أقوى مغنطيس في العالم بقوة 33 تسلا

أقوى مغنطيس في العالم بقوة 33 تسلا
 
تغيّر مفهوم العلم للمواد الفائقة التوصيل منذ عام 1986 حتى اليوم، مع الوصول تكراراً إلى موصلات فائقة جديدة من مواد مركّبة تسمح بتخطي مقاومة التيار وتتيح بناء مغنطيس فائق القوّة نتيجة التيّار الكهربائي المتدفّق.
عمر ديب
في الأسبوع الماضي توصّل العلماء إلى أقوى مغنطيس فائق التوصيل superconducting magnet في العالم، حيث حطّم الرقم القياسي لأقوى الحقول المغنطيسيّة المماثلة الموجودة اليوم. وقد وصلت قوّة هذا المغنطيس إلى 33 تسلا Tesla، وهي وحدة قياس الحقول المغنطيسيّة، متفوّقاً على الرقم السابق الذي وصل إلى 25 «تسلا» سابقاً.
ولتقدير قوّة هذا الحقل، فهو يبلغ 3000 ضعف قوّة المغنطيس الصغير العادي الذي نعرفه في حياتنا اليومية. يتوّج هذا الخرق 40 عاماً من التراكم والعمل المشترك لتطوير المغنطيس الفائق التوصيل، وهو يعَدّ خطوة ثورية في العلوم المغنطيسيّة وفي الجانب التكنولوجي. الجانب المهم من هذا التطور سيأخذ طريقه إلى تطبيقات متنوّعة بدءاً من ماكينات تصوير الأشعة التي تعتمد على الحقول المغنطيسيّة مثل X-ray وتصوير الرنين المغنطيسي واختبارات التصادم النيوتروني والاختبارات المخبريّة العلميّة وغيرها.
أعطي المغنطيس الجديد اسم «32T»، نسبةً إلى قوّة حقله المغنطيسي، وهو يتشكّل من خليط من مواد منخفضة حرارة التوصيل الفائق ومرتفعة حرارة التوصيل الفائق، حيث ينساب التيار الكهربائي بسلاسة ودون أيّة مقاومة بعكس ما يحصل في المواد غير الفائقة التوصيل مثل النحاس، حيث يشهد التيّار الكهربائي مقاومة تؤدّي إلى خسارة الطاقة عبر توليد الحرارة التي تتسرب إلى الخارج خلال هذه العملية. وهذه العملية مكلفة نتيجة خسارة الطاقة الكبيرة خلالها.
المغنطيس الذي يعمل اعتماداً على مواد ذات مقاومة مرتفعة مثل النحاس يسمى المغنطيس المقاوم، وهو يمكن أن يكون ذا قوّة فائقة جدّاً، وقد حقّق هذا النوع من المغنطيس رقماً قياسيّاً جديداً هذه السنة أيضاً، إذ وصل إلى 41 تسلا، وهو ما يفوق المغنطيس الفائق التوصيل، لكن مع خسارة كبيرة جدّاً في الطاقة خلال هذه العملية، ما يجعلها أقلّ كفاءةً بنحو شاسع. وبسبب مقاومتها للتيار الكهربائي، يبلغ استهلاكها أضعاف استهلاك مثيلاتها الفائقة التوصيل. وعلى سبيل المثال، احتاج المغنطيس المقاوم المذكور إلى قدرة كهربائيّة وصلت إلى 32 ميغاوات، وهي طاقة كافية لتشغيل 8 آلاف منزل عادي.

موصلات فائقة ذات حرارة متدنيّة ومرتفعة
تعود بدايات هذا الاكتشاف العلمي إلى عام 1911 في دراسات نظرية وجدت طريقها إلى التنفيذ لاحقاً، غير أنّ هذه الظاهرة تحصل ضمن هوامش وشروط وحدود واضحة. إذ تعمل هذه المواد بهذه الطريقة عادةً على درجات حرارة فائقة الانخفاض تصل إلى نحو 255 درجة مئوية تحت الصفر، لذلك يقال إنّها ذات حرارة متدنيّة. وبالتالي يجب أن يحافظ العلماء على هذه الحرارة المتدنيّة للمواد طوال فترة استعمالها في هذه الحالة المغنطيسية الفائقة.
 
وصلت قوّة هذا المغنطيس
إلى 33 تسلا أو 3000 ضعف قوّة المغنطيس الصغير العادي

في التطبيقات العمليّة كما في ماكينات تصوير الرنين المغنطيسي MRI، التي تحتاج إلى حقول مغنطيسيّة فائقة القوّة، يجب إبقاء المغنطيس العامل فيها على درجات حرارة فائقة الانخفاض. ويجري الوصول إلى هذه الحرارة بإحاطتها بالهيليوم السائل الذي يبرّدها إلى الحرارة المنشودة. هذا الحل المرتبط بالتبريد الدائم يُعَدّ حلّاً مكلفاً، لكنّه أقلّ كلفةً من الطاقة التي يخسرها المغنطيس العادي المقاوم لو أردنا تحميله حقلاً مغنطيسياً موازياً. لكن في عام 1986، اكتشف العلماء مغنطيساً فائق التوصيل يمكن أن يعمل على درجات حرارة أعلى سُمِّيَت الموصلات ذات الحرارة المرتفعة (نسبيّاً). ولهذا الاكتشاف أهميّة قصوى نتيجة التوفير الحاصل في الطاقة وفي الحاجة إلى التبريد المنخفض جدّاً، أيضاً نتيجة قدرتها على الوصول إلى حقول مغنطيسيّة أقوى دون أن تتوقّف عن العمل.
المغنطيس الجديد
من خلال المزاوجة بين التقنيتين المستعملتين في مجال الحقول المغنطيسية الفائقة القوّة، استطاع الفريق تخطّي العوائق التي تمنع من الوصول إلى حقول أكبر من حدود قصوى معيّنة. وقد استعملت في هذا المغنطيس الجديد مواد مبتكرة ومركّبة من اليتيريوم والباريوم والنحاس والأوكسيجين، وهي تتحوّل إلى موصلات فائقة القوّة على درجة حرارة تبلغ نحو 180 درجة تحت الصفر، وهي تعَدّ مرتفعة نسبيّاً. وقد أخذ تطوير هذا المغنطيس عدّة سنوات من العمل في التصاميم والتقنيات المرتبطة بتفاصيل كثيرة صعبة مثل العزل الحراري والبنى الهيكلية القادرة على تحمل الحرارة والحقول المغنطيسية، وأنظمة التبريد وأنظمة التخلّص من الحرارة غير المرغوب فيها.
وقد فتح هذا الاكتشاف ميادين واسعة، إذ إنّ هذا الابتكار ليس سوى أوّل الطريق، وقد يصل العلماء يوماً ما (قد لا يكون بعيداً) إلى مضاعفة الحقول المغنطيسيّة بشكل كبير تفوق قوتها 100 تسلا. وهذا الأمل يعود إلى حقيقة أن المواد الضرورية والمطلوبة موجودة كلّها اليوم، وما يحتاجه العلم للوصول إلى المغنطيس الفائق الأقوى لن يحتاج إلا لتكنولوجيا وأموال للبحث والتطوير. سيدخل المغنطيس الجديد خطّ الخدمة العملانيّة قريباً، وسيتمكن العلماء والباحثون من اختباره في مجالات عديدة في الكيمياء والبيولوجيا والفيزياء.
إنّ العمل مستمرّ على تطوير حقول مغنطيسيّة أقوى نظراً لتطبيقاتها البحثية والطبية وغيرها، وهو مجال تنافسي ليس محصوراً عند دولة محددّة، بل تعمل عليه فرق علميّة منوّعة في مختلف دول البحث العلمي بدءاً من اليابان الرائدة في هذا المجال، والصين وصولاً إلى روسيا وأميركا والدول الأوروبية، أملاً بالوصول إلى امتلاك الريادة في علوم المواد والموصلات فائقة القوّة وما يتبعها من حقول مغنطيسيّة جبّارة.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر
| omar1deeb@