الخميس، تشرين(۱)/أكتوير 29، 2020

كلمة المحامي نزار صاغية في ختام تظاهرة ١٧ تشرين "المواجهة مستمرة" (فيديو).

لبنان
من أمام مرفأ بيروت، كلمة المحامي نزار صاغية في ختام تظاهرة ١٧ تشرين "المواجهة مستمرة" التي جابت شوارع بيروت اليوم: 

 بإسم مسيرة “المواجهة مستمرة” أمام مدخل المرفأ في 17 تشرين 2020

سنة مرّت منذ تلاقى المجتمع مع ذاته في ساحات 17 تشرين،
رفضا لنظام الهيمنة، نظام الزعماء أو القلة الأوليغارشيا.
ضخامة الحدث الذي انخرط فيه مئات آلاف المواطنين،
أرغم الجميع على الاعتراف آنذاك بحصول ثورة،
ثورة هي الأولى من نوعها في لبنان.

اليوم بعد سنة من هذه اللحظة، لم يعد الحراك ولا الأمل بنفس القوة،
لكن يبقى أن لحظة 17 تشرين لم تكن غيمة عابرة،
لم تكن لحظة جميلة نستحضرها بنوستالجيا،
هي قبل كل شيء لحظة تأسيسية،
زعزعت أسس النظام الحاكم،
هذا النظام الذي ورثناه من حرب 15 سنة،
وانبنى على قيمها.
لحظة تأسيسية، انعطافة أفقدت النظام الحاكم مشروعيته، وإن لم تستكمل استدارتها بعد،
انعطافة لن يكون بعدها أبدا كما كان من قبلها،
وإن ما لبث المجتمع ينتظر استرداد سيادته ودولته.

طوال 30 سنة، رزح لبنان تحت وطأة خلافات الزعماء ووفاقاتهم،
تحت نظام المحاصصة وما تبعه من وضع يد على الإدارة والقضاء والموارد،
والأهم إفلات من العقاب؛ فالعقاب يتعارض أصلا مع مفهوم زعيم الطائفة.

طوال 30 سنة، لم يكتفِ هؤلاء بخصخصة المؤسسات والموارد العامة،
بل خصخصوا أيضا الفضاء العام، الخطاب العام،
طغت حاجاتهم ومطالبهم وقضاياهم على حاجات ومطالب وقضايا جميع الناس.

وفيما شكلت حرب 15 سنة زمنا ساد فيه تسفيه الجريمة،
شكلت عقود ما بعد الحرب زمنا تمّ فيه تسفيه المخاطر العامة ومعها حيويات الناس بالكامل:
فلا همّ أن يخسر الناس مدخراتهم وجنى عمرهم ومداخيلهم،
لا هم أن تتفجر أحياء بيروت وبيوتها على رأس سكانها،
لا همّ أن تموت الأنهار أو تفجّر الجبال،
لا همّ أن يفقد اللبنانيون بحرهم كما نهرهم ومرجهم كما جبلهم وأيضا هواءهم،
لا همّ أن ترتفع معدلات السرطانات،
لا همّ أن تقوم مناطق الموت هنا وهنالك وآخرها في مرفأ بيروت.
المهم أن تبقى مصالح الزعيم وحصصه في الدولة وخارجها محمية ومحفوظة.
الخطر الأكبر ليس الخطر الذي يهدد حيوات الناس، كل الناس،
بل فقط الخطر الذي يهدد نفوذ الزعماء، أي من الزعماء.

هذا هو ما ثارت 17 تشرين ضده تحت شعار “كلن يعني كلن”.
التعميم الوارد في هذا الشعار معبّر جدا:
فرفض الزعماء لا يتصل بالضرورة بمواصفاتهم الشخصية،
بما فعلوه أو لم يفعلوه،
إنما هو ينبع أولا من رفض مفهوم الزعيم ونظامه.
لم تنجح 17 تشرين حتى الآن عن تغيير السلطة أو استعادة المؤسسات العامة،
لكن نجحت في كسر الهيمنة على الفضاء العام والأهم في قلب المعركة الاجتماعية والسياسية،
من معركة بين زعامات طائفية ينقسم الناس فيها من حولهم،
إلى معركة بين المجتمع والسلطة التي تهيمن عليه،
وبكلام آخر بين المواطن (كل مواطن) والزعيم (كل زعيم).
من معركة هي بطبيعتها فئوية وطائفية (لأي طائفة ولأي زعيم الغلبة؟)
إلى معركة توحيدية تهدف على العكس من ذلك تماما
إلى استعادة كرامة المواطن وحريته،
والأهم توحيد المجتمع.

فمع 17 تشرين، شهدنا توسيعا غير مسبوق لدوائر المهتمين بالشأن العام،
وقد تجلى في أكبر تظاهرات شهدها لبنان في مختلف مناطقه،
كما تجلى في إعادة إحياء الحركة الطلابية والحراكات المهنية،
ولكن أيضا في ندوات ونقاشات عمّت خيم الثورة وصنعت فضاء عاما لتكوين الوعي العام والرأي العام.

ومع 17 تشرين، تلاقى لبنان مع نفسه في مجمل المناطق
التي باتت تهتف لبعضها ضد زعمائها
بعدما كانت تهتف لزعمائها في مواجهة بعضها الأخرى.

ومع 17 تشرين، شهدنا مظاهر التضامن الاجتماعي،
والتي كانت مختلف الساحات مسرحا له وشكلت جوابا على قبح السلطة،
بدءا من إقتراح قانون العفو المحاصصة
وصولا إلى وقف سدود الفساد وحماية ما تبقى من مروج وجبال،
دون أن ننسى لجنة المحامين التي نشطت للدفاع عن أي متظاهر في مواجهة عنف السلطة واستبدادها.
التضامن نفسه بلغ أوجه في مواساة ضحايا مجزرة بيروت،
حيث تدفق شبان وشابات ومهنيو ومهنيات لبنان إلى المناطق المتضررة،
علّ التضامن الاجتماعي يخفف من مشاعر الخسارة الشاملة.

ومع 17 تشرين، برزت جهود على أكثر من صعيد لاستعادة المؤسسات والأموال العامة
وقد أدرجت قوى الثورة استقلال القضاء في رأس أولوياتها، ومعها مبدأ فصل السلطات والأهم المساواة أمام القانون،
وتحوّل كل منا إلى مُنبّه لفساد السلطة وكاشف له،
ولا ننسى الجهود لاستعادة النقابات المهنية أبرزها نقابة المحامين والتي جاء تمديد مجالسها بموجب قانون تعليق المهل ليعطلها،

ومع 17 تشرين، وهذا ربما هو الأهم، نشأت بنى اجتماعية جديدة
تمأسس قدرة المجتمع على الدفاع عن نفسه في وجه السلطة الحاكمة كما في وجه أي سلطة مستبدة،
وهذا ما بدأ يعكسه نمو أحزابنا الديمقراطية والتغييرية.

طبعا، خلال السنة الماضية،
كان الزخم يزداد مع ازدياد الشعور بالقدرة على الفعل والتغيير
ويتراجع مع انتشار الوباء واشتداد الأزمات.
وهي أزمات باتت شرائح واسعة من شعبنا تئن تحتها،
وتغرق آماله بالتغيير في مستنقعات الخوف والعوز واليأس والقلق.
أن يخفت الحراك أو يتراجع زخمه بفعل هذه العوامل،
لا ينقص أبدا من أن النظام الحاكم قد فقد في الآن نفسه وللسبب نفسه أقنعته وأساس مشروعيته،
وإن ما يزال محتفظا بأدواته.
لا ينقص أبدا أن 17 تشرين حققت الإنعطافة الاجتماعية الكبرى
وقلبت طبيعة المعركة الجديدة ومسارها،
من معركة يحتكرها الزعماء فيما بينهم وتؤدي إلى تقسيم المجتمع،
إلى معركة بين الزعيم والمواطن،
معركة حيوية هدفها استعادة كرامة المواطن وحريته،
وتوحيد المجتمع.
معركة مبدئية نخوضها ليس بدافع ظرف معين،
ليس فقط بحافز الأمل الذي قد يتأثر بصعوده أو أفوله
لكن قبل كل شيء بدافع الحسّ بالمسؤولية.
هذه المبادئ، هذا الحسّ هو قلب ما يجمعنا
هو ضمانة استمرارنا
إلى حين وصول القطار إلى محطته الأخيرة.
فلنتكاتف حتى تحقيق الهدف.

عشتم. عاشت ثورة 17 تشرين. وعاش لبنان.