فخر الدين دكروب المهندس الاحمر

faker dakroub.jpg - 15.73 Kbدرس في الاتحاد السوفياتي أيام «الحرام»

فخـر الديـن دكـروب المهنـدس الأحمــر

 وقف الشاب العشريني واثقاً في مواجهة المدير العام للأمن العام توفيق جلبوط بعدما وصل إلى مكتبه بوساطة. لم يكن من الممكن أن يعود خائباً. كانت المنحة في يدٍ والمستقبل في مكان آخر. لكن جلبوط فاجأه بقسوته: «لن أدعك تسافر».

أصرّ الشاب المتحمّس على موقفه. فالاقتناع في رأي المدير العام للأمن العام لم يكن وارداً أبداً. رد عليه بجملة حملت شيئاً من الجرأة. قال له: «مهما فعلتم سأسافر. أريد أن أتعلّم». عندها سلّمه جلبوط جواز سفره صاغراً. وعندما صار «الباسبور» في يد الشاب سأل المدير العام للأمن العام عن طريقة السفر الممكنة، فأجابه هذا الأخير: «اسأل الذين سافروا إلى الاتحاد السوفياتي من قبلك. فتذهب مثلهم».

كان جلبوط يعلم أن هناك مجموعات من الشبان قد بدأت بالسفر للدراسة في «بلاد الشيوعية». لكن اختراق «الستار الحديدي» كان ممنوعاً على المواطنين اللبنانيين. والشيوعيون العائدون من هناك هدفهم «خربطة المجتمع»، من دون شك، بحسب الفكرة السائدة وقتها.

تمرّ ست سنوات طويلة قبل أن يقف فخر الدين دكروب، مجدداً، أمام موظف رسمي آخر في وزارة التربية اسمه هذه المرة سهيل حلبي، في موقف مشابه. يضع فخر الدين شهادة الهندسة فوق مكتب المفتش التربوي فيمسكها هذا الأخير ويرميها جانباً، موضحاً: «حالتُكم صعبة. وأنت أيضاً حالتك صعبة». فرد الشاب المفاجئ بالإجابة الفظة: «أنت بشكلك حالتك صعبة. هل تعرفني قبل اليوم؟». نفى حلبي ذلك. قبل أن يقول للشاب المصدوم: «بشكّ بعلماتك». عندها طلب منه المهندس الزراعي المتخرج حديثاً من «جامعة الصداقة» في موسكو تشكيل لجنة لامتحانه. لجنة لا يكون حلبي نفسه عضواً فيها بعدما بات مشكوكاً في نزاهة رأيه، من وجهة نظر الشاب. انتهى اللقاء عند هذه النقطة.

قصد فخر الدين دكروب أول رئيس للتفتيش المالي في الجمهورية عارضاً عليه مشكلته. كان اسمه حسن عواضة وكان صديقاً لعمّه. رفع عواضة سماعة الهاتف واتصل بحلبي قائلا: «توقفوا عن الزعبرة واشتغلوا حسب الأصول. إذا كان طلبه خارج الأصول فقل له مع السلامة. وإذا كان ضمن الأصول..».

حادث «التشكيك» في الشهادة يتكرر مجدداً مع نقيب المهندسين جورج مارون. وعلى هذا المنوال طالت الفترة بين التخرّج والاعتراف بالشهادة ومن ثم منح إذن مزاولة المهنة سبعة أشهر عاد خلالها المهندس المتخرج حديثاً إلى مهنته الأخيرة قبيل السفر: عامل في مطبعة.

 

الفلق

 

لم تكن حياة فخر الدين دكروب سهلة. بعدما نال الفتى الذي ولد في العام 1937 شهادة «السرتفيكا» في صور قرّر أن يلحق بأخيه محمد الذي كان قد سبقه إلى بيروت. ولما لم تكن العائلة ميسورة كان عليه أن يعتمد على نفسه لتأمين اللقمة. فباع الجرائد. حمل صحفاً مثل «صدى لبنان» و«لسان الحال» و«النهار» و صار يدور بها في ساحة البرج، إلى أن جاء يوم قبض فيه باعة الصحف الشبان على الفتى الدخيل و«رقعوه» فلقاً ليهرب من بعده من عالم الصحف إلى دنيا الخياطة.

«السرتفيكا» كانت آخر شهادة من مرحلة التحصيل المدرسي ينالها الفتى في ضوء النهار. بعدما هبط إلى بيروت صار يدرس في معهد ليلي إلى جانب عمله اليومي. المدارس الليلية كانت منتشرة بكثرة في ذلك الزمان وتدرّس شهادتين. إما «الموحدة السورية» أو «التوجيهية المصرية». درس فخر الدين في «معهد البكالوريا المسائي» الذي يقع في منطقة بشارة الخوري. ولاحقاً ينتقل إلى «المعهد العربي» عند عبد الرزاق رحم في منطقة البسطة.

أنهى دراسته الثانوية حاملاً «الموحدة السورية» التي خضع لامتحاناتها في الشام، ثم عادلها بالبكالوريا اللبنانية. وكان بعد عاملاً في مطبعة. المطبعة التي يعمل فيها كانت تصدر مجلة «أنباء موسكو» في بيروت. مدير المجلة كان أحد أهم المراسلين السوفيات الذين عملوا في الشرق الأوسط. اسم الصحافي المستشرق إيغـور بلاييف. نال فخر الدين منحة لدراسة الطب عن طريق بلاييف على الرغم من أنه كان قادراً على الحصول عليها من طريق «الحزب الشيوعي» الذي انتسب إليه في الثامنة عشرة من العمر. وكان نقابياً وعضواً في مجلس نقابة عمال المطابع.

قبل التزامه بالعقيدة الشيوعية كان بعثياً. يقول: «كانت موجة ماشية على كل الناس. لكن من خلال عملي النقابي وجدت أن العمل مع الشيوعيين أفضل وأجدى».

ركب «البابور» في رحلة استمرت ستة أيام. سافر بواسطة تأشيرة مرور منفصلة عن جواز السفر منحته إياها السفارة السوفياتية في بيروت. في الاتحاد السوفياتي توقفت الباخرة في ميناء مدينة أوديسا الأوكرانيــة قبل أن ينتـقل بالقـطار إلى موسـكو. كانت المرة الأولى التــي يزور فيها بلداً غريباً. كان سعيداً حقاً. لم يتمــلّكه الخوف. فالشغف بما هو آتٍ طغى على ما عداه. قبيل وصوله كانت قد سبقته مجموعة من الشبان من بينهم سبيرو فاخوري، مهدي شاتيلا، سعد خطــاب، فؤاد حداد، عادل معلوف، إلهام العــبد، محمد الزعرت، نضال شرتوني، وأحمد مراد. هؤلاء الشــبان جميعاً شكلوا الرعيل الأول من الطلاب اللبنــانيين الواصلين إلى الاتحاد السوفياتي قبل نحو خمسين عاماً. درســوا إما الهــندسة أو الطب.

انتسب فخر الدين إلى كلية الطب بعد سنة اللغة التحضيرية. ظل يداوم بانتظام مدة شهرين إلى أن جاء يوم دخل فيه إلى المشرحة. فشعر بالقرف وقرر أن يهرب. طلب نقله إلى كلية الهندسة الزراعية من دون أن يعرف سبباً للخيار الجديد. قد يكون لتشابه موادها مع الطب. يشرح: «أستطيع أن أقول إني ذهبت صدفة. لكني أجدت الصدفة وسرت بها».

ست سنوات أمضاها الشاب في مهجع الجامعة. كان يحصل على مصروف جيب يبلغ تسعين روبلاً في الشهر.

لم يزر لبنان مرة واحدة خلال هذه الفترة. لا الظروف المادية للأهل كانت تسمح بذلك ولا حتى الظروف القانونية. فبالرغم من الصداقة الدائمة مع موظفي السفارة اللبنانية إلا أن الأمن العام ظلّ يرفض، بشكل دائم، تجديد جواز السفر. لكن المسؤولية لا تقع على عاتق الأمن العام فحسب. النظام اللبناني «المتخلّف» كلّه كان مسؤولاً عن هذا الأمر.

 

العريس وحيداً

 

زيارة بيروت باتت من المستحيلات. شعر بالوحدة والحنين في ظل انعدام خيارات أخرى. كان التواصل مع الأهل يتم عبر رسائل ورقية تستغرق أكثر من أسبوع حتى تصل إلى وجهتها.

في الجامعة تعرف إلى هناء مروة، طالبة الفيزياء. كان والدها المفكر حسين مروة، الذي سيُغتال لاحقاً، صديقاً شخصياً لشقيقه الكاتب محمد دكروب. توطدت العلاقة بينهما. لكنهما لم يتزوّجا في بلدية موسكو كما قد يظن البعض. حرّر فخر الدين وكالة لشقيقه الذي سجّل عقد الزواج بالنيابة عنه في بيروت خلال زيارة هناء لها. والمفارقة أنه بقي عريساً وحيداً لمدة عشرة أيام قبل أن ترجع العروس لمتابعة دراستها. لاحقاً بعد العودة إلى لبنان ينجبان صبيين أغنيا مسرح الدمى. كريم المخرج المعروف، ووليد مصمم الديكور المسرحي. والشابان أستاذان في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية.

نشاط الشاب الدمث والاجتماعي في تلك الفترة دفع إلى انتخابه رئيساً لـ«رابطة الطلاب اللبنانيين» ورئيساً لـ«اتحاد الطلاب العرب» في الاتحاد السوفياتي. بعد العودة صار يزور الاتحاد السوفياتي كل عام من أجل التحضير لأطروحة الدكتوراه التي نالها في العام 1980.

تشبث مسؤول قطاع المهندسين في «الحزب الشيوعي» والأمين العام المساعد لـ«اتحاد المهندسين الزراعيين العرب» بالعقيدة الشيوعية ليس له علاقة برحلة الدراسة الطويلة. فقد قدّر خلال وجوده في الاتحاد السوفياتي أن «هذا الشكل من العمل لن يستمر». البيروقراطية والفساد كانا يأكلانه. غير أن الأمر لم يؤثر يوماً في قناعاته الشخصية. كذلك لم يحمل السلاح يوماً ولم يحبه. أقصى وظيفة «عسكرية» تولاها كانت مموناً غذائياً لمقاتلي «الحزب الشيوعي» على المحاور خلال الحرب الأهلية.

رسالة تهديد

اللحظة التي حمل فيها فخر الدين دكروب شهادته الجامعية كانت لحظة تحوّل حقيقية في حياته. رفع الشاب من شأنه الأكاديمي والاجتماعي والثقافي مرة واحدة. الوظيفة الرسمية الأولى بالشهادة الجديدة كانت مهندساً متعاقداً في «المشروع الأخضر». اختار العمل في منطقة الشريط الحدودي. في الوقت ذاته كان يقوم بأعمال خاصة أخرى مثل التزام أرض واستصلاحها لتحويلها إلى بستان، أو استشارة زراعية من هنا، وتنظيم حديقة من هناك.

في العام 1972 دعا «مجلس الخدمة المدنية» إلى مباراة على وظيفة مهندس في ملاك وزارة الزراعة. تقدّم المئات إلى الامتحان. كان المتقدمون من متخرجي معظم دول العالم ومتخرجي «الجامعة الأميركية» في بيروت. الجامعة الوحيدة التي كانت تدرس الهندسة الزراعية في لبنان. حلّ أولاً في المباراة. ومن الملاك إلى التعليم حيث صار أستاذاً في المعهد الزراعي في الفنار. المعهد نفسه الذي يخرج مساعدين فنيين زراعيين. ولاحقاً يترقى ليصبح مديراً للمعهد.

في منتصف الثمانينيات انتقل من التعليم إلى الإدارة وصار رئيس دائرة حتى العام 1991 عندما اشترك في أول دورة تدريب للفئة الثانية نظمها «مجلس الخدمة المدنية». دامت الدورة تسعة أشهر. وتخرج منها رئيس مصلحة فئة ثانية ورقي إلى رئيس لـ«مصلحة البستنة والمحاصيل الحقلية في وزارة الزراعة». ومن ثم تقدم إلى مدير الثروة الزراعية في الوزارة.

ووفق النظام الطائفي الذي يقسّم موظفي الفئة الأولى بناءً على مذاهبهم لم يتمكن من التقدم أكثر في الوظيفة، على الرغم من أنه كان أعلى موظف «شيعي» راتباً ورتبة. فبعدما صار مرشحاً لمنصب المدير العام وصلته رسالة تهديد تقول إنه في حال استمر بترشّحه لعضوية مجلس «نقابة المهندسين» فإنه لن يصل إلى هذا المنصب أبداً. أصرّ فخر الدين على ترشيحه وفاز بعضوية مجلس النقابة مرة وبعضوية لجنة إدارة الصندوق التقاعدي فيها مرتين، من دون أن يدرك منصب المدير العام بالطبع.