.. انتاج التخلف في السودان

 taj dine.jpg - 16.27 Kbكيف تمّ اعادة انتاج التخلف في السودان


بعد مرور 56 عاما علي استقلال السودان، يقفز الي الذهن سؤال: لماذا وصلت البلاد الي هذا الحد من التخلف والتردي؟، وماهو الأفق لنهضة البلاد في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟.
وبكلمات اخري ترتبت نتائج من التنمية الرأسمالية التي تبنتها النظم المدنية والعسكرية التي حكمت السودان بعد الاستقلال يمكن تلخيصها في الآتي:-
- ديون خارجية ، تبعية تكنولوجية، عجز غذائي أو مجاعات، عدم الاستقرار الداخلي الذي أدي الي انفصال جنوب السودان، انهيار الانتاج الزراعي والصناعي ، وانهيار مرفقي التعليم والصحة جراء رفع دعم الدولة عنهما، عدم تحقيق الأهداف المباشرة المنشودة، ، عدم الثقة بالنفس وتزايد الاعتماد علي الغير.
أولا: التخلف في السودان نتاج تطور تاريخي.
هذا التخلف ليس قدرا لافكاك منه، او لعنة حلت بالسودان، ولكنه نتاج تطور تاريخي.
ومعلوم للقارئ، أن السودان في العصور القديمة والوسيطة شهد مولد حضارات(كرمة، نبتة ومروي، النوبة المسيحية، الممالك الاسلامية)، كانت مزدهرة فيما يختص بالتطور الزراعي والصناعة الحرفية والتقنية، وكانت تلك الحضارات لاتقل عن الحضارات التي كانت معاصرة لها في بلدان الشرق والعالمين الاسلامي والاوربي.
وكانت البنية الاقتصادية- الاجتماعية لتلك الحضارات مترابطة فيما بينها، فكانت الزراعة توفر احتياجات الناس الأساسية من الغذاء ، وكانت الصناعات الحرفية توفر ادوات الانتاج والاحتياجات الأخري، وكانت التجارة ترتبط بالمنتجات الزراعية والحيوانية والصناعة الحرفية. وكانت المواد الخام اللازمة للصناعات الحرفية كلها محلية مثل: الخشب، الحديد، النحاس، الذهب، الصوف، القطن، ..الخ. أى اذا جاز استخدام المصطلح المعاصر، أن الاقتصاد كان يقوم علي الاكتفاء الذاتي، اى متوجه داخليا.
اما التجارة الخارجية، فقد كانت الواردات بشكل أساسي كمالية تهم الطبقات المالكة والغنية والاثرياء مثل: الانسجة الفاخرة، الروائح والعطور، ادوات الزينة وغير ذلك من الكماليات التي كان يتم استيرادها في حضارات السودان القديم والوسيط، أى ان تلك المجتمعات كانت مترابطة ومتوجهة داخليا، بمعني أن الزراعة والصناعة الحرفية والتجارة، كانت توفر للناس احتياجاتهم الأساسية من مأكل ومسكن وملبس .الخ، صحيح أن تلك الحضارات كانت تشهد مجاعات وأوبئة نتيجة لتقلبات المناخ والاحوال الطبيعية وتخلف الطب، وغير ذلك مما شهدته حضارات العالم القديم التي كانت معاصرة لها.
*هكذا كان الوضع حتي عام 1821م، عندما بدأ الاحتلال التركي المصري للسودان، وباحتلال الاتراك للسودان نشأت بنية اقتصادية- اجتماعية تابعة، بمعني أن كل النشاط الاقتصادي والاجتماعي في تلك الفترة، كان موظفا لخدمة اهداف دولة محمد علي باشا في مصر. وتم نهب وتدمير القوي المنتجة( المادية والبشرية)، وتم افقار السودان ونهب موارده الاقتصادية، وكان ذلك جذرا أساسيا من جذور تخلف السودان الحديث.
وفي تلك الفترة ارتبط السودان بالسوق الرأسمالي العالمي عبر تصدير سلع نقدية مثل: الصمغ، العاج، القطن..الخ، كما شهد السودان خلال تلك الفترة غرس بذور نمط الانتاج الرأسمالي علي الأقل في سمتين:
أ‌- اتساع عمليات التبادل النقدي، والعمل الماجور اى تحول قوة العمل الي بضاعة.
ب‌- الارتباط بالتجارة العالمية.
كانت التحولات في ميادين الاقتصاد والزراعة والصحة والمواصلات والتعليم محدودة، وظل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي في تلك الفترة حبيس القطاع التقليدي، وظلت قوي وعلائق الانتاج بدائية ومتخلفة.
ويمكن القول، أن السودان في تلك الفترة شهد تدمير أو خسارة لبنية اقتصادية- اجتماعية، دون كسب لبنية اخري أرقي. اى ان السودانيين في تلك الفترة خسروا عالمهم القديم، ليحل محله عالم ملئ بالبؤس والشقاء ، وارهاق كاهل الناس بالضرائب، واستنزاف ونهب موارد البلاد، حتي انفجرت الثورة المهدية التي اطاحت بذلك الوضع، وبعدها انفصل السودان لمدة ثلاثة عشر عاما عن المسار العام والدوران في فلك المنظومة الرأسمالية العالمية.
ثانيا: اعادة الارتباط بالنظام العالمي:
ارتبط السودان مرة اخري بالنظام الرأسمالي العالمي بعدالاحتلال الانجليزي للسودان عام 1898م، وعاد الاقتصاد السوداني مرة اخري للتوجه الخارجي ، اى اصبح الاقتصاد خاضعا لاحتياجات بريطانيا ومد مصانعها بالقطن( كان القطن المحصول النقدي الرئيسي، ويشكل 60% من عائد الصادرات)، وتم تغليب وظيفة زراعة المحصول النقدي علي وظيفة توفير الغذاء للناس في الزراعة. هذا اضافة لسيطرة الشركات والبنوك البريطانية علي معظم التجارة الخارجية، وارتباط السودان بالنظام الرأسمالي العالمي، وفي علاقات تبادل غير متكافئة، صادرات:مواد أولية(قطن، صمغ، ماشية، جلود،..)، وواردات سلع رأسمالية مصنعة. في عام 1956م، كان 72% من عائد الصادرات تتجه الي اوربا الغربية وامريكا الشمالية، و50% من الواردات تأتينا منها، أى كان الاقتصاد السوداني في ارتباط وثيق مع النظام الرأسمالي العالمي.
كما كان مجموع الواردات والصادرات تشكل 40% من اجمالي الناتج القومي، هذا اضافة لتصدير الفائض الاقتصادي للخارج فعلي سبيل المثال في الفترة: 1947 – 1950م، كانت ارباح شركة السودان الزراعية اكثر من 9,5 مليون جنية استرليني، تم تحويلها الي خارج البلاد.
كما كانت الصناعة تشكل 9% من اجمالي الناتج القومي ، واجهض المستعمر اى محاولات لقيام صناعة حرفية وطنية ، كما تم تدمير صناعة النسيج والاحذية التي كانت موجودة خلال فترة المهدية، بعد أن غزت الأقمشة والاحذية الرأسمالية المستوردة السوق السوداني. وكان نمط التنمية الاستعماري الذي فرضه المستعمر يحمل كل سمات ومؤشرات التخلف التي يمكن تلخيصها في الآتي:
90% من السكان يعيشون في القطاع التقليدي، قطاع تقليدي يساهم ب56,6% من اجمالي الناتج القومي، القطاع الزراعي يساهم يساهم ب61% من تكوين الناتج المحلي، ضعف ميزانية الصحة والتعليم، تتراوح بين(4- 6%)، كان دخل الفرد 27 جنية مصري، اقتصاد غير مترابط ومفكك داخليا ومتوجه خارجيا، تنمية غير متوازنة بين أقاليم السودان المختلفة.
* وبعد الاستقلال استمر هذا الوضع ، وتم اعادة انتاج التخلف واشتدت التبعية للعالم الخارجي أو التوجه الخارجي للاقتصاد السوداني: ديون بلغت 42 مليار دولار، انخفاض قيمة العملة والارتفاع في الاسعار مع ضعف المرتبات، ظهور طبقة رأسمالية طفيلية اسلاموية استحوذت علي الجزء الأكبر من السلطة والثروة، عجز غذائي( مجاعات)، حروب أهلية، تصنيع فاشل، اشتداد حدة الفقر حتي اصبح اكثر من 90% من السودانيين يعيشون تحت خط الفقر حسب الاحصاءات الرسمية، اضافة لانهيار القطاعين الزراعي والصناعي وانهيار وخصخصة خدمات التعليم والصحة، انهيار القيم والاخلاق، وانتشار الفساد بشكل غير مسبوق، واصبحت البلاد معتمد علي سلعة واحدة: البترول بدل القطن سابقا، وحتي عائدات البترول فقدت البلاد حوالي 70% منها بعد انفصال الجنوب ولم يذهب جزء من عائداته لدعم الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والخدمات..الخ.
وهذا الوضع يتطلب تغييرا جذريا في طريق التنمية الذي سارت عليه البلاد منذ الاستقلال.