دولة فلسطين في الواقع والاحتمال

solayman taki addine.jpg - 2.44 Kb أنجز الشعب الفلسطيني خطوة تاريخية باعتراف الأمم المتحدة له بصفة «دولة مراقبة». من الاعتراف بمنظمة التحرير (1974) إلى الاعتراف بالسلطة في أوسلو (1993) إلى الانسحاب من غزة والإدارة الذاتية للقطاع أعاد الشعب الفلسطيني تأكيد حضوره في كيان سياسي، ولو كان ذلك من دون حدود جغرافية نهائية. منذ اتفاقية أوسلو التي يلعنها كثيرون لم يعد ممكناً تبديد هوية الشعب الفلسطيني وإنكار حقه ولو على جزء من أرض فلسطين التاريخية. انتهت على الأقل قانونياً نظرية «الوطن البديل» وجرى تكريس شراكة الشعب الفلسطيني لدولة إسرائيل في الحق بكيان سياسي مستقل.

سيكون لهذا القرار التاريخي الكثير من النتائج على صعيد القانون الدولي. إن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة مدخل لإحياء قرارات الشرعية الدولية من قرار التقسيم الرقم 181 في 29/11/1947 إلى القرارين 242 و338 بعد احتلال إسرائيل لكامل أرض فلسطين. فلسطين اليوم «دولة تحت الاحتلال» حدودها المفترضة قرار التقسيم أو قرار الجلاء عن الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل في حرب 1967.

في هذا السياق لا شرعية لضم القدس الشرقية ولا شرعية لجدار الفصل العنصري ولا شرعية للمستوطنات. هذه مكتسبات على الصعيد السياسي تفتح آفاقاً أمام الشعب الفلسطيني بعد تأكيد حقوقه التاريخية في أن يبلور مشروعه للتسوية من غير أن يضطر إلى التسليم المسبق باللاءات الإسرائيلية المعروفة في موضوع القدس والقرار 194 لعودة اللاجئين. وليس أدل على أهمية هذا الإنجاز من الرفض الإسرائيلي والأميركي ومن الضغوط والتهديدات التي واجهت القيادة الفلسطينية لثنيها عن هذا الخيار. ومن عناصر الموقف الفلسطيني الإيجابية أن تكون «حماس» قد أيّدت هذا التوجه ووضعت ثقلها ورصيدها إلى جانب «السلطة» فقطعت بذلك الطريق على أي تأويل بالسعي إلى إيجاد كيانات فلسطينية مفككة أو إلى تجزئة المشروع الفلسطيني أو محاولة اللعب على فكرة الوطن البديل أو تجديد إلحاق الشعب الفلسطيني إلى دول الجوار في مصر والأردن.

هذا المشهد لن يكون ثابتاً ونهائياً أمام غطرسة القيادة الإسرائيلية ما لم يتعزز بجهد فلسطيني أكبر لإسقاط الشرعية نهائياً عن إجراءات إسرائيل التوسعية والاستيطانية في القدس والضفة، وإعادة تكوين رأي عام دولي وكتلة ضغط فاعلة ضد مبادلة المستوطنات بحق العودة أو تكريس الحدود التي رسمتها إسرائيل لنفسها من خلال الجدار العازل. ما تم حتى الآن هو إسقاط الخطة الإسرائيلية لجعل الموضوع الفلسطيني مسألة حقوق إنسانية تعالج على مستوى الإدارة الذاتية تحت شكل من الاحتلال أو الوصاية، لتعود قضية تحرر وطني وحق تقرير المصير.

ربما يعتقد البعض أن تنازلاً عن «الحقوق» قد حصل متجاهلاً المسار السياسي التاريخي أو متجاهلاً موازين القوى. لقد كانت اتفاقية أوسلو سيئة لأنها أقرت لإسرائيل بشرعيتها ولم تأخذ شرعية الدولة لفلسطين، بل جعلت الأمر مدار تفاوض على المسائل المتعلقة بالحل النهائي. وفي كل حال لم يتراجع الموقف الفلسطيني عن برنامجه ومطلبه منذ العام 1974 بحل الدولتين. أما موازين القوى فقد أكدت باستمرار على أهمية العمل السياسي والنضال من أجل حل الدولتين استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية وإدراكاً واقعياً بأن نضالات الشعب الفلسطيني العسكرية لا تستطيع تجاوز هذا السقف. غير أن الأهم من ذلك كله أن تنجح القيادة الفلسطينية في إدارة معركة قاسية ومواجهة لا يختتمها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بل يفتحها على مصراعيها. وفي المقدمة الحصار الاقتصادي وتخريب أمن السلطة والضغوط السياسية لتحجيم الموقف الفلسطيني وإضعافه، ولا سيما من المحيط الإقليمي.

ما ينتظره الفلسطينيون من قياداتهم هو إعادة صياغة الوحدة السياسية وإحياء المؤسسات الشاملة في الضفة والقطاع وتجاوز ما كان من تجاذب إقليمي لم يعد صالحاً لطرح خيارات مختلفة أو برامج مختلفة في الواقع الراهن.

حصلت متغيّرات خلال سنتين، من العبثية عدم إدراك نتائجها. والأرجح أن خيارات «حماس» قد استوعبت هذه المتغيّرات. قيل إنها مسألة تناغم إيديولوجي إسلاموي بين «حماس» والحكم المصري «الإخواني». هذه حقيقة لا يمكن تجاهلها. لكن الأمر الأهم لا يتعلق فقط بالمحيط الجغرافي الحدودي لغزة بل بالمناخ العربي العام الذي أشاعته الثورات العربية ويؤسس لمنظومة عربية مختلفة، مصر من جهة وسوريا من جهة ثانية. في شكل أو آخر يذهب التغيير في سوريا نحو التكامل مع التطورات العربية الأخرى، ولم تعد سوريا واقعياً في وضع يسمح لها بتصدّر خيار سياسي آخر. بل إن ما يجري في سوريا فكّك منظومة ما كان يسمى «ممانعة» منذ اللحظة الأولى حين سارع النظام للإقرار بالخيار الفلسطيني المستقل وانتهى إلى القطيعة مع «حماس» بعد القطيعة مع قيادة السلطة في الضفة. وإذا كان الدعم الإيراني بالمال والسلاح قد ساعد في تطوير القدرات الدفاعية لغزة وحسّن شروطها في المواجهة مع إسرائيل، فإن هذا الدعم لم يعد وحده يشكّل الحاجة الأساسية في حماية الحقوق الوطنية أمام حدّة الانقسام والنزاع المتزايد بين معظم العرب وإيران، ولا سيما حول الموقف في سوريا ولبنان.

ربما هناك الكثير من المشهد العربي لم يكتمل بعد، وهناك مخاض وعدم وضوح نهائي للصورة والتوازنات يأخذ إلى كثير من الفوضى.

لكن الاتجاه العام يسير إلى إنهاء حالة المعسكرين أو حالة الانقسام السابق من حول النظام الإقليمي والتحالفات فيه من دون إنكار مصالح ونفوذ الأطراف المتعددة التي اخترقت هذا النظام وساهمت في تغييره.

فلسطين اليوم تتموضع في النظام العربي الجديد ولكنها هذه المرة لها كيانها الوطني ولها جغرافيتها ولها قيادتها المستقلة.