النداء 199 - تقرير خاص من الكويت

nidaa199.jpg - 40.81 Kbالأزمة السياسية في الكويت: عزلة السلطة تشتد... وحركة المعارضة تتسع

تقرير من الكويت خاص مجلة "النداء"

في الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمة السياسية في الكويت وتبلغ مستويات غير مسبوقة، وذلك على خلفية التناقض المحتدم بين نهج المشيخة من جهة والمطالب الديمقراطية للشعب الكويتي في الانتقال إلى النظام البرلماني الكامل من جهة أخرى، أصبح واضحاً مقدار ما تعانيه السلطة من عزلة سياسية خانقة، فيما تتنامى في المقابل حركة المعارضة وتتحوّل إلى حركة جماهيرية واسعة.

فبعد أن أقدمت السلطة على تغيير آلية التصويت بهدف زيادة تحكّمها في مخرجات العملية الانتخابية، شهدت الكويت خلال الأسابيع الماضية أكبر حركة احتجاجات شعبية في تاريخها الحديث والمعاصر، وهذا ما تمثّل في المظاهرات والتجمعات الحاشدة التي شارك فيها عشرات آلاف الكويتيين في 21 أكتوبر/ تشرين أول الماضي، و4 و11 نوفمبر/ تشرين ثاني الجاري، بالإضافة إلى إعلان معظم التيارات السياسية والكتل النيابية مقاطعة الانتخابات النيابية المقبلة المقرر إجراؤها وفق آلية الصوت الواحد المرفوضة شعبياً في الأول من ديسمبر/ كانون أول المقبل، فيما تمّ الإعلان عن تكوين حملتين للمقاطعة الشعبية للانتخابات، إحداهما قريبة من كتلة نواب الغالبية في مجلس 2012 المبطل و"الجبهة الوطنية لحماية الدستور"، والأخرى قريبة من التيار الليبرالي الذي يضم "المنبر الديمقراطي" و"التحالف الوطني الديمقراطي"، إذ يتوقع ألا تزيد نسبة المشاركة في التصويت عن 35 في المئة من إجمالي أعداد الناخبين المسجلين، وهي نسبة متدنية جداً في تاريخ الانتخابات الكويتية.

ولهذا تحاول السلطة أن تكسر طوق عزلتها السياسية والجماهيرية عبر تحشيد إعلامي مدفوع لأنصارها والمحسوبين عليها في لقاءات ينظمها "الديوان الأميري" ويبثها التلفزيون الحكومي لما يسمى تجديد المبايعة، وتنظيم مهرجانات احتفالية استعراضية، بالإضافة إلى الدفع بالمئات من العناصر المغمورة لتسجيل أسمائهما ضمن قوائم المرشحين في الانتخابات المقبلة، وذلك بعدما فشلت محاولاتها لاختراق التيارات السياسية والكتل النيابية الرئيسية المقاطعة للانتخابات... وهناك معلومات متداولة عن ملايين الدنانير الكويتية التي وهبتها السلطة إلى العديد من المرشحين في هذه الانتخابات وذلك على أمل أن يتمكنوا من شراء أصوات انتخابية ترفع من نسبة المشاركة!

فيما تدل المؤشرات والتقديرات المختلفة على أنّ مقاطعة التصويت في انتخابات الأول من ديسمبر/ كانون أول المقبل ستكون واسعة جداً، ما سيفقد مجلس الأمة الجديد شرعيته السياسية؛ ويزيد بالتالي من عزلة السلطة ويفاقم أزمتها.

وأمام اشتداد أزمة السلطة فقد لجأت إلى انتهاج أساليب أمنية في التعامل مع المعارضة، حيث جرى اعتقال النواب السابقين مسلم البراك، وفلاح الصواغ، وبدر الداهوم، وخالد الطاحوس وتم التحقيق معهم وتقديمهم إلى المحاكمة تحت ذريعة اتهامهم بارتكاب جرائم أمن دولة، وهذا ما أدى إلى اتساع حركة الاحتجاج بدلاً من أن يضعفها... كما بدأت السلطة في التضييق على الهامش المتاح من الحريات الإعلامية، حيث جرى تعطيل ثلاث من الخدمات الإخبارية عبر الرسائل الهاتفية القصيرة وهي "الخبر" و"الآن" و"الكويت نيوز" لنشرها بيانات المعارضة وأخبارها، بالإضافة إلى إحالة صحيفة "عالم اليوم" وقناة "اليوم" التلفزيونية الخاصة إلى المحاكمة للسبب ذاته... وأخيراً بدأت السلطة في التلويح والتسريب عن اتجاهها إلى إعلان حالة الأحكام العرفية في البلاد في حال استمرار الحراك الشعبي المعارض بعد انتهاء الانتخابات، وهذا إن تمّ سيزيد الأزمة تفاقماً وتعقيداً ولن يؤدي إلى حلّها.

ولعلّه أصبح واضحاً إنّ الحراك السياسي الشعبي لم يعد اليوم منحصراً في نطاق رفض مرسوم قانون الصوت الواحد، الذي كان يمكن أن يؤدي إلغاؤه مبكراً قبل الدعوة للانتخابات إلى تخفيف حالة الاحتقان السياسي، وإنما بدأ هذا الحراك يتجّه نحو التصدي لنهج الانفراد بالسلطة، فيما أخذت تتبلور شيئاً فشيئاً المطالب الشعبية للإصلاح السياسي الديمقراطي المتمثّلة في عدم احتكار أسرة آل الصباح لمناصب رئاسة مجلس الوزراء ووزارات السيادة، وإشهار الأحزاب السياسية، والانتقال إلى النظام البرلماني الكامل بما يعنيه من تداول ديمقراطي للسلطة في إطار "الإمارة الدستورية"... وهذا بالطبع ما ترفضه السلطة تماماً، ما يعني أنّ الصراع السياسي في الكويت سينتقل قريباً إلى مستوى مختلف عما كان عليه.