هل للشركات متعددة الجنسيات موطن؟

 
هل للشركات متعددة الجنسيات موطن؟
 
جوني بيلامي فوستر

لطالما هيمن على النقاشات المتعلقة بالشركات متعددة الجنسيات، سواء لدى اليمين أو اليسار، ثلاث قضايا متداخلة:

(1) أسباب نشوئها. 

(2) التمييز بين الشركات متعددة الجنسيات والعمليات الدولية للشركات، وأيضاً إمكانيّة ظهور شركات عابرة للحدود الوطنيّة بشكل كلي.

(3) المدى الذي يمكن فيه لهذه الشركات العملاقة المتداخلة عالمياً أن تحلّ محلّ الدول نفسها. إضافة إلى ذلك، وفي إطار النظرية الماركسية، درج سؤال عن كيفيّة نشوء مثل هذه الشركات التي أوجدها التمويل الأجنبي المباشر، والتي يمكن لها أن تحوّل نظريّة لينين عن الإمبرياليّة التي ركزت على تصدير رأس المال، بشكل رئيس عبر صيغ استثمار سندات ماليّة. اليوم، تزودنا التحليلات المبكرة عن علاقة الشركات متعددة الجنسيات بالإمبرياليّة، والتي طورها المنظرون الماركسيون في الستينيات والسبعينيات، بالأدوات الناقدة اللازمة لفهم الإمبريالية الجديدة لرأس المال المالي العالمي الاحتكاري، والمتجذرة في الموازنة بين العمالة العالميّة.

تعريب وإعداد: عروة درويش

نشرت صحيفة بزنس ويك في نيسان/أبريل 1963 تقريراً خاصّاً بعنوان: «الشركات متعددة الجنسيات»، تناول التدويل المتزايد للأعمال التي تقوم بها شركات الولايات المتحدة. ورد في المقال: «قد يملئ مصطلح متعددة الجنسيات الفم، لكنّه يؤدّي دور الخطّ الفاصل بين المؤسسات الموجهة للداخل والتي لديها عمليات دوليّة، وتلك الشركات الموجهة ناحية العالم». وبعد أقلّ من عام، في حزيران/يونيو 1964، قالت وكالة (أخبار الولايات المتحدة والعالم) بأنّ شركات الولايات المتحدة لم تعد تعتبر الولايات المتحدة كأرض خصبة لتحقيق الربح. بدلاً من ذلك، باتت الشركات تتطلّع خارجاً للأسواق المربحة وفرص الاستثمار على حدّ سواء. وذلك يبدو من التوسّع السريع في الاستثمار الأجنبي المباشر مع التركيز على التصنيع، وكذلك يبدو من «عائدات النمو السريع» من مبيعات المصانع المملوكة لشركات الولايات المتحدة في الخارج. لقد كانت «مغامرة» عالميّة مربحة ولا يمكن وقفها. وكما قال التقرير في افتتاحيته: «تغطّي الأعمال الأمريكيّة، وكذلك رجال الأعمال السريعون الذين يديرونها، الكوكب هذه الأيام».

مالت الكثير من التحليلات السائدة للشركات متعددة الجنسيات منذ البداية، وكذلك الكثير من تحليلات اليسار الشائع، إلى رؤية هذه الشركات بوصفها منفصلة عن الدول القوميّة، مشكّلة قوى اقتصاديّة مستقلّة تماماً. تتلاءم هذه الرؤية بالتأكيد مع النظرة الاختزاليّة التي ترى بأنّ الدولة واللاعبين الاقتصاديين كيانين منفصلين، بدلاً من كونهما كيانين متكاملين من الناحية الهيكليّة، ضمن أنماط الإنتاج التاريخيّة أو التشكيلات الاجتماعية.

كتب الاقتصاديّ النيوكلاسيكي كيندلبرغر في عام 1969 بأنّ الشركات الوطنيّة التي تملك عمليات خارجيّة كانت «في طور التطوّر إلى شركات متعددة الجنسيّة، وتُظهر إشارات على التطوّر النهائي إلى شركات دوليّة»، منفصلة عن الدولة القوميّة. وقد احتجّ كيندلبرغر خطأ، متوقعاً مفاهيم لاحقة خاطئة عن العولمة، بأنّ: «الدولة القوميّة على وشك الانتهاء بوصفها وحدة اقتصاديّة».  

بعد ثلاثين عاماً، تمّ طرح نفس النظرة العامّة في سياق النقاش المتجدد حول العولمة، وهو النقاش البعيد عن الوصف الذي قاله بارنت ومولر: «عولمة رأس مال احتكار-الأقليّة the globalization of oligopolistic capitalism». عوضاً عن ذلك، قامت أيديولوجيا خطاب العولمة الحاكم في التسعينيات بإعادة ابتكار الشركات متعددة الجنسيات بوصفها شركات عابرة للحدود أو حتّى فوق الوطنيّة، ممّا يشكل نوعاً من كينونة محايدة أو وحدة وظيفيّة في السوق العالميّة، كينونة منفصلة بشكل متزايد عن الدول وعن القوى السياسيّة-الاقتصاديّة. وعليه فقد ميّز مرشد الإدارة بيتر دراكر في عام 1997 بين الشركات «العابرة للحدود الوطنيّة» وبين «متعددة الجنسيات»، مجادلاً بأنّه رغم أنّ جميع الشركات لا تزال منظمة كشركات متعددة الجنسيات بشكل تقليدي (بمعنى شركات وطنيّة ذات فروع أجنبيّة)، فقد كانوا يتحولون بسرعة إلى شركات عابرة للحدود الوطنيّة، «حيث تصبح الحدود الوطنيّة غير مهمّة». وأكّد دراكر: «بأنّ الشركات العابرة للحدود الوطنيّة ترى نفسها ككيانات مستقلّة غير وطنيّة، وبأنّ (الوحدة unite) الاقتصاديّة الوحيدة أمامها هو العالم». ويجادل دراكر بأنّ النتيجة لذلك هي أنّ الدولة القوميّة ستتغيّر بشكل كبير رغم أنّها ستنجو من العولمة الاقتصاديّة، «وخاصّة في السياسات النقديّة والماليّة المحليّة، والسياسات الاقتصاديّة الخارجيّة، والسيطرة على الأعمال ذات الطابع الدولي، وربّما في إدارتها للحرب». لقد فشلت تحليلات دراكر، من ناحية الصفات المميزة، في التفريق بين العلاقات بحدّ ذاتها، التي تربط الشركات متعددة الجنسيات مع الدولة القوميّة. وذلك باعتمادها على كون الدولة القوميّة في قلب أو في محيط اقتصاد العالم الرأسمالي.

وفي مقاربات شهيرة أخرى على ذات المنوال، قال المنظّر جيوفاني أريغي الذي اعتمد على «كلفة العمليات» بدلاً من الاعتماد على النظريّة الماركسيّة، في عام 1994: «لقد تطوّرت الشركات العابرة للحدود الوطنيّة لتصبح نظاماً عالمياً للإنتاج والتبادل والتراكم، والذي لم يكن خاضعاً لسلطة أيّ دولة ولديه القوّة اللازمة ليُخضع لقوانينه الخاصّة أيّ عضو في نظام دولة مختلط، بما في ذلك الولايات المتحدة». لقد أدرك هذا الحجاج الفرق بين المركز والأطراف، وبالغ في فكّ الارتباط بين هذه الشركات وبين الدول الواقعة في مركز هذا النظام.

قام باران وماغدوف وسويزي بالحطّ من شأن جميع المحاولات، الواقعة ضمن الإيديولوجيا الاقتصاديّة المهيمنة، لصياغة رؤية للشركات متعددة الجنسيات على أنّها مستقلّة عن الدول وتتفوّق على بنى الدول، وقاموا بنقض الادعاءات الموجودة بشكل متكرر في «الآداب الدفاعيّة». قال ماغدوف وسويزي بأنّ الشركات العملاقة المتوسعة على طول الكوكب، رغم تدفقات الاستثمار ودرجة تشابك الإدارة وتوظيف الإدارة الأجنبيّة، تستمرّ بكونها متعددة الجنسيات، «بمعنى أنّها تعمل في عدد من الدول»، بينما يبقى لها «مقرّ واحد». لقد تمّ توجيه هدف تعظيم الربح ناحية «المجموعة ككل»، والمجسّد في الشركة الأم، وذلك بدلاً من كونها موزعة «على أساس كلّ دولة على حدة». ومع ذلك، فإنّ مقرّ الإدارة المالي ومركز التراكم والسيطرة النهائيّة تبقى وطنيّة. إن قام المستثمرون الفرنسيون بالاستثمار في شركة أمريكيّة، فهذا لا يعني أنّ رأس المال الذي تملكه الشركة هو فرنسيّ وأمريكي بشكل متساوي، بل يعني بأنّ الشركة الأمريكيّة بشكل أساسي كانت قادرة على استخدام المال الفرنسي في عملياتها. لقد بقيت الشركات متعددة الجنسيات مرتبطة بدول وطبقات معينة، وذلك لأسباب تاريخيّة وسياسيّة واقتصاديّة لم تكن عرضة ليتمّ تجاوزها، بسبب أنّ الرأسماليّة بحدّ ذاتها كانت نظاماً موزعاً على دول قوميّة، وكذلك على طبقات معينة.

ورغم أنّ الشركات متعددة الجنسيات تعمل في الكثير من البلدان وتأخذ في اعتبارها الأسواق والإمكانات في جميع هذه البلدان، وذلك لصالح الشركات متعددة الجنسيّات ككل، بما في ذلك الشركات الأم والشركات الفرعيّة التابعة لها في جميع النواحي الحاسمة، فإنّ الشركات متعددة الجنسيات مثّلت الصورة الرئيسيّة لرأس المال القومي المرتبط بدول محددة والمتركز في جوهر النظام. القضيّة الرئيسيّة هنا هي السيطرة.

شدد ماغدوف وسويزي في «ملاحظات على الشركات متعددة الجنسيّات» على أنّ رأس المال ليس مجرّد ظاهرة كميّة، بل كان مبنياً أيضاً على علاقات نوعيّة، وتحديداً العلاقات الاجتماعيّة للطبقة واللامساواة والملكيّة. إنّ رأس المال في جوهره هو «علاقة الاستغلال بين الطبقة المالكة والطبقة العاملة». لكن هذا كان أمراً معقداً تبعاً لحقيقة أنّ الطبقة العاملة تشمل عدّة فئات في حدّ ذاتها، في حين أنّ الطبقة الرأسماليّة كانت متجانسة وهرميّة، ومقسمة إلى فئات طبقيّة متنوعة. للدول القوميّة علاقة بهذه الشبكة من العلاقات الهرميّة، حيث تمتلك بعض الشركات والرأسماليون رأس مال أكبر وبالتالي سطوة أكبر من غيرهم. لقد كتب ماغدوف وسويزي: «لأسباب تعود إلى أصول الرأسماليّة، لطالما كانت الانقسامات الأعمق والأكثر تعميراً داخل طبقة الرأسمال العالمي متوافقة مع الخطوط الوطنيّة». ولهذا فإنّ رأس المال دون دولة أمرٌ «غير قابل للتصوّر».

للفكرة القائلة بأنّ رأس المال لا يزال في جوانبه الهامّة مرتبطاً بالدولة، جذور أعمق من مجرّد التصريح حول التقسيمات المبنيّة على الدول القوميّة. عبر التاريخ، كانت الدولة تلعب دور حامي رأس المال في مواجهة النضال الطبقي الذي كان عنيفاً في الغالب. وكان لها دوماً دور في الحفاظ على العلاقات الاستغلاليّة بين الطبقات من خلال الإكراه. وقامت الدول أيضاً بحماية حقوق شركاتها الاقتصاديّة الكبرى في الخارج. ولهذا «يجب أن يكون لرأس المال موطن». وقام هايمر أيضاً بالتأكيد على أهميّة الموطن بالنسبة للشركات: «لموطنها أهميّة قصوى، لأنّه يؤثّر على الطريقة التي تتصرف، وهو يؤثّر على المعاملة التي تتلقاها».

*موقع «قاسيون» الإلكتروني

هل للشركات متعددة الجنسيات موطن؟

 

Last Updated (Monday, 01 January 2018 23:31)