النداء 200 - اليسار العالمي أمام المخاطر

nidaa200.jpg - 44.05 Kb اليسار العالمي أمام المخاطر

د. سليم فارس

إن اللقاء الرابع عشر للأحزاب الشيوعية والعمالية، الذي عقد في بيروت في 22 – 11 – 2012 شكل حدثاً هاماً خاصة وأنه يتم في مرحلة جديدة تتطلب نقلة نوعية في الفكر السياسي اليساري، العالمي والعربي.

هذه المرحلة الجديدة، تشكل حالة نوعية على الصعيد العالمي، حيث تمثلت بظهور سمات مميزة أهمها: الثورة العلمية، التكنولوجية، التي شكلت ثورة في الاتصالات والمعلومات، أدت الى تطور القوى المنتجة وإلى ثورة في الإنتاج، مما قرّب الأسواق من مراكز الإنتاج، فازداد التنافس بين المراكز الرأسمالية، فوضع أمام الاحتكارات مهمات جديدة لمواجهة الكساد الاقتصادي، الذي ترتب على هذه الطفرة، من خلال ايجاد أسواق جديدة تستوعب الزيادة الهائلة للإنتاج، أما السمة الهامة الثانية هي انهيار المعسكر الاشتراكي، وما ترتب عليه من تداعيات على الصعيد العالمي، مما حمّل الولايات المتحدة عبء مسؤولية القطب الواحد.

والسمة الثالثة والمؤثرة، الناتجة عن السمتين السابقتين، هي الأزمة البنيوية التي ضربت المراكز الرأسمالية، مما زاد من عمقها. فكان لهذه الحالة الجديدة أثرها العميق على سير التطور التاريخي لكافة المجتمعات العالمية، سواء على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي السياسي، أم على الصعيد العلمي. مما خلق موازين قوى جديدة كان لها انعكاسات على كافة البلدان العالمية عامة والعربية خاصة، دفعت الامبريالية الاميركية الى التدخلات العسكرية المباشرة (افغانستان، العراق...)، وإشعال الحروب الإقليمية (حرب تموز 2066 على لبنان)، حيث اعلنت فيه إطلاق مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يستهدف تفتيت المنطقة الى كيانات من شأنها أن تؤجج الصراع الطائفي والمذهبي والاثني...

في ضوء هذا الواقع الموضوعي، وما نتج عنه من انتفاضات عربية، التي أدت إلى خلق حالة نوعية جديدة، وفي وضع الهجمة الاسرائيلية المدعومة من الامبريالية، التي تستهدف الشعوب العربية، والتي تمثلت في العدوان على السودان، والآن على الشعب العربي الفلسطيني في قطاع غزة... كل ذلك تبرز الحاجة الملحة الى بذل جهود استثنائية لمواجهة هذه الغطرسة على شعوبنا والتصدي لها.

إننا نحتاج البدء بتدقيق هذا الواقع، على قاعدة إقامة دراسات وأبحاث علمية ملموسة، للتشخيص الدقيق للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، من أجل وضع صياغة عامة، ذات سمات مشتركة بين هذه الأحزاب العالمية، بحيث تستطيع أن تضع خطة لمواجهة عامة، للاحتكارات العالمية، التي تقوم بعملية ربط العالم بشبكة موحدة للتحكم بالانتاج والاستثمار والتوزيع، والظروف المعيشية للناس وما يترتب عليها من عدوانية شرسة، ومن مصادرات للحريات العامة تقوم بها الامبريالية التي تشكل البناء الفوقي لتلك الاحتكارات.

إن قانون تفاوت التطور، لاسيما في البلدان الرأسمالية، يعمق التناقضات فيما بين هذه البلدان، مما يدفع الولايات المتحدة الاميركية، أن تفرض نهجها الاقتصادي والسياسي على المراكز الرأسمالية، بحيث تجعل منها شريكاً يخضع، بنسب مختلفة، لهذا القطب المتسلط وهو الولايات المتحدة، التي توجه سياسة هذه المراكز لإملاءات ومصالح الدولة ذات القطب الواحد.

هذه التناقضات يمكن الاستفادة وعدم الاستهانة بها، ولكن دون المبالغة في تقديرها، مما يطرح أمام الأحزاب الثورية العالمية مهمات سياسية تكتيكية في ضوء البعد الاستراتيجي لهذه الأحزاب.

إن الممارسات العسكرية والسياسية، التي قامت بها الولايات المتحدة الاميركية على الصعيد العالمي، وما تسعى الى تحقيقه، هو توجهها الى تغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلدان التابعة بشكل يتكيف مع متطلبات التمركز الاحتكاري، لأن البنية القديمة، لم تعد تفي طموحات هذه الاحتكارات، بحيث تتمكن من فرض أشكال جديدة، وذلك باعتماد اساليب متطورة لإحكام التبعية التي تشمل العالم بأسره. وهي تعمل على تغيير أشكال العلاقات السياسية وكافة البنى، وما يتعلق بها من نظم تكرس الهيمنة الرأسمالية، وتشدُ وثاق التبعية لتلك الاحكتارات.

كل ذلك يعكس الأزمة البنيوية العميقة للامبريالية، التي تحاول الهروب منها وتصديرها الى البلدان التابعة. لذا اعتمدت أساليب متعددة من أجل التغلب على الأزمة. مما يضع أمام الأحزاب الثورية العديد من المهمات التغييرية. وهذا يقتضي البحث عن التناقضات وتجسيدها بشكل ملموس في كل بلد وفق خصوصيته الوطنية، والعمل على تغيير هذا الواقع، والتحرر من الهيمنة المطلقة لرأس المال العالمي، الذي يهدد مصالح فئات اجتماعية واسعة، بحيث يترتب على هذه القوى والأحزاب الشيوعية والعمالية، أن تأخذ هذه الفئات ومصالحها بعين الإعتبار في وضع خططها العملية وأساليبها السياسية والجماهيرية، وذلك وفق ما تفرضه العلاقات الديالكتيكية بين الاستراتيجية والتكتيك، حسب ما تقتضيه إتساع دائرة الصراع الطبقي، التي أصبحت تشمل الآن فئات أوسع في الإطار الاجتماعي، مما كانت عليه سابقاً، في دائرة الاستغلال المباشر لرأس المال، أي لم تعد محصورة بالطبقة العاملة وحدها. وانعكاساً لهذه المتغيرات، ظهرت قوى وحركات يسارية جديدة، قد لا تتطابق مع الأحزاب الشيوعية والعمالية التي كانت قائمة، وما زالت، وقد تكون هذه الأحزاب الجديدة مختلفة لجهة المعايير التي اعتمدتها الأحزاب في زمن المعسكر الاشتراكي، ولكن رغم أن هذا الاختلاف هو واقع موضوعي، إلا أن هذا يحتم الوصول الى صيغة تتلاءم مع كافة الاطراف، من أجل التصدي الى الدور الذي تلعبه الامبريالية في مجرى تطور البلدان الرأسمالية عن طريق تعزيز موقع النظام التبعي في البلدان المذكورة، وتقوية هذا الارتباط من خلال إحكام السيطرة الامبريالية، التي تشكل البناء الفوقي للاحتكارات من أجل سيطرتها على البلدان التابعة ونهب خيراتها.

أمام هذا الهجوم لرأس المال الاحتكاري، والذي يتمثل بشكله المرابي من جهة، وذلك من خلال تصدير رأس المال كسلعة إلى البلدان التابعة، وتحقيق أرباح كبيرة من فوائد هذه الأموال، ومن جهة ثانية تقدم بشكل مساعدات مشروطة وفق معايير صندوق النقد الدولي، الذي لا يسمح باستخدام هذه الاموال وتوظيفها في القطاعات الإنتاجية، مما يعزز تبعية هذه البلدان لاحتكارات رأس المال المالي. فيزداد الفقر، وتتسع رقعة البطالة، ومصادرة الحريات، وكل انواع القهر... ناهيك عن الترويج للخصخصة من أجل تصفية القطاع العام، كذلك إنهاء دور الدولة الاقتصادي في البلدان التابعة، وذلك حتى يتسنى للامبريالية امتصاص المزيد من خيرات الشعوب.

في ضوء ذلك، يُطلب من الأحزاب المجتمعة أن تقوم بعملية تطوير جذري على الصعيدين الاستراتيجي والتكتيكي، حيث يطال هذا التطور، أساليب العمل بما يتناسب في تطورات العصر، وضرورة التركيز على الإعلام كسلاح فعال، واستخدام الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب من أجل نشر الوعي في أوساط واسعة من الجماهير. مستفيدين من التناقضات الثانوية بين المراكز الرأسمالية، ومن مخاطر مخططات الامبريالية على شعوبنا.

كما أنه يتوجب على القوى الثورية التغييرية أن تضع تصوراتها حول عدد من المسائل الهامة، مثل، السيادة الوطنية وما تتضمنه من محتوى عميق، وبناء الدولة الديمقراطية الحقيقية، التي ترتكز على رؤية عصرية، من أجل عملية التغيير على مختلف المستويات، وطرح وسائل وأساليب تحقيق هذا التغيير، والأشكال النضالية في كل بلد حسب ظروفه، مع مراعاة المتغيرات الداخلية في كل من البلدان التابعة وعلى صعيد العالمي، ذات السمات المشتركة بين كافة البلدان وحركتها التحررية، لمنع استخدام سلطات البرجوازية التابعة من إقامة الحكم الأمني وقمع الحريات ومصادرة حقوق المواطنين.

إن هذه التوجهات ترتب مهمات كبيرة على مختلف المستويات، لا سيما الفكرية منها، لتطوير المفاهيم العصرية، بما يتلاءم مع التغيرات وما يرافقها من ثورة علمية تكنولوجية وتأثيراتها على الإنتاج. بالإضافة إلى المهمات السياسية الميدانية، ومواجهة ما تقوم به القوى الرجعية المتحالفة مع الامبريالية والصهيونية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، ومنعها من تجيير المتغيرات العربية التي صنعتها الشعوب، من إقامة أنظمة رجعية متجددة، تكرس التبعية تحت مسميات دينية.

هذه المنطلقات من شأنها أن تعمق النضال الطبقي على الصعيدين العالمي والعربي، مما يؤكد على أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الأحزاب الشيوعية واليسارية العالمية والعربية، في تشكيل منعطف من شأنه تغيير المسار في عملية التصدي لمخططات الامبريالية والسير على طريق بناء الاشتراكية.