الأربعاء، كانون(۱)/ديسمبر 01، 2021

حين تكون الوصية هي هي السيرة

متفرقات
  هناك فئة من الشيوعيين يصعب علينا ان نحدد فاصلا بين زمن انخراطهم في النضال الوطني وزمن انتسابهم الى الحزب الشيوعي. مع هؤلاء تتماهى حدود مراحل الطفولة والنضج الإنساني في سيرتهم. هم ولدوا وفي نفسهم هذا الإحساس الفطري بالعدالة الاجتماعية الذي طبع كل مسيرتهم في الحياة. طه صافية كان واحدا منهم. عرفته ساحات النضال منذ كان في العاشرة من عمره حين شارك مع شقيقه المناضل محمد صافية في مظاهرة ضد الانتداب الفرنسي للمطالبة باستقلال لبنان، حيث تعرض المتظاهرين للقمع الشديد خلال الصدامات مع الجيش الفرنسي ومدرعاته التي دهست أحدهم فسقط نتيجة هذه المواجهة ثلاثة شهداء وسبعة عشرة جريح. اما هو – الطفل المقاوم، فلولا تدخل شقيقه وسحبه من تحت الدبابة لكان أصبح في عداد أولئك الشهداء. لكن جرحا على جبينه سيبقى ليذكره طيلة حياته بأنه سوف يبقى حاملا لقضية الانسان أينما حلً.


وماهي الا سنوات قليلة حتى بات هذا الفتى يأخذ على عاتقه الدفاع عن حقوق المظلومين. كان في الخامسة عشرة من العمر سنة 1946 حين دعا بنفسه الى الاضراب لإجبار إدارة المدرسة التهذيبية على تأمين الكتب مجانا للتلامذة. وقد ترافق هذا التحرك مع موقف متضامن مع مظاهرة احتجاج طلاب الجامعة الامريكية في بيروت ضد زيارة رئيس مجلس الوزراء التركي آنذاك الى لبنان جلال بايار . وما هي الا ساعات حتى تلقى طه صافية عقابه الأول على مواقفه الوطنية. فقد أصدر وزير التربية قرارا بطرده من المدرسة لتحريضه على هذا الاضراب. ومنذ ذاك الحين أصبحت حياة الرفيق طه وحياة الحزب جزءا لا ينفصل الواحد عن الاخر.
وها هي خمسينيات القرن الماضي وفي منطقة عكار بالذات تشهد على الجهد النضالي الذي بذله الرفيق طه الذي تفرغ كليا للعمل في منطقة عكار والشمال. وكانت المهمة الأساسية له هي في توحيد وتنظيم العمل المطلبي للعمال وللفلاحين في هذه المنطقة المحرومة ابدا. هنا انضم الى الفرقة الحزبية التي كانت تتكون من الرفاق سليمان نادر ويوسف كفروني والبير صباغ وميشال عوض (أبو نبيل) وعبود الضهر وسليم بيطار. وكان أبرز نشاط هذه الفرقة مرتكزا على زيارات القرى لحثهم على المطالبة بحقوقهم المتمثلة بالحصول على عشر محصول الباكاوات الاقطاعيين. والعمل على تحقيق هذه المطالب لم يكن سهلا، اذ غالبا ما كان تؤدي هذه المطالب الى عراك مع الاقطاعيين واقربائهم. وفي سنة 1958 أوكلت الى الرفيق طه مع عشرة رفاق مهمة نقل السلاح من سوريا الى لبنان مشيا على الاقدام وتوزيعه على الثوار الشيوعيين والوطنيين حيث كانت زغرتا نقطة التجمع للانطلاق الى طرابلس. وكانت هذه المهمة تستغرق ثلاثة أيام ذهابا وثلاثة إيابا من اجل توزيع خمسة عشرة بندقية وأربعماية طلقة.
كان المناضلون الوطنيون في تلك الفترة انهم كانوا دائما عرضة للعنف الجسدي وللاعتقال من جهة السلطات الحاكمة. وهذا ما واجهه الرفيق طه في عمله الحزبي. فكان الاعتقال الأول اثناء الاحتجاج على زيارة جلال بايار الذي أصبح رئيسا لتركيا مع كل من الرفاق مصباح الشركس وناظم الخوري من رحبه. واثناء هذه المظاهرة تعرف طه صافية الى رفاقه الشيوعيين العرب عزيز ياسر الجاري من العراق وفؤاد حداد من الأردن. كما سجن للمرة الثانية في طرابلس بعد الاشتباك مع مجموعة من القوميين العرب دفاعا عن مواقف الحزب السياسية. وعاد وسجن للمرة الثالثة بعد اتهامه بتوزيع المناشير الحزبية والتعرض لشخصية رئيس الجمهورية وبعد ان لفقت له تهمة حمل سكين، اعتقل بموجب الاحكام العرفية واقتيد الى سجن الرمل مشيا على الاقدام من طرابلس، لأنه امتنع عن دفع اجرة نقله في بوسطة الدرك. وبعد ستة أشهر حرر بعد التدخلات من الحزب قادها الرفيق المحامي فاروق معصراني. لكن الامر لم ينته على هذا الحد، فقد كانت الاعتقالات تتوالى وتتكرر وكانت تأخذ اشكالا مختلفة. ففي احدى المرات تعرض منزله للاقتحام من قبل قوات الدرك التي رفضت المغادرة حتى وافق الاهل بعد مفاوضات استمرت طوال الليل على تسليم الرفيق طه وشقيقه محمد صافية أبونوري بتهم ملفقة. دام هذا الاعتقال شهرا اضطرت بعده السلطة الى الافراج عنهما لعدم كفاية الأدلة رغم اقوال المخبرين المفبركة.
كان الرفيق طه يلتقي بالرفيق فرج الله الحلو المتواضع والخلوق والحريص على سلامة الرفاق أثناء تأدية مهامهم الحزبية. كما كان صلة الوصل السرية بين قيادات الحزب العليا وبين نقولا الشاوي من خلال شقيقته وابو حسن المير مع قيادات الشمال .
لقد كان للرفيق طه اياد بيضاء في علاقاته مع رفاقه. وفي هذا المجال لا بد لنا من ان نذكر حادثة إنقاذه للرفيق صبري الحبل عندما وجده مرميا عند الحدود السورية في منطقة الدبوسية. فما كان منه إلا ان حمله على ظهره لمسافة طويلة حتى وضعه في شاحنة وقود كانت في طريقها الى طرابلس، فأوصله الى الدكتور عبد المجيد الرافعي الذي كانت تربطه به علاقة صداقة متينة وقد أجرى له في مستشفى شاهين عملية جراحية لاستئصال الزائدة.
اما على المستوى السوري فكانت توكل للرفيق طه مهمة نقل وتوزيع المطبوعات الحزبية والبيانات والرسائل الى الشيوعيين في حمص وطرطوس. وكان يرافقه في هذه المهمة الرفاق أبو مصطفى الايوبي (الجسري) ومصطفى البدوي وفضل الحلاب عبر طريق تل عدس عند الحدود السورية. وكذلك دعم الرفيق خالد بكداش في الانتخابات السورية الامر الذي أدى الى عراك بالأيدي في بلدة تل عباس مع قوى الدرك اثناء التحضير للسفر الى سوريا. وقد تعرض لعدة محاولات للاعتقال كان ينجح دائما في الإفلات منها نتيجة مصادفته لبعض الوطنيين المحبين الذين عملوا في أجهزة السلطة السورية واللبنانية.
وفي هكذا ظروف وبعد ان ضاقت سبل العيش الكريم وبعد ملاحقات مستمرة قرر الرفيق طه السفر للعمل في الكويت حيث التقى بالصدفة الرفيق الصحافي زكي افيوني الذي كان رئيس تحرير جريدة الصرخة في لبنان. كما عمل مع التقدميين الكويتيين على اصدار مجلة نقابية اجتماعية.
بعد انتهاء عمله في الكويت، اضطر للسفر برا الى المانيا في سنة 1963 حيث تم اعتقاله من قبل الامن العام السوري، اذ انه كان مطلوبا حيا او ميتا. وعلى الرغم من تدخل سائق القطار الشيوعي عبود السانوسي ومساعده بدر حداد اللذين حاولا إنقاذه من الاعتقال، الا انه جرى تسليمه الى مخفر تل كلخ بصفته شيوعيا خطيرا ومن ثم نقل الى حمص. فكان المحقق العقيد في المخابرات السورية الذي تعاطف معه وساعده مع الرفيق الدكتور زياد ساعاتي من الحزب الشيوعي السوري - الذي كان صلة الوصل بين القيادة اللبنانية والسورية، على العودة سالما الى لبنان.
بعد وصوله الى المانيا تابع عمله النضالي حيث انتسب الى نقابة العمال في دوسلدورف وشكل فرقة حزبية مع المرحوم ناصيف جبيلي التي قامت بنشاطات نقابية متعددة مع اليسار الالماني ونشاطات سياسية داعمة للثورة الفلسطينية ومنددة بالعدوان الإسرائيلي على لبنان. كما شارك بمهرجان الشباب والطلاب العالمي في برلين سنة 1953. واخيرا بعد حصوله على الجنسية انتسب الى الحزب الشيوعي الألماني. وعلى الرغم من وجوده في الخارج، إلا انه كان دائم التواصل مع لبنان خلال اجازته السنوية حيث يستغل اية فرصة للمشاركة في النشاطات الحزبية او المشاركة في الانتخابات النيابية والبلدية.
هكذا كانت حياة الرفيق طه صافية. وإذا أردنا ان نلخصها بكلمة لما وجدنا كلمة أكثر تعبيرا من كلمة الوفاء! الوفاء للقضية الإنسانية الحقة والوفاء لرفاق الدرب. فلطالما كان يردد على مسامع احبائه أسماء هؤلاء الرفاق الذين ناضل معهم على مساحة الوطن: يوسف سكاف، يعقوب الطير، يوسف متري، اديب فاضل، داوود صباغ، وديع خنيزر، محمود المرعبي، البير صباغ، سليم بيطار، عبود الضهر، ميشال عوض، ورفيق وهيفاء ابراهيم (ام نبيل)، والرفاق من طرابلس: ابو حسن المير الايوبي ، ابو مصطفى الايوبي، اكرم ميقاتي، محمود الواوي، ابراهيم خليل، بدر مرجان، حسين شحود (الرفيق القبضاي الذي كان يرعب الجاسوس رفيق رضا)، كامل هاجر، مصطفى بدوي، ومحمد صافية (أبو نوري)، سمير سميره، فضل حلاب، وصديق الحزب شفيق عبد الوهاب.
وفي سوريا، الرفاق د. زياد الساعاتي، عبدو حكيم، دانيال نعمه وشقيقته فدوى، موريس صليبي، يوسف فيصل وشقيقه ، وخالد بكداش.

سكرتير منظمة الحزب الشيوعي في الميناء
جميل صافية