مرسي يعلن الحرب

safir 7-12.jpg - 10.72 Kb  1

رفعوا الأحذية.

هذا ما فعله المتظاهرون أمام قصر الاتحادية وميدان التحرير، رداً على خطاب المرسي المتلفز. الرد الآخر كان في المقطّم، حيث المقر الرئيسي لجماعة الإخوان المسلمين الذي اندلعت فيه النيران، بينما المرسي يختتم واحدا من أعجب الخطابات السياسية في تاريخ مصر، والذي سيسجل باسمه كأرشيف لكل خطابات الطغاة، ففيه من كل طاغية علامة أو عنوان أو إشارة.

فهو يعلن الحرب على المعارضة ويهددها، ويدخل مستمعيه في متاهة تلو متاهة، هل ألغى المادة السادسة من الإعلان أم لا؟ وما الذي يعنيه بالضبط «لا أصر عليها»...

المادة تمنح المرسي سلطة مطلقة في استصدار الإجراءات اللازمة لحماية البلاد من أي خطر، لكنه في خطابه استمر في تفسيرها وطمأنة «من أقلقته» المادة أنه لن يستخدمها... وفي النهاية «لست مصراً عليها...».

ماذا يعني هذا سياسياً؟ هل ألغيت؟ أم انه إعلان رغبة بالطمأنة؟ أو بوضعها عنواناً للمساومات في موعد مع المعارضة كلها، يوم السبت المقبل الساعة الثانية عشرة ظهراً، أي عملياً، والاستفتاء على الدستور المغضوب عليه، قيد التنفيذ... حيث سيبدأ تصويت المصريين في الخارج في نفس اليوم.

2

لكنه بالطبع خطاب عجيب.

فهذه هي المرة الأولى التي يعطي فيها رئيس مواعيد مع معارضيه على الهواء مباشرة، وبدون أن يحدد برنامجا أو أجندة، أو من هي القوى التي «تحب البلد» ويدعوها للحوار حول المصلحة العامة.

بالضبط كما لم يعرف أحد ما هي «المعارضة الكويّسة « بالتعبير المصري، أو التي يحبها المرسي ويوافق عليها بشرط «ألا تعمل حاجات غلط «...؟

ما هي معاييرها؟ أو ما هي بالضبط، وإن هاجمت ميليشيات مدججة بالأسلحة وبالشبيحة تابعة للجماعة التي ينتمي إليها المرسي، الاعتصام السلمي «المشروع» أمام قصر الرئاسة؟

المرسي تصور أن متاهته تصنعها التفاصيل، فتحدث عن مؤامرات تحاك في مكاتب، وأموال تأتي في الطائرات، وأذيال للنظام السابق تخطط لإسقاط «الشرعية»، ولأن يشعر باللذة كاملة من حديث المؤامرة، فكان يحشره بدون سياق في وسط أية جملة بما فيها دعوته إلى الحوار البنّاء مع المعارضة.

3

كيف سيكون الحوار؟

الملفات تجهز عند جهات التحقيق، والإعلام بدأ مبكراً تحضير قوائم الممنوعين من الظهور، ليس الإعلام الحكومي وحده، ولكن حتى إعلاما خاصاً مثل قناة «CBC» التي منعت ظهور حمدين صباحي في نفس ليلة خطاب المرسي، ما دفع المذيع إلى الاستقالة على الهواء... وهذا للمفارقة يحدث في قناة اتهمت منذ نشأتها بأنها لـ«الفلول»، أي بقايا نظام مبارك.. فما بالك بالقنوات الأخرى العارية من التغطية السياسية حين ترن الهواتف بالتهديدات أو بفتح الملفات...؟

4

ليس لدى المرسي غير الصدام إذن.

جماعته تريده وتعتبره مخرجها الأخير من أزمة أصبحت فيها في مواجهة «مصر كلها»... وهو يهرب إلى الأمام بعد أن عانى من هروبه الفعلي أمام مظاهرات شارك فيها ملايين من الغاضبين على إعلانه وعناده في فرض دستور إخواني يمرر دعائم الدولة الدينية بامتياز.

وبالرغم من أن هذا في التاريخ يسمى «العمى السياسي» الذي يقود البلاد كلها إلى حافة هاوية لم تعرفها حتى في لحظات سقوط مبارك، الذي كانت لغة خطاباته الأخيرة تميل إلى التهدئة والاسترضاء واستدرار العواطف، وهي لغة استخدمها المرسي ولكن من اجل أن يستعيد سحر الاضطهاد الذي فقدته جماعته، فهو يتكلم كضحية لديها قوة وستستخدمها .

وهذا منتهى أمل الجماعة التي يبدو المرسي الآن مندوباً لها أكثر من كونه رئيساً يرى بلاده في لحظة خطر، فالحديث عن المؤامرة بنبرة التهديد بعد ليلة دموية، يفقد الرئيس حياده المتخيل أو المصطنع حتى.

5

الخلطة كلها إذن: قمع حريات، وتهديد بتلفيق قضايا، وميليشيات مسلحة تحركها جماعة سرية... هذا ما لدى السلطة الآن. أما المعارضة فأمامها جمعة اسمها «الكارت الأحمر» ترفعه في وجه الرئيس الذي فوجئ به من انتخبه قبل من رفض انتخابه أو قاطع الانتخابات. أمامها أيضاً مواجهة مع تحركات إسلاميين يهددون بمليونيات أخرى، بعضها متجه إلى مدينة الإنتاج الإعلامي لحصار الفضائيات، وبعضها يهدد بالهجوم على ميدان التحرير، وكل هذا وسط تحقيقات حول «مجزرة الاتحادية»، تطالب جبهة الإنقاذ بتعيين قاضٍ محايد للإشراف عليها.

والكلام عن الحياد هنا، هو رد فعل عادي على خطبة أعلن الرئيس فيها انحيازه التام لخطاب جماعته وميليشياتها المسلحة وروايتها الخرافية الكاذبة عما يحدث في مصر الآن... هل هو صدام جديد؟ أم نهاية متعجلة؟

أم أنها جولة من أجل كسب الوقت، ليتحول دستور الإخوان كما يريدون أنفسهم «أمراً واقعاً»؟

سنرى.