فقراء لبنان عبيد أثريائه

فقراء لبنان عبيد أثريائه
 
مهند علي الحاج
مبروك للبنانيين دخول بلادهم اليوم نادي الدول المنتجة للموارد الطبيعية بعدما اقتصر معظم التصدير لقرون على اللحم البشري الحي. بعد موافقة الحكومة اللبنانية على تلزيم بلوكين جنوبي وشمالي هما 4 و9، لتجمّع من ثلاث شركات هي توتال الفرنسية وايني الايطالية ونوفوتك الروسية، باتت "المشاريع الكبرى" على سكة الانجازات. بكلام آخر، ستشهد السنوات المقبلة نمواً اقتصادياً متسارعاً.

لكن وفي خضم الإعلانات الايجابية، ينفع التطرق إلى آفة تعصف بالسياسة الاقتصادية اللبنانية منذ نهاية الحرب الأهلية في مطلع تسعينات القرن الماضي: اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء في لبنان. الفريق الأول يزداد ثراءّ، والثاني فقراً.

وهذه هُوَّة تبيّن أخيراً أنها قياسية على صعيد العالم، وفقاً لدراسة أعدها الاختصاصي الشهير في هذا المجال توماس بيكتي، مع الباحثين ليديا أسود (طالبته السابقة) وفاكوندو ألفاريدو، اعتماداً على بيانات حصلوا عليها من تصاريح ضرائب الدخل في وزارة المالية، ومن استطلاعات على الأرض.

وبيكتي، بروفيسور اقتصاد فرنسي ومؤلف سطع اسمه في العالم الغربي بعد نشر كتابه "الرأسمال" الذي كشف مكونات الهوة الأبدية بين الفقراء والأغنياء. لكن المفاجأة الكبرى لبيكتي وأسود وألفاريدو في دراستهم الأخيرة كانت أن هذه الهوة أكثر اتساعاً في الشرق الأوسط، منها في أوروبا أو الولايات المتحدة أو أي مكان آخر من العالم. بناءً على الأرقام لُبنانية المنشأ، اكتشف الباحثون أن حُصّة أثرى 10 في المائة من السكان تبلغ 61 في المائة من الدخل الوطني، مقارنة بـ36 في المائة في أوروبا الغربية و47 في الولايات المتحدة و55 في البرازيل. الأخيرة مثال مهم نظراً لتاريخ العبودية فيها، وانعدام المساواة المتجذرة نتيجة هذا الماضي. رغم ذلك، فإن لبنان تفوّق على البرازيل في انعدام المساواة بين السكان.

الفقراء ومتوسطو الحال يزدادون فقراً نتيجة تدهور القيمة الشرائية لرواتبهم، نتيجة ارتفاع الأسعار. فلو أنك لبناني تنتمى الى فئة الـ90 في المائة من السكان غير المحظوظين، فإنك لا تزاحم غيرك فحسب على الـ39 في المائة المتبقية من الدخل، بل تُعاني أيضاً من ارتفاع في الأسعار يُضعف القدرة الشرائية، ولا يُوازيه نمو متناسق في الدخل.

هل تذكرون فقاعة العقارات، عندما كان سعر الشقة يتضاعف في غضون شهور قليلة؟ في تلك السنوات، 2005 إلى 2008، "كان عدم المساواة (اقتصادياً) يرتفع"، بحسب الدراسة الآنفة الذكر، رغم وصول النمو الاقتصادي إلى مستوى قياسي (9 في المائة) في عامي 2007 و2008. بكلام آخر، تنمو ثروات الأغنياء، ويراوح الفقراء مكانهم.

تماماً كما في تلك الفترة، سيُسجّل الإقتصاد اللبناني على الأرجح نسبة نمو أعلى في العام المقبل، نتيجة اقرار المشاريع الكبرى وتحفيز الاقتصاد بقروض من خلال مصرف لبنان. لكن هذا التعافي لن ينعكس ايجاباً على أبناء الطبقة الوسطى وما دونها، أي الغالبية الساحقة من السكان، إن كان من خلال زيادة عدد الوظائف المتوافرة سنوياً أو رفع مستوى الأجور أو تعزيز القدرة الشرائية. هذا لن يحصل. جُلّ ما في الأمر أن نخبة مالية لا تُمثل سوى نسبة بسيطة جداً من مجمل السكان، ستحصد الفوائد الكبرى من النمو الاقتصادي.

والخطب هنا بُنيوي، إذ أننا في نظام يُغذي الفقر تلقائياً، ويُضاعف ثروات أغنيائه. بيد أن النموذج الاقتصادي الذي أرسته الحكومات المتتالية بعد الحرب وفي زمن اعادة الاعمار، بُني على انشاء الحوافز لاستقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات، غالباً في مجالات لا تخلق فرص عمل للخريجين، كما يحصل في القطاع العقاري.

أبعد من ذلك، الحكومة اللبنانية انتهجت منذ الحرب سياسة اعفاء الأثرياء من الضرائب وزيادتها على الفقراء. في 14 كانون الأول/ديسمبر 1993، أقرت الحكومة اللبنانية قانون ضرائب جديد، يُلغي عملياً الضريبة التصاعدية على الدخل، المعمول بها سابقاً والقريبة الى النظام الأوروبي. للأثرياء، خُفضت الضريبة في الشريحة الأعلى أضعافاً؛ من 43 في المائة الى 10 في المائة. في المقابل، استهدفت الحكومة اللبنانية ضريبياً الغالبية السكانية الفقيرة والمتوسطة الحال، إذ فرضت ضريبة القيمة المضافة (VAT) ورسوماً جمركية وعلى المعاملات (الهوية وجواز السفر والطوابع وغيرها). كما أهملت المرافق العامة، سيما التعليم الرسمي الجامعي والمدرسي. كل ذلك في سبيل جذب المستثمرين.

في النتيجة، باتت هناك طبقة لبنانية كاملة تزداد معيشتها كلفة، سكناً ومأكلاً ومواصلات من دون ارتفاع عادل في الرواتب يُوازيها. أبناء وبنات هذه الطبقة يتراجع مستواهم التعليمي سنوياً، وتتضاءل فرصهم في الخروج من دوامة الفقر.

في المقابل، تتضاعف ثروات الـ10 في المائة المستفيدين من أي نمو أو تطور اقتصادي. هذه عبودية لن تتفكك قيودها بأي نمو اقتصادي، بل بإصلاح نظامنا الضريبي غير العادل.
 
المصدر: "المدن"
فقراء لبنان عبيد أثريائه