افتتاحية النداء 200 - خالد حدادة

khaled- press.jpg - 27.75 Kbخطر الحرب الأهلية يستوجب حراكاً شعبياً

أية قراءة يسارية للانتفاضات العربية؟

افتتاحية مجلة النداء العدد 200 - بالتزامن مع السفير :

 لم يكتف شعب فلسطين، أبطال غزة وأطفالها، بمفاجأة العدو الذي ظن بأن المقاومة في غزة، تطبعت بزيارة الأمراء، ولم تكتف غزة بمفاجأة هؤلاء ايضاًً فجعلت من خطاباتهم تزداد غثاء بل لا بد من أن نعترف اليوم بأنها وضعت أصدقاءها، أنصارها، في وضع لا بد أن يتساءلوا فيه، عن جدوى مستوى دعمهم لها حتى الآن.

لا بد أن نعترف اليوم، أن غزة وضعتنا اليوم امام مسؤوليات كبيرة وضعتنا امام ضرورة، تطوير نظرتنا للوضع العالمي والعربي الحالي وبشكل خاص، أمام مسؤوليات تجاه فلسطين، شعب فلسطين، قضية فلسطين، ولا بد أن نؤكد أننا نواجه تحدي إعادة البريق والفعالية، لتضامننا مع هذه القضية، ومع الشعب الفلسطيني، كجزء من الصراع العالمي، بل أكاد أقول كقضية داخلية لكل بلد من بلدان العالم.

في السنتين الماضيتين، وصل النظام الرسمي العربي، الى أعلى درجات التبعية للنيوليبرالية العالمية، وبرز انعكاس أزمة الرأسمالية على الدول التابعة وازدياد درجة الفساد والنهب الداخلي وضرب الحقوق الاجتماعية والسياسية للمواطن العربي، وازدياد درجة القمع وتجاوز حقوق الإنسان، وازدياد التفاوت الاجتماعي ووصول نسبة كبيرة من الفئات الشعبية الكادحة الى ما دون خط الفقر وازدياد معدلات التضخم وتراكم الدين العام ومضاعفة الضرائب على الفئات الشعبية، يضاف الى كل ذلك وصول القسم الأعظم من هذا النظام الى مرحلة الخيانة الوطنية عبر الانخراط باستهدافات المشروع الامبريالي في المنطقة، سواء على مستوى التطبيع مع العدو وإقامة علاقات دبلوماسية معه والتآمر بشكل فردي أو عبر المؤسسة المتآمرة، المسماة الجامعة العربية، على قضية فلسطين أو على مستوى الانخراط في جوقة، تصميم شروط خلق الصراعات البديلة وتحقيق حركة الانقسام المذهبي والطائفي والعرقي. إذن باختصار نحن أمام أنظمة قمع وفساد وإفقار وخيانة وطنية.

إنها عوامل التراكم الداخلية للانتفاضات الشعبية في العالم العربي في السنوات الماضية. إنها حركة الشعوب العربية في مواجهة استهدافات المشروع الامبريالي الجديد في المنطقة، وفي الوقت ذاته في مواجهة الانظمة الرسمية العربية، هي السمة العامة للانتفاضات العربية، التي اتخذت أشكالاً مختلفة في مواقع الحراك الشعبي المختلفة.

ولأن طابعها الاساسي، يجد جذوره في الصراع الطبقي، كان لا بد لنا كحركة يسارية وبشكل خاص كشيوعيين، ان نكون الى جانب هذه الانتفاضات المنطلقة من حالة ثورية حقيقية، بغض النظر عن النتائج المباشرة لها.

إن هذه الحركة الثورية قطعت مسار تكوين المخطط الاميركي، ما دفع الولايات المتحدة الى التسريع في إقامة تحالفها المعادي لحركة الشعوب العربية، وللتدخل المباشر مع الدول التابعة، وخصوصاً في الخليج وتركيا، ومع القوى الاسلامية السياسية المرتبطة بها اصلاً، بهدف احتواء التحركات التي وصلت الى مرحلة اللاعودة كما في مصر وتونس، والتدخل للقمع عبر التدخل المباشر كما جرى في البحرين وليبيا، ولتحويل مسار الانتفاضات وخلق شروط الحرب الاهلية عبر تحريك الحلفاء الداخليين، الذين يطلق عليهم قوى الاسلام السياسي، المعتدل والمتطرف، وتسليح المعارضات وخلق بعض اطرها وتهميش المعارضات الوطنية والديموقراطية الرافضة لعسكرة الاحتجاجات وللتدخل الخارجي، وهذا ما جرى في اليمن ويجري اليوم في سوريا.

لم يكن موقف اليسار والشيوعيين، موحداً تجاه ما جرى، وللأسف كان الاختزال سيد الموقف عند الكثيرين منا، فالبعض يرى العوامل الداخلية للصراع ووضع الشعوب العربية (وليس الانظمة) في خدمة من يحقق اهداف المشروع الاميركي عبر الإصرار على تفسير ما يجري بمفردة واحدة هي المؤامرة، من دون النظر للعوامل الداخلية من تجويع وفقر وقمع، والبعض الآخر، غاب عن تحليله دور المخطط الاميركي، واكتفى بالعوامل الداخلية ووصفها احياناً كمعايير لتفسير ما يجري.

إن الوقت قد حان لتضع الأحزاب الشيوعية واليسارية قراءة موحدة، أو على الأقل متجانسة لما يجري، منطلقة من تكامل المواجهة، على قاعدة الانحياز الطبقي، في مواجهة تكامل المشروع الامبريالي وتحالفاته، ما يجعلنا قادرين، على صياغة خطة مواجهة في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة، من سماتها الآتي:

- اولاً: اعتبار الانتفاضات العربية، موقفاً في مواجهة النظام العربي المرتبط بالمشروع الاميركي، وشعارات هذه الانتفاضات، الحرية والعدالة والكرامة الوطنية، تعبير واضح عن الطابع الطبقي لهذه الانتفاضات.

- ثانياً: إن وصول قوى إسلامية، حليفة لأنظمة الخليج ومنضوية بشكل او بآخر في اطار الخطة الاميركية، يجب ألا يدفعنا الى اتخاذ موقف حذر مواجه للانتفاضات، بل يجب ان يشكل حافزاً امام القوى اليسارية لإنشاء تحالفاتها الشعبية والطبقية لاستكمال المرحلة الثانية من هذه الانتفاضات في مواجهة العجز الحتمي للأنظمة المركبة.

- ثالثاً: اعتبار الحوار الوطني في سوريا هو الطريق الصحيح في مواجهة المؤامرة، وهذا يقتضي اعتبار الحل العسكري ليس عاجزاً فقط، بل انه يخدم المشروع الامبريالي، سواء جاء هذا الحل من قبل النظام او من قبل المعارضة المرتبطة بالخارج. وفي هذا الاطار تأتي مبادرة اليسار العربي، لتشكيل قوة ضاغطة مشكلة من القوى اليسارية الديموقراطية في الدولة والمعارضة اساساً في تشكيل ميزان قوى ضاغط من اجل سوريا مدنية، ديموقراطية مقاومة تسودها العدالة الاجتماعية وتحافظ على موقعها في مواجهة المخطط الاميركي.

- رابعاً: اعتبار قضية فلسطين والموقف منها، اساساً لأي موقف مواجه للمخطط الاميركي واعتماد كافة اشكال التحرك من تظاهر وحصار للسفارات الصهيونية في كل العالم ودعم صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته في مواجهة العدوان الاميركي الاسرائيلي المتكرر على غزة، وفي مواجهة الموقف الخياني للجامعة العربية وللأنظمة المتحكمة فيها.

هذه بعض المعايير، التي نراها في حزبنا، ضرورة لتحسين شروط مواجهتنا للمشروع الامبريالي وبالتالي منعه من إنقاذ نفسه، وتجاوز المرحلة الراهنة من ازمة الرأسمالية على حساب الشعوب الفقيرة وعلى حساب الطبقة العاملة وفقراء الدول الرأسمالية، هي أسس لدعم تحركاتها الشعبية في الدول التي تعاني من هذه الازمة وبشكل خاص في دول المركز، من التحركات العمالية في اليونان واسبانيا وفرنسا وايطاليا وغيرها كما في الولايات المتحدة الاميركية.

[[[[[

في ظل هذا الوضع الدولي والإقليمي، يعيش لبنان، ظرفاً يتحول فيه الى مختبر للهجمة الإمبريالية. العدوان الإسرائيلي يستمر على الأرض والجو وبدأ التهديد يطال الثروة الكامنة على طول الشاطئ اللبناني. وفي خط مواز، تستمر البرجوازية، متمسكة بالنظام الطائفي الذي تكون على قاعدة اتفاقية التقاسم الأولى في العشرينيات من القرن الماضي. ووصل الوضع بفضل هذا النظام الى حالة من الحرب الأهلية المستمرة، تعمل فيه البرجوازية على تقاسم البلد وثرواته، وبفعل هذا التقاسم تشتد التبعية بالجملة أو بالمفرق، للقوى الإقليمية والدولية على المستويين السياسي والاقتصادي.

وأخطر ما عكسه هذا النظام هو نهج الاستقواء في الداخل، والذي يبرر التبعية للخارج، بما يعادل في كثير من الأحيان تبرير الخيانة الوطنية وبالتالي جعل الموقف من المقاومة جزءاً من الصراع السياسي.

وعلى المستوى الاقتصادي الاجتماعي، وصلت أزمة النظام الى الذروة، طاول فيها الدين العام حدود الستين مليار دولار، على عدد سكان لا يتجاوز الملايين الأربعة، وطالت فيه الأزمة اسس الاقتصاد الوطني، بحيث أصبح يعتمد بشكل اساسي على الاقتصاد الريعي، المصرفي والعقاري هذا الاقتصاد الأكثر تأثراً بالأزمة العالمية.

إن حزبنا، أمام ما يعاني في وطننا، من تهديد لوجوده، وتدمير لاقتصاده وزيادة معاناة الفئات الكادحة وفقدانها لضماناتها الاجتماعية، وأمام الخطر الدائم الذي يشكله العدو الإسرائيلي على وحدته ووجوده، يخوض نضالات متعددة يجمعها أحرار الحزب على تمثيله للفئات اللبنانية الكادحة.

وينطلق موقف الحزب من هذه القضايا في الترابط بين مستويات النضال الوطنية، السياسية والاجتماعية وبشكل رئيسي تلازم نضاله المستمر، برغم القدرات المتفاوتة، على ممارسة دوره الوطني في تبني نهج المقاومة وكذلك نضاله من أجل التغيير الديموقراطي، الذي أصبح ضرورة لذاته وللحفاظ على وحدة الوطن وللمحافظة على المقاومة وإنجازاتها وبشكل خاص، للدفاع عن مصالح الطبقة العاملة وإنجازاتها.

فإذا كان النظام الطائفي، شكل الحكم الذي اختارته البرجوازية، فإن تغيير هذا النظام باتجاه نظام ديموقراطي علماني، هو مصلحة الفئات الكادحة في لبنان... وفي هذا الإطار كان العام الماضي، وهو المستمر في الحاضر عام التحركات الشعبية، على مستوى «هيئة التنسيق النقابية»، التي اتسع مداها ليشمل الى قطاع التعليم عشرات الآلاف من موظفي القطاع العام، وكذلك بدايات العمل لتأسيس حركة نقابية مستقلة وديموقراطية، بديلاً من الاتحاد الرسمي الذي كان الى جانب الحكومة في مواجهة الطبقة العاملة وذوي الدخل المحدود...

وفي سياق بناء الحركة الديموقراطية الشعبية، يأتي عمل الحزب مع قوى وشخصيات ديموقراطية لتأسيس حراك شعبي في مواجهة الحرب الأهلية الحاضرة، الكامنة حيناً والمتفجرة حيناً آخر، وهذا الحراك الذي سيبدأ قريباً سيعتمد الشعارات التي أشرنا لها سابقاً.

([) الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني