحظ التدخلات السياسية السلطوية، وفي فهم للحملة الانتخابية، يحصرها بالتقنيات الإعلانية.

لكن المسألة أبعد من هاتين الرؤيتين السطحيتين، فتنظيم المسائل المتعلقة بالخدمات العامة، والبيئة والصحة والسكن والعمران والتعليم والنقل والاقتصاد المحلي والتنمية وحماية الإرث التاريخي، وغير ذلك يرتبط بتعزيز اللامركزية الإدارية، وتحفيز الرقابة الشعبية، وهذا ما يتعارض مع مصالح التحالف "الطبقي – الطائفي" المسيطر، على المستوى السياسي العام، وكذلك على مستوى المصالح المالية المباشرة لأركانه. والأمثلة كثيرة على إصطدام كل منحى تنموي وخدماتي وبيئي بهذه المصالح. وما حصل بموضوع النفايات ليس إلا أحد الدلائل على ذلك.. ويكفي أن نبحث عن مصادر الرشى والمال الإنتخابي، أو أن نرى أن بعض رموز مافيات الكسارات والمضاربات العقارية والتهريب والتهرب الجمركي والفساد تحتل مكاناً "مرموقاً" في لوائح القوى السلطوية.. وبالتالي فإن قضايا معالجة النفايات ومسائل البيئة والتلوث والشواطيء، والأملاك البحرية والنهرية، والسياسات التنموية الفعلية، المتحررة من التحاصصية هي قضايا وطنية، وسياسية، بهذا المعنى.

ستتيح الانتخابات البلدية والاختيارية، التي "تنتقل" من محافظة إلى أخرى، إجراء قراءة تفصيلية للتحولات والتغيرات والتباينات والتقاطعات، لكن ما يمكن رصده يشير إلى تبلور حالات إعتراض واسعة، تم التعبير عنها بنسب الأصوات المتدنية التي حصلت عليها اللوائح السلطوية، كما جرى في بيروت على سبيل المثال، وبظهور حالات من الإعتراض ورفض اللوائح السلطوية المعلبة، وبتمكن الديمقراطيين والشيوعيين والنشطاء في العمل النقابي والتحركات الشعبية من تحقيق نتائج إيجابية، يمكن التعويل عليها، رغم الإمكانيات المالية شبه المعدومة، ورغم إستخدام الضغوط والتهديدات والرشى المالية.. كما تبين أن أحزاب السلطة، والثنائيات الطائفية قد تتحالف وقد تختلف وفقاً للحسابات السياسية، لكنها في كل الحالات تتوحد في وجه البدائل الديمقراطية..

وإذ تتسم هذه الانتخابات بالمشاركة النسائية والشبابية اللافتة، فإنها تطرح تحديات ومهام، منها ما يتعلق بالشأن السياسي العام، مثل سقوط حجج التمديد للمجلس النيابي، والتمديد للأزمات المتراكمة، ومنها ما يرتبط ببناء التحالفات المحلية الراسخة، وبتشكيل أطر عمل جماهيرية، رغم تعقيدات البنى الاجتماعية، مثل لجان العمل البلدي، أو بلديات الظل، أو سواها من أشكال التنظيم والنشاط الديمقراطي الشعبي المستقل، التي تهدف إلى تجميع الناس حول قضاياها العامة، وتساهم في تبلور كفاءات ومهارات في ميادين العمل الجماهيري، ومنها ما يتعلق بالنضال من أجل استحداث قوانين عصرية للانتخابات البلدية والنيابية والنقابية، تقوم على أساس النسبية، وخفض سن الإقتراع، والتصويت في مكان السكن، وتوفير شروط التكافوء في الحملات الإنتخابية، بإبعاد دور المال والرشوة والسلطة والتسلط، وبإستحداث بلديات موسعة أو مجالس أقضية منتخبة..

إن التحدي الأساسي المطروح أمام القوى اليسارية والديمقراطية والعلمانية هو تحويل الإنتخابات البلدية والنقابية والمهنية، والتحركات والنضالات المطلبية والشعبية، وكل القضايا المتعلقة بفضح منظومة الفساد وآليات التحاصص، إلى مناسبات ومجالات للعمل، بما يتيح للفئات الشعبية وللمواطنين إمكانية الإنفكاك الجزئي أو الكلي عن علاقات التبعية والزبائنية، وإمكانية التحرر من الولاءات الطائفية، ويضع أسس بناء تيار ديمقراطي شعبي وطني واسع، على طريق التغيير الفعلي .