السودان جمر الأزمة تحت رماد الهدنة

logo nidaa copy.jpg - 40.81 Kb انتهت قمة "أديس أبابا" بين الرئيس السوداني عمر البشير ونظيره الجنوب سوداني، سيلفا كير، إلى اتفاق الحد الأدنى المتمثل بإيجاد مناطق منزوعة السلاح على جانبي الحدود في البلدين لتفادي أي صدام عسكري في المستقبل القريب. وقد ترجم هذا التوافق سياسيا بإعلان الخرطوم اعتقال قائد حركة المتمردين على حكومة جنوب أفريقيا كورقة حساب استباقية قدمها البشير لجوبا وذلك في سياق السعي لإعادة ترتيب العلاقات مع جوبا ونزع فتيل الانفجار المتعدد الصواعق.

وفي موازاة ذلك طلبت الخرطوم الدول الغربية بإعفائها من الديون المترتبة عليها ورفع الحصار عنها ثمنا لما قدمته من تنازلات بدأت بالموافقة على استقلال جنوب السودان المستحوذ على معظم الثروات الطبيعية والزراعية والثروة المائية والمساحة الخضراء، ولم تنتهي باتفاقية أديس أبابا الأخيرة. فهل يصح حساب حقل عمر البشير مع حساب بيدر سيلفا كير وراعيتيه واشنطن وتل أبيب؟

مسار الأحداث يشير وبوضوح إلى أن ما حصل في أديس أبابا ما هي إلا هدنة لن تطول نظرا لسلة المشكلات المعقدة بين البلدين، فإلى جانب اتهام الحكومة السودانية لجوبا بدعم الحركات الانفصالية في كردوغان ودارفور عبر الفصيل الشمالي للجبهة الشعبية لتحرير السودان فإن مع اعتبار كلا البلدين مواطني البلد الآخر أجانب وتهجيرهم قسريا تلوح في الأفق بوادر أزمة قد تنفجر في وقت غير بعيد من أبواب مختلفة أبرزها الصراع على إقليم آبيه الغني بالنفط وملف تصدير النفط الجنوبي عبر بور سودان ناهيك عن الصراعات القبلية جنوباً وشمالاً. هذه الصراعات التي يتداخل فيها البعدان الطائفي والاثني ـ القبلي ما يؤسس لصراعات مسلحة لا تنتهي ربطاً بالتنوع المعقد داخل ولايات كل من الجنوب والشمال.

على هذه القاعدة يمكن أن نستشف من ما يجري حالياً ملامح مواجهة بأبعاد داخلية وخارجية يكون للولايات المتحدة الأميركية وحليفتها إسرائيل اليد الطولى في إدارتها بهدف استكمال عملية تقسيم السودان والسيطرة على موارده الشمالية من اورانيوم، وموارد معدنية مختلفة، بعد وضع اليد على مقدرات الجنوب النفطية والمائية. ولو أضفنا إلى ما تقدم موقع السودان الاستراتيجي على المستويين الجيو ـ سياسي والاقتصادي لأدركنا أن تفجير حرب سودانية ـ سودانية كما تخطط واشنطن يسمح بتوجيه كم هائل من الضغوط على جيران السودان الإقليميين من البوابة المائية، نهر النيل، وابرز الدول المرشحة لتلقي هذه الضغوط مصر التي لم يتوانى احد القادة الصهاينة عن التحذير من حرب معها (في إطار البروبغاندا الإعلامية) وذلك تمهيداً لشن حرب خفية تستهدف خنق مصر اقتصاديا باستهداف أمنها الغذائي وزيادة تبعيتها الاقتصادية لواشنطن والمراكز المالية العالمية في خطوة استباقية تستهدف إجهاض أي محاولة ولو ضئيلة لتحقيق نوع من الاستقلالية عن القرار السياسي في واشنطن، لتكون المحصلة إحكام عملية التطويع التي بدأت مع وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة، وبالتالي فان ما يجري في السودان حالياً هو عبارة عن خارطة طريق لها استهدافات داخلية تعتمد الجنوب كمنصة انطلاق لتحقيق أهداف شرذمة هذا البلد العربي الغني بثرواته، والاستراتيجي بموقعه، بين العالم العربي والقارة السوداء. كما لها استهدافات إقليمية لم يخفها سيلفا كير عندما أعلن على الملىء أن إسرائيل هي عدوة العرب وليست عدوته، كاشفاً بصورة غير مباشرة عن سلة خدمات سيقدمها لواشنطن وتل أبيب مقابل تعزيز موقعه الإقليمي، خدمات تبدأ في السودان ومصر ولا تنتهي في تشاد ومالي وليبيا والنيجر حيث الثروات تنتظر من يستغلها، وحيث حجة التطرف الإسلامي في شمال مالي والنيجر وليبيا تؤسس لدخول أميركي واسع على الخط من القاعدة السودانية لإعادة ترتيب المجال الجيو ـ سياسي للمنطقة لإحكام السيطرة عليها والتفرغ لإدارة الصراعات الصغرى بما يضمن للحلف الأميركي الإسرائيلي إطالة أمد سيطرته واستنزاف شعوب المنطقة.

وما يعزز هذا التوجه السياسة الشعبوية الديماغوجية التي يعتمدها البشير ونظام حكمه في السودان "الشمالية" أن لجهة رفضه إجراء أي إصلاحات تتيح إخراج السودان من أزمته المتلاطمة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أو لجهة إطلاقه نفس العبارات الخشبية الجوفاء التي يطلقها أمثاله من الزعماء العرب، بأن ما يجري في السودان ما هو إلا مؤامرة، متناسيا مسؤوليته التاريخية وحزبه كما الديكتاتوريات السودانية السابقة عن تشريع انفصال الجنوب ومتناسياً أن ما أنفقته آلته الحربية من أموال طائلة كانت كافية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبناء سودان جديد ديمقراطي يمكنه أن يقف في وجه المؤامرة التي يطنّب البشير وأمثاله آذاننا بها متغافلين عن الدور الحاسم لممارسات القمع والفساد والهدر للمال العام، ومصادرة الحياة السياسية والحريات، في توليد الصراع الداخلي المحفز لسقوط السودان في دائرة التشرذم إذا لم يسقط نظامه، خصوصاً وان ما يجري حاليا انطلاقا من اتفاق أديس أبابا لا يعدو كونه مجرد رماد هدنة يخفي تحته جمر الانفجار الكبير.

هذا الانفجار الموعود أميركيا والمرسوم في دوائر القرار الرأسمالي، والمنفذ بخفة غير معهودة في دوائر الارتهان المعهودة للسلطة السودانية كما غيرها من السلطات الشمولية العربية التي لا ترى في شعوبها إلا أعداء، وفي الديمقراطية إلا وباء والحل بمنظارها خوض حروب لا تنتهي مربط خيلها في واشنطن، وساحات رعيها في الجسد العربي المريض ليكون الحصاد مزيداً من التشزم والتبعية والمنحى الانحداري للاستقلالية الوطنية. وكل ذلك تحت شعار لتسقط المؤامرة التي صنعت، بجزء كبير منها، بيد من يدعي مجابهتها ليزودها واقعيا بوقود الاستمرار لتحوّل كل أحلام الشعوب إلى رماد بعد أن تضع البشير وأمثاله، كواجهة لتمرير "الدمقرطة" الأميركية كبديل عن الديمقراطية التي طالب بها أبناء جنوب السودان، ويطالب بها أبناء شماله اليوم. كما هو حال كل الشعوب العربية الثائرة من البحرين إلى سوريا، والمغرب، وتونس ومصر التي صودرت ديمقراطيتها لحساب إنشاء ديكتاتورية مقنعة بالخمار الديني.