دستور مرسي يقود مصر الى نفق مظلم وثورة مصر في الميدان

ashi ya masr.bmp - 35.72 Kbالقوى المدنية ترد اليوم في «التحرير» .. والإسلاميون يتجنّبون الميدان

دستور مرسي يقود مصر إلى نفق مظلم

يبدو أن مصر قد باتت على وشك الدخول في نفق مظلم، ما لم تنجح المبادرات في إيجاد مخرج سياسي تضيق احتمالاته يوماً بعد يوم، فقد مضى تيار الإسلام السياسي - ممثلاً بجماعة «الإخوان المسلمين» والسلفيين - في إقصاء القوى الوطنية من المشاركة في وضع الدستور الجديد، وهو ما تكرّس، يوم أمس، في الجلسة «المسرحية» التي عقدتها الجمعية التأسيسية، والتي أقرت مواد الدستور الجديد كافة، الذي سيسلك منذ الآن طريقه إلى قصر الاتحادية في مصر الجديدة، تمهيداً لإصدار قرار بدعوة الناخبين للاستفتاء عليه من قبل الرئيس محمد مرسي، الذي جدد مساء أمس تمسكه بقراراته الديكتاتورية، مجدداً القول إن الإعلان الدستوري الذي أصدره مؤخراً ذو طبيعة «مؤقتة».

وفي ظل المخاوف من أن يؤدي انفراد الإسلاميين في عملية وضع الدستور من جهة، وتعنت الرئاسة المصرية في مسألة الإعلان الدستوري من جهة ثانية، إلى حدوث اضطرابات خطيرة تصل إلى حد الصدام في الشارع، تتجه الأنظار اليوم مجدداً إلى ميدان التحرير، حيث تستعد القوى المدنية لتنظيم تظاهرة مليونية جديدة تحت شعارَي «حلم الشهيد» و«التراجع أو الرحيل»، فيما كان لافتاً يوم أمس تراجع الإسلاميين عن خطتهم تنظيم تظاهرة مليونية أخرى في ميدان التحرير، حيث قررت قياداتهم نقل التظاهرة المرتقبة يوم غد إلى محيط جامعة القاهرة، وذلك بعدما أكدت القوى المدنية عزمها التصدي لأي محاولة من قبل الإخوان والسلفيين لاقتحام الميدان وربما تكرار سيناريو «موقعة الجمل».

وبرغم تسارع الأمور ولهجة التصعيد التي تتحدث بها «الإخوان»، علمت «السفير» من مصادر «إخوانية» مطّلعة أن جماعة «الإخوان» سعت للقيام بمجسات سياسية خلال اليومين الماضيين، إذ كلفت بعض كوادرها الجلوس ودياً مع بعض قياديين في المعارضة لاستطلاع رأيهم حول الحلول التي يمكن قبولها للخروج من المأزق السياسي الذي تمر به البلاد. وأشارت هذه المصادر إلى أن «النقاشات تركزت على احتمال عودة دستور العام 1971 مع بعض التعديلات، والعمل به كدستور مؤقت لمدة عام».

الجمعية التأسيسية

وفي ظل غياب تام لممثلي القوى المدنية والكنيسة الوطنية المصرية، مررت الجمعية الـتأسيسية بنود دستور مصر الجديد، الذي شهد خلال الفترة الماضية خلافاً شديداً بين قوى تيار الإسلام السياسي بمكونيه «الإخواني» والسلفي من جهة، وبين القوى المدنية على اختلاف أجنحتها اليسارية والقومية والليبرالية من جهة ثانية.

وشهدت جلسة إقرار مسودة الدستور الجديد، والتي حضرها 85 عضواً - من بينهم 11 كانوا في قائمة الأعضاء الاحتياطيين وتم استبدالهم بالأعضاء المنسحبين قبل دقائق من بدء الاقتراع - هدوءاً شديداً، برغم محاولات بعض الأعضاء طلب الكلمة من رئيس الجمعية التأسيسية المستشار حسام الغرياني. وقد سمح هذا الهدوء بتمرير مواد الدستور من دون إثارة أي خلافات بشأنها.

وفي بداية الجلسة، أسقط الغرياني عضوية 11 عضواً من المنسحبين، وعلى رأسهم الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، فيما تمّ تصعيد آخرين مكانهم، ومعظم هؤلاء من المنتمين إلى «حزب الحرية والعدالة»، الجناح السياسي لـ«الإخوان»، والأحزاب السلفية.

وتمّت الموافقة على معظم المواد بالإجماع او بغالبية كبيرة، ما دفع بممثل «حزب غد الثورة» محمود محيي الدين إلى المطالبة بتأجيل التصويت على المسودة، متسائلاً «طالما أن الرئيس محمد مرسي منح اللجنة شهرين فلماذا التعجل في الأمور؟».

وكان لافتاً في جلسة إقرار المسودة النهائية أن المادة الثانية المثيرة للجدل قد جرى تمريرها بإجماع أعضاء الجمعية التأسيسية، إذ لم يبد السلفيون خصوصاً أي اعتراض على عبارة «مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع»، علماً بأنهم سبق أن أثاروا أزمة حادة بإصرارهم على اعتماد عبارة «أحكام الشريعة».

وخلت المسودة النهائية من أي إشارة إلى منصب نائب الرئيس، كما أبقت على مواد اعترض عليها الأعضاء المنسحبون من الجمعية التأسيسية، خصوصاً تلك التي تتيح حل النقابات وتعطيل الصحف بحكم قضائي.

كما تضمنت المسودة مادة تؤكد انه «لا يجوز إسقاط عضوية أي عضو في مجلس الشعب إلا بموافقة ثلثي أعضائه» وهو ما يفتح الباب أمام عودة ما كان يُعرف في عهد مبارك بـ«المجلس سيد قراره».

وتقع المسودة في 234 مادة وستحال اليوم إلى الرئيس المصري من أجل أن يدعو الناخبين للاستفتاء عليها قبل أن تصبح دستوراً معمولاً به.

وأبدى رئيس الطائفة الإنجيلية وممثلها المنسحب من الجمعية التأسيسية القس صفوت البياضي دهشته من السرعة التي مررت بها مواد الدستور. وقال البياضي إن الحل ما زال بيد مرسي الذي «يجب أن يكون رئيساً لكل المصريين، وللأقلية قبل الغالبية»، رافضاً العودة إلى الجمعية التأسيسية مرة أخرى، وهو ما أكد عليه المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الأنبا بولا، الذي أكد فشل رئيس ديوان رئاسة الجمهورية السفير رفاعة الطهطاوي في إقناع البابا تواضروس الثاني بعودة ممثلي الكنيسة المنسحبين.

وقال نقيب المحامين المصريين ورئيس اتحاد المحامين العرب سامح عاشور إن الجمعية التأسيسية «تقوم بأكبر عمليه سرقة واستيلاء على الدستور»، داعياً القوى الوطنية إلى الوقوف ضد مخطط السيطرة والهيمنة من قبل «الإخوان».

مرسي

في هذا الوقت، رفض مرسي، في مقابلة بثها التلفزيون المصري مساء أمس، التراجع عن قراراته الأخيرة، وفي مقدمتها الإعلان الدستوري.

وقال مرسي إن الإعلان الدستوري «مؤقت وينتهي العمل به» بمجرد أن يقر الشعب المصري مشروع الدستور الجديد.

ووصف مرسي الإعلان الدستوري بأنه «جراحة دقيقة» كانت ضرورية لإنقاذ الوطن في المرحلة الحالية، بعدما وصلته معلومات دقيقة استشعر منها خطراً على البلاد.

ورفض مرسي الكشف عن تفاصيل بشأن هذه المعلومات، قائلاً «ليس بالضرورة إتاحة كل التفاصيل الآن، لأنها ستضر ولن تنفع».

وتعليقاً على التظاهرات الحاشدة التي خرجت احتجاجاً على الإعلان الدستوري، قال مرسي «أنا سعيد جداً أن الشعب المصري في حالة ممتازة... نحن نعبر عن رأينا ونقول ما نريده ولكن نحافظ على بلدنا ومصالحنا».

«مليونيتان»

وتعبيراً عن احتجاجهم على كلمة مرسي، انصرف المعتصمون المتابعون لحوار الرئيس المصري عن شاشة العرض في ميدان التحرير، فيما قام آخرون برفع أحذيتهم أمام الشاشة.

وستنظم القوى المدنية اليوم تظاهرة حاشدة في ميدان التحرير وباقي المدن المصرية، اختارت لها بعض القوى شعار «جمعة حلم الشهيد»، فيما اختارت لها قوى أخرى تسمية «جمعة التراجع أو الرحيل».

وشهد ميدان التحرير يوم أمس حالة من الاستنفار القصوى، بعد الدعوة التي أطلقها «الإخوان» والسلفيون للتظاهر في الميدان غداً تأييداً لمرسي، وبعدما تواترت أنباء عن استدعاء مرسي وزير الداخلية أحمد جمال الدين، وإعطائه أوامر بتصفية الميدان وفضّ الاعتصام بالقوة، وهو ما نفته الرئاسة المصرية.

وأكد المعتصمون استعدادهم للدفاع عن ميدان التحرير بأرواحهم، فيما كثفت اللجان الشعبية إجراءاتها لحماية الميدان، في وقت أعلنت العديد من القوى الوطنية حشد أنصارها يوم غد والمبيت في الميدان لتأمينه من أي هجمات.

وحمّل زعيم «التيار الشعبي» حمدين صباحي مرسي نتيجة ما يمكن أن يحدث من اشتباكات في الشارع. كما أصدر «حزب الكرامة» بيانا اعتبر فيه أن دعوة «الإخوان» والجماعات السلفية إلى التظاهر في ميدان التحرير هي «دعوة للفتنة ومحاولة لقمع المعارضة بالعنف». كذلك اعتبرت «الجمعية الوطنية للتغيير» أن ما سيقدم عليه «الإخوان» والسلفيون من تظاهر في ميدان التحرير «عمل إجرامي سيقود حتماً الى صدام دامٍ».

وحذّرت حركة «الاشتراكيين الثوريين» مرسي و«جماعته» من «حرب أهلية لن تترك الأخضر أو اليابس»، فيما قال المرشح الرئاسي السابق خالد علي إن القوى السياسية لن تترك الميدان يوم غد، مضيفاً «على جثثنا أن نترك لهم الميدان».

وفي تطور لاحق، أعلنت «الإخوان» أنها ستنقل التظاهرة التي دعت إليها يوم غد لتأييد قرارات مرسي إلى مكان آخر.

ونشر «الإخوان» تغريدة على موقع «تويتر» جاء فيها أنه «سيتم نقل التظاهرة الى مكان آخر يحدد لاحقا»، فيما أكد المتحدث باسم «حزب النور» نادر بكار، في تغريدة أخرى على «تويتر»، أن «القوى الإسلامية قررت نقل التظاهرة إلى أمام جامعة القاهرة».

وبرر رئيس «حزب الحرية والعدالة» سعد الكتاتني هذا التراجع بالقول إن «الإخوان» وحلفاءهم السلفيين استجابوا لمبادرات أطلقتها رموز وطنية، مشيراً إلى أن «هذه رسالة إلى من يخالفوننا بأننا لا نسعى للصدام».

البرادعي

في هذا الوقت، قال رئس «حزب الدستور» محمد البرادعي، في مقابلة مع قناة «الحياة» سبقت مقابلة مرسي مع التلفزيون المصري، «لن نتحاور مع الرئيس مرسي قبل إسقاط الإعلان الدستوري، لأن الشباب أهينوا قي ثورتهم»، معتبراً أن «على الرئيس أن يبدأ الحوار وأن يسقط الإعلان الدستوري»، ومشدداً في الوقت ذاته على أن «هدفنا ليس المسّ بهيبة الرئيس فهو إنسان يصيب ويخطئ».

وأكد البرادعي أن الثورة لم تقم للمطالبة بتطبيق الشريعة والحدود والهوية، بل للمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم، واصفاً جلسة الجمعية التأسيسية بـ«المسرحية».

 («السفير»،