السبت، كانون(۱)/ديسمبر 04، 2021

2 مليار دولار أموال النقابات: الضحيّة المقبلة لخسائر المصارف

  علي نور الدين
لبنان
  تملك نقابة المهندسين وحدها أكثر من 500 مليون دولار في المصارف

 

يعتبر حاكم مصرف لبنان أنّه أدّى قسطه للعلى بالنسبة إلى صغار المودعين، الذين تقل قيمة أموالهم في المصارف عن 50 ألف دولار أميركي. فحسب الحاكم، كرّس التعميم 158 مساراً خاصاً لتصفية هذه الودائع، عبر تقسيطها على مدى فترة تتجاوز الخمس سنوات، وبدفعات شهريّة نصفها بالدولار النقدي والنصف الآخر بالليرة وفقاً لسعر صرف 12,000 ليرة للدولار. هذا المسار سمح للحاكم بغسل يديه إعلاميّاً من أزمة الودائع الصغيرة، رغم الإجحاف الذي سيلحق بهؤلاء نتيجة سداد نصف المبلغ بالليرة وبسعر صرف يقل عن سعر الصرف الفعلي في السوق، ورغم أن التعميم استثنى فئات واسعة من صغار المودعين، وأبرزهم أصحاب الودائع التي تحرّكت بين الحسابات بعد 17 تشرين الأول. وفي كل الحالات، لا شيء يضمن أن المصارف ستمتلك السيولة اللازمة للاستمرار بسداد نصف الدفعات بالدولار بعد رأس السنة.

وبعد هذا الحل الذي جاء أقرب إلى رفع العتب، جاء استحقاق التعامل مع الودائع الأكبر حجماً. وفي الوقت الراهن، وطالما أن اقتصاص الرساميل المصرفيّة لمعالجة الخسائر بشكل جذري مازالت مسألة غير مطروحة جدّياً، لا يوجد حل لمشكلة الخسائر من دون تطبيق شكل من أشكال الهيركات الصريحة أو المقنّعة على الودائع الكبيرة. مع الإشارة إلى أن أشكال الهيركات المقنّعة على الودائع الكبيرة قد تشمل تحويل نسبة منها إلى العملة المحليّة، بأسعار صرف مجحفة، بالإضافة إلى تحويل هذه الودائع إلى سندات طويلة الأجل. وهذه الأفكار يجري في الوقت الراهن مناقشتها بشكل جدّي في أروقة مصرف لبنان، على أعتاب استئناف التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وفق خطة اقتصاديّة جديدة تردم فجوة خسائر المصارف.

أموال النقابات في خطر!

في الواقع، لا يتوقّع كثيرون أن يكون هناك ارتدادات شعبيّة كبيرة على الإجراءات التي ستطال أموال كبار المودعين، وخصوصاً شريحة الودائع الأكبر حجماً في النظام المصرفي، على اعتبار أن نسبة صغيرة جداً لا تتجاوز 1% من الحسابات المصرفيّة، تمتلك وحدها أكثر من 45% من أموال الودائع، حسب آخر إحصاءات لجنة الرقابة على المصارف.

لكن خطورة المسألة، تكمن في احتواء هذه الشريحة من الودائع الكبيرة على أموال لا تخص مودعين أفراداً، بل صناديق تعاضديّة وتقاعديّة، أودعتها النقابات داخل النظام المصرفي، لتأمين التغطية المرضيّة أو الرواتب التقاعديّة لمنتسبيها. ولأخذ فكرة عن حجم هذه الأموال، تكفي الإشارة إلى أن نقابة أطباء الأسنان وحدها تملك نحو 60 مليون دولار من الأموال المودعة داخل النظام المصرفي، والتي يفترض أن تكون مخصصة لتغطية تكاليف طبابة وتقاعد أكثر من 6000 طبيب أسنان في جميع أنحاء لبنان. أما نقابة المهندسين في بيروت، فتملك بدورها أكثر من 500 مليون دولار مودعة داخل المصارف. وهي أموال مخصصة لتغطية نفقات تقاعد وطبابة نحو 60 ألف مهندس. وعلى هذا النحو، تمتلك كل نقابة كميّة ضخمة من السيولة العالقة داخل النظام المصرفي، وخصوصاً نقابات المهن الحرّة التي تختص بقطاعات كبيرة، تفرض الانتساب إلى نقاباتها، كالمحامين والأطباء والصيادلة والممرّضين وخبراء المحاسبة وغيرهم.

في الواقع، لا يوجد رقم دقيق حتّى اللحظة يعبّر عن إجمالي أموال النقابات وصناديقها التعاضديّة والتقاعديّة الموجودة في المصارف اللبنانيّة، والتي تُصنّف جميعها في خانة الودائع الكبيرة. لكنّ تقديرات مصرفيّة تؤكّد أن إجمالي قيمة هذه الأموال يتراوح ما بين 1.5 و2 مليار دولار، إذا ما تم احتساب أموال جميع أنواع الصناديق النقابيّة، باستثناء الصناديق الضامنة التي تخص القطاع العام وأموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. أما أموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، المودعة حاليّاً في المصارف التجاريّة ومصرف لبنان، فتقارب قيمتها وحدها الأربع مليارات دولار.

حتّى اللحظة، لا يوجد ما يحمي أموال النقابات الموجودة في النظام المصرفي من أي إجراءات قسريّة، يمكن أن تؤدّي إلى الاقتصاص من قيمة الودائع الكبيرة بأشكال مقنّعة أو صريحة، ولو عبر تحويلها إلى العملة المحليّة بأسعار صرف مجحفة وتجميدها لفترات طويلة. لا بل يمكن القول أيضاً أن جميع القرارات والتعاميم التي صدرت عن مصرف لبنان لم تميّز خلال الفترة الماضية بين الودائع التي تخص أشخاص وشركات تجاريّة، وتلك التي تخص النقابات وصناديقها. وبينما يعمل مصرف لبنان على سيناريوهات مختلفة بخصوص مستقبل الودائع الكبيرة وطريقة التعامل معها، لردم فجوة الخسائر في النظام المالي، لم تحيّد حتّى اللحظة أي من هذه السيناريوهات أموال النقابات عن هذه الخطط. مع الإشارة إلى أن المصرف المركزي لم يحاول حتّى مراسلة المصارف لإحصاء قيمة ودائع النقابات، ما يشير إلى عدم رغبته بأخذ أي تدابير خاصة تحمي هذه الودائع من خططه المستقبليّة.

بالنسبة إلى أموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فثمّة قانون صريح تم إقراره لمنع إجراء أي اقتصاص صريح من قيمة أمواله المودعة في المصارف. لكنّ مشكلة الصندوق باتت في مكان آخر كلياً. فالغالبيّة الساحقة من ودائع الصندوق هي بالليرة اللبنانيّة لا الدولار الأميركي، أي أنها أساساً ليست من الودائع المرشحّة للتعرّض للاقتصاص من قيمتها بشكل صريح، أو بشكل مقنّع عبر تحويلها لليرة اللبنانيّة بسعر صرف جائر. لكنّ الاقتصاص من هذه الأموال جرى عمليّاً من خلال تدهور سعر صرف الليرة، الذي أدّى إلى تآكل قيمة التعويضات المودعة في المصارف بالليرة بنسبة 90%.

أموال النقابات محاصرة أصلاً

خطط مصرف لبنان بالنسبة للودائع الكبيرة، ومنها أموال النقابات، ستظهر قريباً في مسار التفاوض مع صندوق النقد، وسيظهر حجم الخسائر التي ستتحمّله هذه الودائع بالنيابة عن أصحاب المصارف. لكنّ أموال النقابات محاصرة أساساً بمعزل عن إجراءات مقبلة، من خلال العديد من القرارات التعسّفية التي بدأت المصارف باتخاذها خلال الأشهر الماضية. وهذه القرارات لم تعد تقتصر على منع النقابات من سحب الدولار النقدي أو تحويله إلى الخارج كما جرى مع جميع المودعين، بل باتت تشمل إجراءات تمس حتّى بقدرة النقابات على استعمال أموالها لدفع رواتب المتقاعدين.

فمنذ شهرين، بدأت المصارف اللبنانيّة تتخذ قرارات تعامل فيها مع النقابات وصناديقها تماماً كما يتم التعامل مع الشركات التجاريّة، عبر رفض تحويل أموال الرواتب التقاعديّة لمستحقيها من الودائع الموجودة أساساً في النظام المصرفي بالليرة اللبنانيّة. ولتتمكن النقابات من دفع قيمة هذه الرواتب للمتقاعدين، بات عليها تأمين المال اللازم لذلك بالنقد الورقي، وإيداع هذه القيمة في حساب خاص ومنفصل "بالليرة الفريش" قبل تحويله لمستحقيه. أما هدف هذه الإجراءات، فكان تقليل القيمة التي يستنزفها سحب هذه الرواتب من النقد الورقي الموجود في المصارف، عبر تحميل النقابات عبء تأمين النقد الورقي قبل تحويل الرواتب للمتقاعدين.

النتيجة العمليّة لهذا الإجراء، كانت محاصرة ودائع النقابات الموجودة في المصارف، وتحويلها إلى أرصدة لا يمكن استعمالها لغاياتها الأساسيّة، أي تمويل رواتب المتقاعدين. أما عبء تأمين النقد الورقي، فكان يعني تعجيز النقابات ومنعها من تأمين الرواتب، كون الاشتراكات السنويّة الجديدة غير كافية وحدها لتمويل الرواتب التقاعديّة.

في بعض الحالات الأخرى، بدأت المصارف بفرض خوّة على المتقاعدين، عبر فرض رسوم تصل لغاية 12% من قيمة راتبهم في حال أرادوا سحبه نقداً. وهذا الإجراء هدف بشكل أساسي لثني المتقاعد عن سحب قيمة راتبه، وإجباره على صرف المبلغ الموجود في حسابه عبر نقاط البيع من خلال بطاقته المصرفيّة. مع الإشارة إلى أن غالبيّة المحال التجاريّة باتت ترفض اليوم قبول الدفعات عبر البطاقات المصرفيّة، نظراً لصعوبة سحب هذه الأموال لاحقاً من المصارف. وهذا الإجراء التعسّفي جاء بدوره في سياق تخفيف ضغط السحوبات النقديّة في الفروع المصرفيّة.

معركة توزيع الخسائر

هكذا إذاً صارت فُرضت معركة توزيع الخسائر على النقابات من طرف المصارف ومصرف لبنان، سواء عبر الإجراءات التعسّفية المستجدة التي طالت قدرتها على استخدام أموالها، أو عبر ما يُحاك من خطط حالياً للتعامل مع الودائع الكبيرة، ومنها ودائع النقابات. المسألة الإيجابيّة الوحيدة حتّى اللحظة هو ما استجد من تكتّل نقابات المهن الأخرى خلال الأيام الماضية، في اجتماعات أفضت إلى التحضير لمسار قانوني في مواجهة الإجراءات التعسفيّة التي قامت بها المصارف. ووفقاً لهذا المسار، بدأت النقابات بتوجيه الإنذارات الخطيّة للمصارف التي قامت بهذه الإجراءات، على أن يلي ذلك التوجّه نحو القضاء بدعاوى إفراديّة وجماعيّة.

لكن المعركة الجديّة بالنسبة لهذه النقابات، سترتبط حالياً بمعركة حماية الودائع من خطط تحويلها إلى أرصدة مجمّدة بالليرة اللبنانيّة، بعد تحويلها إلى العملة المحليّة بأسعار صرف مجحفة. فهذا الإجراء، سيمثّل ضربة قاضية لحقوق المتقاعدين وقدرة النقابات على تأمين رواتبهم في المستقبل. ولهذا السبب بالتحديد، سيكون على النقابات متابعة تفاصيل الخطط التي يجري الإعداد لها قبل توجّه الوفد اللبناني المفاوض إلى الجلسات الرسميّة مع صندوق النقد، كي لا يتم فرض هذه القرارات من ضمن خطة شاملة بأرقام نهائيّة يصعب التراجع عنها.

نقلاً عن موقع المدن