فلسطين واستعادة الوحدة والمشروع

palestin 21.jpg - 15.94 Kb  تحاول إسرائيل استعادة هيبتها الردعية من خلال الحرب على «غزة». أعلنت عن تدمير الكثير من القواعد الصاروخية بعيدة المدى. أرادت بوضوح إلغاء ما راكمته المقاومة من قدرات عسكرية، واستنزاف القطاع، وضرب البنية التحتية المدنية والبشرية. قد تكون هناك أهداف تكتيكية وفرعية أخرى، لكن الهدف الأساسي منع تطوير القدرة العسكرية في القطاع.

استطاعت المقاومة إرسال رشقات من الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي. أثبتت محدودية «القبة الحديدية» عن اتقاء هذه الصواريخ. هناك ثمن تدفعه إسرائيل وتواجه تحديات جديدة. إلا أنها في كل مرة تمارس أقسى أنواع العنف والتدمير بما لا يتناسب أبداً مع حجم الأضرار التي تطالها. لا تصح المقارنة طبعاً في ميزان القوى العسكري. هذا التفوق الإسرائيلي الساحق، وهذه القدرة على الردع أكبر بكثير من أن تقف بوجهها استعدادات المقاومة. لكن الأفق السياسي لهذا الصراع ما زال مقفلاً أمام مشكلات الوضع الفلسطيني والعربي.

يبدو قطاع غزة وكأنه بؤرة أمنية متوترة وقضية مستقلة عن نضال الشعب الفلسطيني العام. لم يشكل صمود غزة الطويل والعنيد نقطة ارتكاز لتغيير الخيار الفلسطيني وبرنامجه وسياسات منظمة التحرير والموقف في الضفة الغربية. هناك خلل خطير في مسار القضية الفلسطينية ناجم عن الانقسام السياسي وغياب القيادة الموحدة والمشروع الوطني الواحد. لا يضعف هذا الأمر النضال الفلسطيني وحسب، بل قد يرتب نتائج تصب في خانة المشروع الإسرائيلي وبرنامجه لحل القضية الفلسطينية. وبدلاً من أن يكون صمود غزة وتضحياتها سنداً لتطوير موقف السلطة في الضفة الغربية، نجد الحصيلة السياسية في المزيد من الضغوط على السلطة والمزيد من التراجعات. هذا الوضع الفلسطيني يقدم ذرائع ليست قليلة لكل السلوك العربي الرسمي المتهاون وللموقف الدولي غير المكترث للقضية كلها. من المهم جداً أن تمتلك غزة قدرات عسكرية متقدمة، لكن الأهم أن تحضر قضية الشعب الفلسطيني مع كل مواجهة لا أن تتفكك المسارات ويتشتت التوجه والقرار بين أربعة خيارات، في الداخل، في الضفة الغربية، في قطاع غزة، وفي الشتات.

منذ اتفاق أوسلو وانسحاب إسرائيل من غزة صارت قضية الشعب الفلسطيني بيد قيادته وتحررت من أعباء الوصاية العربية ونزاعاتها. لكن الفلسطينيين يستدرجون الكثير من مشكلات الوضع العربي والإقليمي ويمارسون الرهانات على المعطيات الخارجية أكثر مما يسعون إلى تجديد وتطوير وتعزيز هويتهم الوطنية وبلورة مشروعهم الوطني.

تقطف إسرائيل ثمرة الارتباك السائد في المنطقة. استفراد غزة ليس فقط عسكرياً بل كذلك على المستوى السياسي جراء الإنشغال العربي بالأزمات والغموض الذي يلف المشهد حول النظام الإقليمي الذي سينشأ. تقضم إسرائيل المواقع الفلسطينية وتقضم الولايات المتحدة الأميركية المواقع العربية. الحروب الصغيرة وإدارة الصراعات الإقليمية هي السمة الأساسية للمرحلة. مناخ الفوضى والتناقضات العربية لا يسمح بمبادرات ولا يعطي الأولوية للملف الفلسطيني.

الانشغال بالمشكلات الداخلية في مصر وسوريا والأردن ولبنان، يجعل ردود الفعل الشعبية مشتتة. يتراجع الرصيد الدولي لقضية فلسطين وتحاصر في الهيئات الدولية، وليس هناك مبادرات لتحريك العملية السياسية. لا كوابح أمام زحف الاستيطان، ولا إجراءات ضد جدار الفصل العنصري، ولا إدانات لأعمال الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. أصبح الأمن الإسرائيلي مسلّمة فوق جميع الاعتبارات.

استعادة الوحدة الفلسطينية هي استعادة للقضية من دونها كل الإنجازات «الميدانية» تبدو ثانوية. هناك خطوط متعاكسة في المسار السياسي وجغرافية ممزقة. أسوأ ما في هذا المشهد أن تكون الكيانية الراهنة منسوبة لقوى وتيارات سياسية وليس للشعب الفلسطيني وقضيته. هناك سلطة «حماس» وسلطة «أوسلو». معظم الشعب الفلسطيني خارج المواجهة المباشرة. يمكن لفلسطينيي الشتات الآن أن ينخرطوا في صراعات المنطقة، في الأردن، في سوريا، في لبنان، وليس هناك من وجهة واحدة تجمعهم. في هذه اللحظة مهم أن يجتمع الموقف على دعم صمود غزة والدفاع عنها. لكن «التضامن» شيء والانخراط في معركة عسكرية وسياسية شيء آخر. لا مفر من عملية سياسية نحو برنامج وطني حتى لا تضيع هذه التضحيات في متاهات النزاعات الفئوية. لا تملك القضية الفلسطينية جداراً عربياً تسند ظهرها إليه. قد تعود غزة أسيرة النظام المصري والسقوف التي يتحرك ضمنها، وتصبح الضفة الغربية جزءاً من نزاعات الأردن ويفقد الفلسطينيون نهائياً مشروعهم المستقل.

يُقال إن إسرائيل تمتحن السلوك المصري الجديد وردة فعل حركات الإسلام السياسي الصاعدة إلى السلطة. ربما كان في الأمر ما يشير إلى ذلك، لكن إسرائيل تعرف إلى حد بعيد موقف السلطة المصرية الجديدة المعلن وحدود المتغيرات فيه. وفي كل حال، إن الهدف الإسرائيلي الأساسي هو عدم السماح لقطاع غزة بأن يتحول إلى قاعدة محررة تشكل نقطة ارتكاز لاستنهاض الشعب الفلسطيني كله. إن التصور الإسرائيلي كان ولا يزال هو بعثرة الهوية الوطنية الفلسطينية وتحويلها إلى مجموعة تحديات مجزأة بين الأمن والمشكلات الإنسانية. ولن يكون الرد الأكثر فاعلية إلا من خلال استعادة الوحدة السياسية والمشروع.