اللعب الفلسطيني في الوقت هو الضائع - النداء 199

nidaa199.jpg - 40.81 Kb اللعب  الفلسطيني في الوقت هو الضائع

ضيف عدد النداء 199 - ظافر الخطيب

ملاحظة : المقال مكتوب قبل العدوان الصهيوني على قطاع غزة

مرّ وقت طويل منذ أن كان العامل الفلسطيني مؤثراً في العلاقات الدولية، إذ أن مجموع المؤثرات التي تتحكم بمسارات الوضع الفلسطيني، وتالياً بالحركة الوطنية الفلسطينية أصبحت بمجملها خارج نطاق التحكم الفلسطيني، أي أنها أما تسير تلقائياً بفعل عوامل عاطفية (ردود أفعال)، أو أنها تخضع لمراكز قوى ومؤثرات عابرة للحدود، ما تقدم يفيد في استخراج خلاصة واحدة، أن أي ممارسة فلسطينية هي لعب في الوقت الضائع، أي لا يمكن تسييلها إلى نتائج تخدم النضال الوطني الفلسطيني.

يمكن هنا أن نضع الفعل السياسي الفلسطيني بقضه وقضيضه محل علامات استفهام كبيرة، وهو ما بات يثير الريبة والإرتياب في مدى فاعلية العقل السياسي الفلسطيني، بكافة اتجاهاته، الذاهب مذهب التنسيق الأمني أو المعتصم بحبل المقاومة، في كل الأحوال نحن أمام اتجاهات مشلولة، خسرت بتجاربها كل خياراتها فباتت تتضارب بحلولها وارتهاناتها، وأمام اتجاهات انتظارية تترقب توضح المشهد السياسي في المنطقة العربية حتى تحدد خياراتها النهائية، أو تكتيكاتها السياسية.

يمكن وضع الرئيس محمود عباس بمواقفه وتصريحاته، إجراءاته وقراراته، في دائرة هذه التساؤلات، لماذا؟ لأنه دون كل الأطر الباقية، ما زال يحظى بشرعية منظمة التحرير الفلسطينية، والدعم الرسمي الفعلي أو الشكلي من قبل قادة العالم، لا سيما الدول الكبرى.

وقد أثارت مقابلته مع التلفزيون (الإسرائيلي) الأخيرة، جدلاً كبيراً، تفاوت بين رافض، مستنكر، مندد، متفهم أو مدافع، وكان الأساس في هذا الجدل ما قاله بخصوص العودة إلى صفد، وما قيل عن حق الرؤية، وهو ما أعتبر في ذلك الوقت خروجاً عن الثوابت الفلسطينية، وتنازلاً لا يملك أبو مازن قراراته، إذ أنه يتعلق بحق غالبية الشعب الفلسطيني الذي اضطرته ظروف الحرب إلى الخروج وتوزعته مناطق الشتات بين لبنان، سوريا، مصر، الأردن والعراق، وهو الحق الذي لطالما، أصر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات على عدم التفريط به، وعانى ما عاناه لجهة التمسك به، وظل مصدر إرتياح حتى لأبرز معارضيه وخصومه.

ولئن كان الجدل محقاً في تعامله مع تصريحات "أبو مازن"، فإنه (أبو مازن)، كان ينسجم مع مسار سياسي فلسطيني عبر صراحة عن استعداده للتنازل منذ أوسلو وحتى ما قبلها، وذلك ارتباطاً بقناعة متبلورة عند فريق فلسطيني ينظر لتوازنات القوة والتأثير، وتعتبر إن ما نستطيع تحقيقه الآن (دولة أو دويلة)، مهما كانت ظروفه وأسبابه، قد لا نستطيع تحقيقه بعد قليل، خاصة مع انهيار عربي و تفوق إسرائيلي.

مثّل أبو مازن نفسه هذا الفريق خير تمثيل، ولا ينبغي نسيان أو تجاهل حقيقة أنه كان من عرابي التفاوض الخلفي مع مجموعات، قوى، شخصيات صهيونية، بدءًا من السبعينيات وصولاً إلى المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق أوسلو، وفي هذا السياق يمكن رصد التالي:

إن أبو مازن كان صريحاً في رفضه فكرة الكفاح المسلح، واعتباره خياراً غير ذي جدوى في مسار الصراع وفي النضال الوطني الفلسطيني.

إن أبو مازن كان من رواد التفكير بالتواصل والإتصال مع قوى صهيونية كما سبق وذكر أعلاه، ضمن مقولة ترى في هذا الاتصال فعلاً إيجابياً فلسطينياً قادراً على إحداث اختراق على المستوى الغربي، واختراق في الذهنية الصهيونية، باتجاه خلق اتجاه جديد في القادة الصهاينة يمكن أن يقبل بفكرة الدولة الفلسطينية، وهو ما أثار جدلاً كبيراً في ذاك الوقت حتى في داخل حركة فتح، ناهيك عن رفض قوى أساسية وازنة ومؤثرة ضمن الحركة الوطنية الفلسطينية، خاصة الجبهه الشعبية ذات الثقل النوعي في ذلك الوقت.

إن أبو مازن نفسه لطالما كان مبهماً غامضاً في التعامل مع موضوع حق العودة، يمكن هنا أن نرصد تعبيرات أبو مازن ذات الصلة بحق العودة، واختلاف درجة ومستوى التعبير وفق تغير ساحاته، فهو في لبنان أثناء زيارتيه، يؤكد على حق العودة من زاوية رفض التوطين، أما في خطاباته في المنابر الدولية، فإنه يكثف من الإلحاح على مقولة (الحق العادل للاجئين)، وهي عبارة حمالة أوجه، تحتمل تفسيرات مختلفة، كما قد تختلف تطبيقاته باختلاف الزمان وظروفه ومؤثراتها، لكنها ضمن مقاربة الأوضاع الحالية وظروف الفريق المراهن على التسوية و قراءاته كما في تطبيقاته، فإن تفسير مقولة "الحق العادل" قد تتحول إلى كل الحلول الأخرى ما عدا حق العودة نفسه.

يمكن هنا الإشارة إلى مواقف أخرى أدلى بها أبو مازن في نفس المقابلة، وخاصة الموقف من المقاومة ورفض القيام بانتفاضة ثالثة، وصولاً إلى استخدام مقولة: "منع انتفاضة ثالثة"، ولا شك أن مثل هذا الموقف إنما يؤكد على التخبط الفلسطيني، لا سيما أن فكرة "انتفاضة ثالثة" إنما هي وسيلة من وسائل شعبنا في النضال من أجل استعادة حقوقه، لا سيما بعد أن وصلت مقولات الفريق المراهن على التسوية إلى حائط مسدود، فما الذي يمكن فهمه من هذا الموقف؟

يؤكد فريق السلطة وعلى رأسه أبو مازن نفسه، على أن أوسلو نفسه فشل في تحقيق فكرة الدولة، وهو ما يعني أن هذا التكتيك لم يكن ناجحاً في الوصول إلى أهداف إستراتيجية (فكرة الدولة)، وعليه فإنه كان يجب الدخول في مراجعة المسيرة السابقة، وتقديم محصلتها إلى شعبنا الفلسطيني والاعتراف بالفشل، والاعتراف بالفشل هنا ليس من باب الدخول على الجدال العقيم والانقسام العدمي، وليس من أجل محاكمة هذا الفريق، بل محاكمة مسار ومسيرة من أجل الخروج إلى خيارات أصوب وأفضل، سواء كان ذلك من خلال مقولات "انتفاضة ثالثة"، "مقاومة مسلحة"، أو "مقاومة شعبية".

الغريب في هذا التخبط الفلسطيني، هو اتجاهاته المتضاربة، المتعاكسة، ففي حين أن الوحدة الوطنية الفلسطينية هي حجر الزاوية في استعادة القضية الفلسطينية كأولوية فلسطينية وعربية وعالمية، نرى كل الممارسات التي تعرقل أي إمكان لإعادة صياغة واقع الحركة الوطنية الفلسطينية، خاصة مع وجود سلطتين ورهانين، لكل خياراته وأولوياته، لكل تكتيكاته وإستراتيجيته. ومن باب الحديث عن ممارسات، يمكن وضع تصريح أبو مازن تحت هذا العنوان.

كيف يمكن قراءة هذا الموقف؟

إن خروج التصريح أو التنازل من أعلى سلطة فلسطينية (الرئيس أبو مازن)، يعني أن هناك فريق فلسطيني وضمن مقاربة خاصة به للصراع، وصل إلى محل يعتبر فيه أن مسالة العودة مستحيلة، وهو مستعد لمناقشة فكرة "الحل العادل"، وفي هذا المجال ينبغي العودة إلى ما قيل أو طرح عن نقاش دار بين دوائر فلسطينية وصهيونية بوسائط أوروبية حيناً وأميركية حيناً آخر ناقشت فيه حق العودة والحلول الأخرى.

من المفيد هنا التأكيد على محورية حق العودة، الذي لطالما شكل عقدة كأداء أمام الحلول المختلفة، خاصة وأن كل الحكومات الصهيونية ظلت وما تزال ترفض أي نقاش عن حق العودة وعن إمكانية عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي التي هجروا منها، وحتى أبرز المحطات المتفائلة التي تمثلت بافكار كلينتون الرئيس كانت مرفوضة من قبل حكومة العدو.

ومن باب قراءة تصريح أبو مازن يمكن الإشارة إلى:

أن العامل الذاتي الفلسطيني اليوم هو في أضعف حالته، وهو ما جعل الورقة الفلسطينية مرتهنة بمواقف واتجاهات الدول الإقليمية والدوائر العالمية الفاعلة دون أن نغفل مدى تأثير التمويل الخارجي في الحد من حركة الفعل السياسي الفلسطيني والخيارات المتاحة أمام الإدارة الفلسطينية.

أن موضوع حق العودة نفسه، هو أكبر من قرار يتخذه هذا القائد أو ذاك، فهناك أطراف فاعلة، خاصة الدول التي تستضيف الفلسطينيين، وهي أطراف لطالما أكدت على تمسكها بحق العودة ورفضها للتوطين، يضاف إلى ذلك رفض اللاجئين الفلسطينيين التنازل عن حق العودة.

مسألة أخيرة في معرض تناول تصريح أبو مازن حول حق العودة وحق الرؤية، ينبغي الإهتمام بتوقيت هذا التصريح، الذي جاء في الوقت الحرام، مرحلة ما قبل الانتخابات الأميركية والصهيونية، وعليه يمكن فهم حقيقة أن الجدل أو الإهتمام بتصريح أبو مازن ظل جدلاً فلسطينياً أو تم تسويقه في إطار المناوشات الانقسامية الفلسطينية، بين حماس وفتح وبعض اليسار، غير أن هذا ينبغى أن لا يغفل حقيقة القلق المتزايد الذي يعيشه الفلسطينيون جراء استمرار حالة الفراغ الفلسطينية.