مؤتمر "سان كلو" ومسؤولية الاطراف الداخلية

موريس نهرا
النداء 63

 

في مناخ سياسي داخلي واقليمي ـ دولي يستمر فيه صراع مفتوح على أكثر من احتمال... وفي ظل انقسام داخلي حادٍ ومستمر في لبنان منذ أكثر من سنتين اوصله الى حافة الهاوية، خصوصاً ونحن على مقربة من الإنتخابات الرئاسية، برز تطور جديد يشكل مؤشراً ايجابياً يتجلى بمظاهر عدة، بدت متزامنة في بروزها، تتمثل بالمبادرة الفرنسية بدعوة الأطراف اللبنانية الى مؤتمر "سان كلو" قرب باريس، بحضور ومشاركة وزير خارجية فرنسا برناركوشنير، وبالمسعى العربي والمتمثل بدور أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، وبالأخص بالدور السعودي المتفاهم مع ايران على التهدئة في لبنان وتجنيبه الفتن المذهبية، ثم بالتطور البارز في مواقف وتصريحات عدد من النواب (حوالي عشرة) ابرزهم التكتل الطرابلسي برئاسة الوزير محمد الصفدي، يؤكدون فيها رفضهم الحضور في جلسة انتخاب رئيس للجمهورية، اذا لم يحضر ثلثي اعضاء المجلس الأحياء، بالإضافة الى تأكيد البطريرك صفير على ضرورة حضور الثلثين ايضاً.

والجدير ذكره هنا أن هؤلاء النواب هم في عداد تكتل 14 آذار الذي كان مصراً ومنذ شهور، على أنه سيُقدم على انتخاب رئيس جديد بالنصف زائد واحد، أي 65 نائباً (مجموع نواب التكتل 68) اذا قاطع نواب المعارضة الجلسة (58 نائباً) ... وان هذه الأكثرية التي كانت تصرُّ على فرض رئيس من داخل تكتل 14 آذار، باتت الآن فاقدة لهذه الإمكانية، لأن حضور الثلثين الإلزامي، لا يتم بدون التوافق على رئيس.

ومعلوم ان هذه المواقف والمساعي والمبادرات قد نجمت عن استشعار خطر بقاء لبنان امام حائط مسدود، يتحول فيه الانقسام السياسي المذهبي الطائفي، الى المستوى الدستوري ايضاً، وهي ترمي الى تجنب الوصول الى انشطار السلطة والبلاد بقيام حكومتين ورئيسين للجمهورية، ولوقف انزلاق لبنان الى هاوية الاضطراب والفتن وزيادة مآسي الشعب اللبناني امنياً ومعيشياً، في ظل وضع صراعي في المنطقة ومخطط أميركي للسيطرة عليها، من اغراضه واساليبه نشر "الفوضى البناءة" في دولها وتفتيت كياناتها..

وتجدر الإشارة في هذا السياق الى ان المبادرة الفرنسية التي لبّى دعوتها حزب الله، بعد ان جرى تصحيح الخطأ الوارد في تصريح الرئيس الفرنسي ساركوزي، بنفي اعتبار حزب الله تنظيماً ارهابياً، قد تجاوزت الهامش المحصور بإذابة الجليد بين الموالاة والمعارضة، نحو المتابعة مع الأطراف اللبنانية بالمجيء الى لبنان، وكذلك بزيارة الموفد الفرنسي كوسران، الى دمشق ثم القاهرة والرياض، سعياً لانجاح المبادرة بالتنسيق مع المساعي العربية.

واذا كان هذا الدور الفرنسي، يعبر عن طموح السلطة الفرنسية الجديدة بالإنفتاح على كل اطراف الصراع في لبنان والمنطقة، رغم الاحجام عن دعوة ممثلي القوى السياسية العلمانية الى مؤتمر "سان كلو" وتعارض ذلك مع طبيعة الدولة العلمانية في فرنسا، فإن هذا الدور يعبّر ايضاً عن تمايز فرنسا ولو بحدود معينة، عن أميركا، وعدم الالتصاق بإدارة بوش الذي تقترب ولايته من الانتهاء.

إلا ان الإدارة الأميركية ومخططها المتعثر في العراق وفشلها في حرب تموز الماضي على لبنان، لم تصل بعد الى الهزيمة، ولا تزال تمتلك نفوذاً ومواقع وقوى سياسية وسلطوية جدية في المنطقة ومنها لبنان، ويمكنها، ان تعرقل هذه المبادرة الفرنسية كما عرقلت المسعى السعودي الايراني قبلاً.

لذلك فإن المسألة الاساسية تتلخص بمسؤولية ودور الاطراف الداخلية، لأن الاستمرار في الوضع القائم يهدد حياة شعبنا ومصير لبنان ووجوده، وهي بتناقضاتها ومحاصصاتها، تستنفر العصبيات والانقسامات وتفقد الوطن مناعته، وتجعله مرتعاً لكل أنواع التدخلات والشبكات الاستخبارية والمجموعات السلفية الخارجية "كفتح الاسلام" واشباهها، لتمارس اجرامها ضد الجيش الوطني اللبناني، وضد الاستقرار في لبنان، والتي تجد في العصبيات والتيارات المذهبية والطائفية، وفي البيئات الاجتماعية الفقيرة، مناخاً ملائماً لنموها واحتضانها وحمايتها.

ان التعنت والاستمرار بالوضع السلطوي القائم، لا ينمّ عن الشعور بالمسؤولية الوطنية ولا المجتمعية، وهو ليس سوى تغليب المصالح الشخصية للزعامات الطائفية السلطوية وللمراهنة على الخارج وبخاصة اميركا. وبديهي القول ان الوصول الى تسوية بموضوع الحكومة وانتخاب الرئيس الجديد، يريح اللبنانيين الملتاعين من الحالة القائمة، لأنه يجنبهم الأسوأ.. لكن هل يبقى التعاطي السلطوي مع الناس والوطن على طريقة القبول بالمرض كونه اقل سوءاً من الموت ؟؟ هل يبقى الوضع اللبناني كمن يقيم على شفير هاوية سحيقة يختل التوازن فيه مع كل هبة ريح في المنطقة، او مع كل اختلاف سياسي او على الحصص؟؟ وهل يعيش وطن بحاجة دائمة الى وساطات وادوار ووصايات خارجية لجمع المتصارعين ومنع انزلاقه الى الهاوية، علماً بان الخارج بكل اطرافه يستخدم تدخلاته ووساطاته بما يتوافق مع مصالحه اولاً؟؟

 فمهما كان شكل التسوية سواء بحكومة وحدة وطنية او اتحاد وطني، ورئيس توافقي او انتقالي، فإن المعيار الاساسي يتمثل بما ستقوم به هذه السلطة.. أي ببرنامجها ومهماتها ومدى ملائمتها مع متطلبات الحل الفعلي للمشكلات القائمة واسبابها.. فأمام حجم الأزمات التي تعصف ببلدنا وبحياة ومعيشة شعبنا، لم يعد جائزاً حصر التسوية بإدارة الازمة، وبالترقيع والمسكنات الوقتية.

وافضل السبل وأقربها للخروج من دوامة الأزمات البنيوية القائمة، تتمثل الآن بتشكيل حكومة انقاذ وطني بديلة للحكومة القائمة، تُقدم على وضع قانون انتخابي ديمقراطي على قاعدة النسبية والدائرة الكبرى، وخارج القيد الطائفي لتجري على اساسه انتخابات نيابية تنتج مجلساً ينتخب رئيساً للجمهورية، ويستحدث مجلس شيوخ كضمانة للطوائف، والشروع بالاصلاحات الأخرى التي نص عليها اتفاق الطائف واصبحت نصوصاً دستورية، وفي مقدمتها تشكيل الهيئة الوطنية للبدء بخطة تجاوز والغاء الطائفية في النظام، وفي السلطة ومؤسسات الدولة، كي نصل الى بناء وطن محصّن، ودولة ديمقراطية حديثة...

 

 

 

 

 الصفحة الرئيسية

 

نسخة للطباعة

 

 الصفحة السابقة


(c) Lebanese Communist Party - 2006
Designed by Comrade Wissam Matta