السبت، آب/أغسطس 13، 2022

من بين الرّعب والفرح، تفجّرت ثورة صور

كانت البداية عفوية غير مخطّط لها مسبقاً حين انتفض الشباب والشابات. تجمّعوا على ساحة العلم، بدعوة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي في 17 تشرين الأول/ أكتوبر تزامناً مع اندلاع الانتفاضة الشعبية في بيروت. جالت التظاهرة ليلاً من ساحة المدينة إلى السراي الحكومي وإلى مكاتب نواب في صور تحمل شعارات أسقطت "وهرة" كل زعيم سياسي في لبنان. كلمة حرامي طالت جميع نواب لبنان وعلى رأسهم "نواب صور". استُكمِلت التظاهرات في يومها الثاني، من مصرف لبنان إلى "استراحة صور"، المنتجع المتعدي على الأملاك البحرية، والذي تشير المعطيات المتوفرة إلى أنّه مملوك من قبل رنده بري. فتم حرقه وتكسيره من قبل بعض المتظاهرين وأغلبهم من موظفي الاستراحة وموالين للسلطة وبعضهم ما زال قيد التوقيف من قبل الأجهزة الأمنية. تزامناً مع هذه التظاهرة، اعتصم آخرون على مفرق العباسية فقطعوا الطريق وحرقوا صور رئيس مجلس النواب نبيه بري ووضعوا الخيم وبدأوا اعتصامهم هناك. وفي اليوم الثالث من الانتفاضة، دعوا لتظاهرة منظمة سلمية أكدوا فيها على عدم استعمال الشتائم، واستخدموا فيها هتاف "كلن يعني كلن" و"تسقط سلطة رأس المال"، فكان "بلطجية" السلطة لهم بالمرصاد من كل حدب وصوب، لا يفرّقون بين نساء ورجال وشباب وأطفال، فانهالوا ضرباً على المعتصمين على مرأى الجيش اللبناني. ونتيجة للضرب المبرح الذي تعرّضوا له، عاد معظم المعتصمين إلى بيوتهم، والبعض الآخر لم يتمكّن من الوصول إلى التظاهرة. لكنّ شباب صور المستقلين والشباب المنتمين إلى قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي أصرّوا على استمرار التظاهرات في شارع "أبو ديب" في قلب المدينة، ولكن تمّ قمعهم بقوة السلاح من قبل ميليشيات السلطة وعلى مرأى الجيش أيضاً ومن دون لا حسيب ولا رقيب. وقد انتشر تسجيلٌ مصوّر للحادثة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تظهر أنّ "البلطجية" والقوى الأمنية، على حدٍّ سواء، في خدمة السلطة. فأتى الردّ سريعاً من قبل الثوار الذين نزلوا مجدّداً إلى الشوارع وتضاعفت أعداد المعتصمين تباعاً. فكان الاعتصام المفتوح في ساحة العلم، حيث أقيمت الحوارات المفتوحة وعلَتْ الهتافات المطلبية وأصوات الأغاني الثورية. كما أُعيد إقفال طريق العباسية ووضعت الخيم على الشارع العام من جديد. وانضمّ إلى ساحات الاعتصام عدد من المنتديات المستقلة والجمعيات النسائية. ولم تغب حقوق المرأة من بين الشعارات المطلبية، التي رفعت في ساحات الاعتصام، ومنها حق المرأة في منح جنسيتها لأولادها. وكما كان متوّقعاً، سلطة الأمر الواقع لم تستسلم، بل استكملت استخدام أساليب "البلطجة" والتهديد وعمدت إلى الضغط على أرباب العمل وتهديد الموظفين بالفصل في حال المشاركة في التظاهرات الشعبية. وبعض المتظاهرين تمّ طردهم من عملهم بشكل تعسفي. هذا بالإضافة إلى عمد البعض، بالقوّة والترهيب، على إجبار كلّ من شتم سياسيّي السلطة الحاكمة على تسجيل اعتذارٍ مصوّر. كلّ ذلك أدّى إلى انسحاب الكثير من المعتصمين من ساحات الاعتصام للحفاظ على وظائفهم وسلامتهم وسلامة عائلاتهم. ونتيجةً لهذا التهديد، وتجنّباً لأي افتعال للمشاكل من قبل قوى السلطة، فُتِحت الطرقات، وانضمّ ثوار المنطقة إلى ساحة العلم في صور. وقد تعاطفت جميع المناطق اللبنانية، كما اللبنانيون في الخارج، مع منتفضي صور وهتفوا "صور صور صور كرمالك بدنا نثور". لم ينتفِ الخطر الأمني نهائيّاً عن المعتصمين، فهم معرّضون للاعتداء في أي مكان وزمان. ولا بدّ لنا أن نحيي أبطال مجهولون حملوا أكفانهم على أيديهم، وناموا في خيم الاعتصام للتأكيد على استمرار الانتفاضة من صور إلى كل لبنان. لا يعرفون معنى الاستسلام ويقولون، ليس لدينا ما نخسره، فكلّ ما لدينا هو هذه الانتفاضة الشعبية، لأنها أملنا الوحيد: إما أن تنجح انتفاضتنا أونهجر بلادنا التي نحبّ. المفارقة هنا أننا لو عُدْنا إلى اليومين الأولين من الاعتصام، عندما شتم المنتفضون زعماء الجنوب بالأسماء وحرقوا الصور وقطعوا الطرقات وجالوا في التظاهرة على السراي في صور والمناطق المناصرة بشدّة لحركة أمل وحزب الله، لم يظهر البلطجيون في حينه، وغاب المناصرون، ولاذوا بصمت عميق. هل كان صمتهم علامة الرضا؟ جاء الهجوم الشرس من قبل البلطجية المسلحة في اليوم الثالث لإعادة إثبات نفوذهم بالقوة، بعد أن تمّ شحنهم وتجميع قواهم من قبل قيادتهم، ليقولوا نحن هنا، ليس فقط لترويع المعتصمين، بل لتخويف المناصرين أوّلاً. هم يعرفون أنّ هناك جمهوراً كبيراً مؤيّداً للانتفاضة الشعبية في مدينة صور، يلتزم بعضهم الصمت، وبعضهم من يدعم بإطلاق "أبواق" سياراتهم عند مرورهم جنب الاعتصام، كإشارة لتأييد معنوي من بعيد. بين الشيوخ والنساء والشباب، ومن بين الرعب والفرح المتّحدين في قلوبنا، تستمر صور في انتفاضتها المتينة كشجرة النخيل الشامخة فوق رؤوس المعتصمين في ساحة العلم التي تستمر كمساحة للنقاش والفنّ والثقافة، ومنبراً للانتفاضة وللتضحيات في سبيل التغيير.

من جل الديب إلى جبيل: نحن في الاعتصام، فانضموا إلينا!

 
منذ بدء الانتفاضة في السابع عشر من الشهر الفائت، بدأ المواطنين اعتصامهم في جل الديب، حيث أقفِل مسار واحد من الأوتوستراد تماماً بالسيارات وتحوّل إلى ما يشبه الموقف العام. أمّا الجهة الأخرى، أي المسلك المؤدّي من جونية إلى بيروت، اعتصم فيه المحتجّون بلحمهم الحي حيث جلسوا أرضاً، وكان اعتصامهم اليومي. وأصبح هتاف "سلمية سلمية" الشعار المعتمد في كلّ مرة يحاول فيها الجيش اللبناني بالقوة فتح الطريق في أوقات متأخرة من الليل أو عند الصباح الباكر. وكلّما استطاع جنود الجيش فتحها، كان يهبّ بعض المعتصمين لقرع أجراس الكنائس في المنطقة بشكل كثيف، فتهرع الناس لإقفال الشارع من جديد. ومن أبهى ما كرّسته هذه الانتفاضة هو نبذ الطائفية على امتداد ساحات الاعتصام في أرجاء الوطن. وفي جل الديب، هتف المعتصمون تضامناً مع كل المناطق من الجنوب إلى الشمال. وصدحت حناجر المعتصمين بعدة هتافات، أبرزها "كلن يعني كلن" و"يا حكومة فلّي فلّي عيّشتينا بالقلة"، وسط انتشار كثيف للأعلام اللبنانية التي رفرفت عالياً أو رُسِمت على وجوه المعتصمين، كباراً وصغاراً. اتهامات المغرضين التي ظهرت منذ اليوم الأول للانتفاضة وتكثّفت تباعاً باتهامات التمويل والتبعية للسفارات شكَلت استياءً كبيراً لدى المعتصمين في جل الديب. وحضور الناس الكثيف فاجأ الجميع، كما أثار الشكوك لدى البعض بتبعية المعتصمين لأحزابٍ من السلطة، إلّا أنّ معظم المشاركين كانوا فعليّاً من المستقلين، ومن مناصري بعض الأحزاب الذين انتفضوا على أحزابهم، وآخرين من شريحة علمانية وقوى يسارية كان حضورها الأكثر خجلاً. اعتصام جل الديب كان مشابهاً لباقي الاعتصامات في لبنان، تجد فيه من كل الفئات العمرية، وكان حضور الشباب لافتاً فيه، وأعداد المعتصمين كانت مفاجئة إذ أنّها تجاوزت الخمسة آلاف مواطن. ومعظم المعتصمين، أثبتوا استقلالية اعتصامهم عبر هتافاتهم المطلبيّة، وهم ممّن كانوا فاقدي الأمل في أي تغيير ممكن وكانوا يبحثون عن مستقبلهم خارج لبنان، وما إن هبّت الانتفاضة حتى شكّلت لهم فسحة أمل للمستقبل، وكانت المرّة الأولى التي ينزلون فيها إلى الشوارع للتظاهر. وفي جلّ الديب، أيضاً، كان حضور الطبقة الوسطى جليّاً، ليدلّ على فشل السلطة في تأمين حقوق حتى للبعض من ميسوري الحال. يقولون أن السلطة لم تترك لهم حتى هواءً نظيفاً ويشكون من الوضع البيئي الخطير الذي يترافق مع تلوث الهواء والمياه والتربة ويسبب الأمراض المميتة. معظم هؤلاء ممّن سافر أبناؤهم إلى الخارج للبحث عن العيش الكريم في بيئة سليمة. يعتصمون آملين ببناء وطن كي لا يُجبروا على الهجرة. يشتكي كثير من المعتصمين من تردّي البنية التحتية وزحمة السير الخانقة في هذه المنطقة وعدم الاستقرار الذي يعيق أدني المتطلبات الحياتيّة. استمرّ الاعتصام في جل الديب إلى أن عمد الجيش على فتح الطريق وفك الاعتصام وإزالة المنصة والصوتيات وجميع الخيم. رفع أهالي جل الديب اعتصامهم هناك لكنهم مستمرون في مطالبهم تزامناً مع باقي التحركات الشعبية. أما منطقة الذوق فشهدت منذ بدء الانتفاضة حضوراً لافتاً لأحزاب السلطة السياسية، ولكن المستقلّين عن أحزاب السلطة فرضوا وجودهم هناك، حاملين الشعارات والمطالب المحقة مثل باقي المناطق، واستطاعوا من خلالها التمايز وإثبات استقلالية حراكهم. استمرّ المتظاهرون بالتوافد إلى مكان الاعتصام على الطريق العام، إلى أن فُتحت الطريق بعد مواجهة عنيفة مع الجيش في صباح نهار الاثنين في الرابع من الشهر الجاري. وهذا الأمر لم يثنِ المعتصمون عن استكمال تحرّكاتهم، فخرجت التظاهرات الطلابية واستكمل المعتصمون تحرّكاتهم عبر إقفال المرافق العامة، مؤكدين على أنّ لا ثقة بهذه السلطة. في مدينة جبيل، كانت بداية الانتفاضة مع تسكير الطرقات من قبل مستقلين ويساريين وشيوعيين، وبعض مناصري السلطة الذين سعوا لإثبات وجودهم، مثل معظم المناطق، بغية تحقيق مكتسبات سياسية على حساب الناس المنتفضين. وضعوا المنتفضون الخيم في ساحة الاعتصام في أولى أيام الانتفاضة وأخذ الاعتصام يأخذ موقعه الصحيح من خلال هتافات المطالب المعيشية وحلقات حوارية. وعمد المعتصمون (من خارج أحزاب السلطة) إلى التنسيق في ما بينهم وشكّلوا مجموعات عمل ميدانية للتنظيم طوال الفترة الأولى. وبعد فتح الطرقات نظموا عدة وقفات أمام السراي في جبيل ومصرف لبنان وشركة "أوجيرو" وما زالوا مستمرين من خلال جلسات النقاش والندوات التي يقيمونها في ساحة البلدية. اللافت في هذه المناطق، كما كل أرجاء الوطن، أنّ التظاهر أصبح جزءاً من أسلوب حياة اللبنانيين. طالبوا باستقالة الحكومة وهذا ما حصل. ويطالبون الآن بتشكيل حكومة مستقلة وطنية من خارج قوى السلطة ذات صلاحيات تشريعية استثنائية للحكومة لوضع خطة انقاذ اقتصادية، وصياغة قانون انتخاب نسبي خارج القيد الطائفي، لتتم الدعوة على أساسه لانتخابات مبكرة. وفي حين أن آخرين يطالبون بحكومة تكنوقراط ، خطأً أو خبثاً، لأهداف واضحة، لا ثقة في أي اصلاح تضعه السلطة الحالية، فنحن لن نسامح ولن نقبل بسياسات الاستغلال والإفقار وبإعادة إنتاج سلطة عاجزة أشبعتنا خطابات كاذبة لم ينفذ منها حرف واحد، بعد أن بات اللبنانيون يسكنون في بيت واحد وهو ساحات الوطن المنتفضة، طامحين بسقف العيش الكريم لكل المواطنين.

بنت جبيل لن تكون ساحة للترهيب

 
مسارات الأحداث والتطوّرات المرتقبة خلال المرحلة القادمة ستحدّدها الخيارات والثوابت التي فرضتها انتقاضة الشعب اللبناني في السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر من العام الحالي. أيضاً لا بد من الإقرار والاعتراف من قبل الجميع على السواء بأن هناك معادلة استجدّت على الساحة اللبنانية وهي تعبّر بشكل واضح وصريح أن ما بعد هذه الانتفاضة لن يكون كما قبله. والمفاجأة الكبرى في هذا السياق تمثّلت بكسر حاجز الرعب والتخويف الذي فرضته آلة القمع والترهيب لدى كافة أطراف السلطة الفاسدة المتعاقبة على سدة الحكم على مدى عشرات السنين. فشرعت الأبواب الموصودة وانتفضت جموع المواطنين التواقة للحرية والانعتاق من سجون الكانتونات الطائفية، وبادرت إلى مغادرة طوابير المذهبية لتقدم الصورة الحقيقية والنموذجية للشعب اللبناني بإصراره غيرالمسبوق على التمسك بالوحدة الوطنية وإظهار إرادته الصلبة في مواجهة زعماء الحرب الذين لم يتركوا وسيلة إلّا واستخدموها في سبيل النيل من وحدة هذا الشعب وتفتيته على قاعدة "فرّق تسد". ومن جهة أخرى بدأت منجزات الانتفاضة تتجلّى تباعاً وقد تبدّلت موازين القوى لصالح الشعب اللبناني بدءاً بإسقاط الحكومة وبفتح ملفات الحكام وفضح صفقاتهم التي تفيض بالفساد والسمسرات أمام محكمة الشعب لمساءلتهم ومحاسبتهم وتحميلهم تبعات ما ارتكبوه من جرائم بحق الشعب والوطن من خلال تخريب مؤسسات الدولة مروراً بتدمير الاقتصاد وانتهاءً بالسطو على الثروات ونهب المال العام.هذه الطبقة الحاكمة استأثرت بجميع مفاصل الدولة، مستغلة كل ما يناسبها من بنود اتفاق الطائف لتأمين هيمنتها المطلقة وتعميم نفوذها ليشمل كافة المناطق اللبنانية عبر أزلام أحزاب السلطة وميليشياتها. وعليه فإن الحديث عن خصوصيات المناطق الخاضعة لسلطة القوى الطائفية، أمر يستدعي الحذر والحسبان لكثير من ردات الفعل التي قد تحصل من قبل تلك الأطراف التي اعتادت التعالي فوق القوانين لتفرض قوانينها الميليشياوية مستندةً إلى عوامل عدة، وفي طليعتها إخضاع الناس وتقديم الولاء لقاء ضمان المنفعة الشخصية، الأمر الذي أتاح لها تأمين حاضنة شعبية المرتكزة على الزبائنية والمحسوبية. ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإن ما جرى في مدينة بنت جبيل وقرى القضاء التابع لها، بنظر الجهات النافذة، ينذر بخطر داهم ويشكّل خروجاً عن القاعدة وتمرّداً على المألوف. ولأنّه يمثل، بحسب الجهات نفسها، تخريباً للسلم الأهلي وتعرّضاً لأمن المنطقة وللمقاومة... ولأن ما جرى، حسب اعتباراتهم، نكرانٌ للجميل. يستخدم هؤلاء النافذين هذه المقولات تبريراً لما جرى من تعديات وافتراءات طالت المتظاهرين أمام سرايا بنت جبيل. فيما أن حقيقة الأمر كان ممارسة أبسط وأدنى أشكال الاحتجاج وتحت سقف ادّعاءاتهم بكثير وتحت سقف القانون وبمواكبة القوى الأمنية وبطرق سلمية من قبل مواطنين يعانون الأمرّين، والذين نزلوا إلى الساحات وتظاهروا ضد سياسات السلطة. ألا يكفيهم ما تحمّلوه من وطأة الاحتلال على مدى عقود من الزمن؟ وهل يُعقل أن تبقى لعنة المعاناة مرافقة لهم وهم من بذلوا الغالي والنفيس من أجل التحرير للخلاص من إذلال الاحتلال والعودة إلى حضن الوطن وكنف الدولة العادلة؟ تظاهر أهل بنت جبيل والقرى المجاورة بعدما مارست السلطة وميليشياتها شتّى أنواع الذل وارتهان الكرامات بحق الجنوبيين. والأغلبية الساحقة من السكان المقيمين في قرى منطقة بنت جبيل هم من مزارعي التبغ الذين لم تكترث السلطة لهمومهم يوماً بل انحازت إلى جانب شركة الريجي في احتكاراتها وأمّنت لإدارتها الفضاء اللازم للاستمرار في نهب المزارعين وسرقة محاصيلهم، ونكران كافة حقوقهم في زيادة الأسعار أو الضمان أو دعم تسليفات القروض. أما الحق في العمل، فحدّث ولا حرج، حيث باتت الوظيفة حكراً على المحسوبيات. والدخول الى المستشفى يلزمه موافقة المراجع ودورة العمل في إطار المهن الحرة هي أيضاً تخضع لسياسة الاحتكار. وهذا ما يطرح عدة تساؤلات لدى المواطنين. هل يا ترى نزول هؤلاء المواطنين بمختلف أوضاعهم وظروفهم الاجتماعية للتظاهر والاعتصام والاحتجاج سواء في ساحات بنت جبيل أم سواها أصبح "منكراً" ويسيء للمقاومة؟! وهل نزول المزارعين للاعتصام أمام مكاتب الريجي للتذكير بمطالبهم المزمنة والمشروعة، أمراً "منكراً" ويسيء للمقاومة؟! وهل اعتصام الشباب وحاملي الشهادات المُعطّلين عن العمل للمطالبة بفرص العمل أصبح "منكراً" ويسيء للمقاومة؟! وهل التظاهر للمطالبة بتطبيق القوانين ومحاسبة الفاسدين وناهبي المال العام، أصبح "منكراً" ويسيء للمقاومة؟! وهل استخدام مكبّرات الصوت للهتاف ضدّ الجوع والفقر ورفع الظلم أصبح "منكراً" ويسيء للمقاومة؟! لتلك الأسباب كانت الانتفاضة في بنت جبيل وفي كل الساحات، لتلك الأسباب نزل المواطنون إلى الشوارع، سلاحهم النشيد الوطني ورايتهم العلم اللبناني، ومن أجل ذلك نحن باقون في الساحات حتى سقوط منظومة الفساد التي أوصلت الوطن إلى شفير الهاوية والاقتصاد الى درجة الإفلاس والانهيار بكامل مكوّناتها وتحميلها المسؤولية.  

يوميّات من ساحة انتفاضة عاليه

 
"كيف تكون الثورة نظيفة وهي التي تخرج من أحشاء الحاضر متّسخة به، تهدمه وتغتسل بوعد أن الإنسان جميلٌ حرّاً؟" مهدي عامل هكذا خرجت ثورتنا من أحشاء هذا الحاضر مثقلة بأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية ونفسية دفعت الناس، كلّ الناس، للصرخة سويّاً. في أولى أيام الانتفاضة الشعبية بدأت التجمعات على دوار عالية- خط الشام قاطعة الطريق الدولية فشكلت حالة لاقت ساحات الوطن وربطت أوصاله من القلب. فأصبح هذا الدوّار معروفاً بـ"الساحة" وضمّ أبناء عاليه والمحيط. شابات وشبان نساء ورجال منهم من لم تكن ساحات التظاهر تعرفهم سابقاً، فكانت سابقة لمن خلع جلباب الزعامات المعروفة. منهم من خلع هذا المعطف سابقاً ولكن لم تكن الساحات تعرفهم ومنهم من كان في الساحات منذ زمن. هكذا كان الشوف أيضاً، في بعقلين وبيت الدين، في حركة يومية لاقت تجاوباً شعبيّاً من أبناء المنطقة. في اليوم الأول رفضت ساحة عاليه أعلام أحزاب السلطة وتوجّهت في مسيرة نحو السراي حيث كرّست العلم اللبناني والشعار الأوحد "كلن يعني كلن". نحن في عاليه، كُنّا في أولى أيامنا بالعشرات ومع تقدم الأيام صرنا بالمئات واليوم صرنا بالآف. ثُبّتت الهوية، كما ثُبّتت مطالبنا في معركة واضحة لا تراجع عنها ضد السلطة السياسة والاقتصادية الفاسدة. ولمّا كان التحدي الأكبر المحافظة على لامركزية التظاهرات، ربحت عاليه التحدي وبنت الثقة خطوة خطوة. على خط الشام - دوار عاليه أصبح موعدنا اليومي لنخلق فسحة للنقاش والتحضير للطرق والأساليب لضمان الاستمرار. ندوات اقتصادية، قانونية، سياسية، يوغا، وفن، هكذا كانت ساحتنا تشبهنا بتنوعها وبوعيها.محطات أساسية زادت من اندفاعنا بدأت مع نثر الأرز من قبل الأهالي خلال المسيرات وتأكدت مع التزام شبه الكلي للمحال التجارية تلبيةً لدعوة "ساهم بالحل، سكّر المحل". أما الطلاب، نبض هذه الانتفاضة، لبّوا النداء في رفض الخضوع لقرار فتح المدارس، فكانت جولات المدارس أكثر من جيّدة وأعادت التأكيد أن القرار للناس. كسرت الساحة هاجس الخوف والتردد ما وسَع الساحة أكثر لتتحصّن بأبناء المنطقة الذين كانوا يعبرون عن رفضهم في ساحات بيروت. الكل الآن هنا، في مكانه الطبيعي. بعد انتهاء مرحلة تسكير الطرقات انتقلت الساحة مؤقتاً إلى ساحة شكيب جابر على خط الشام أيضاً وحافظت في يومياتها على تظاهرات صباحية ولقاءات مسائية. ومن سلسلة التظاهرات، عدّة وقفات أمام المصارف، والحصة الأكبر كانت لمصرف لبنان في عاليه، المدارس التي خالفت رأي الشارع بالإضراب، شركة الكهرباء، ومصلحة المياه والسراي."مدرسة الثورة" فُتِحت أبوابها في الساحة، وكان للأطفال مساحة شبه يومية للرسم والتفاعل واللقاء، حيث مُنحت لهم المساحة والوسيلة التي يستحقونها للتعبير، فتجلّت في الساحة إنتاجاتهم اليومية من رسومات وشعارات، ما شكّل محطةً تعكس الأمل القادم على أيادي الأجيال. قد يكون زمن الندوات داخل القاعات العامة قد ولّى، إنما للحوار في الساحات طعمٌ آخر، فكان اللقاء مع د. غسان ديبة، رئيس قسم الإقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية، أوّل الجلسات الحوارية، بعنوان "الاقتصاد ما بعد الثورة". وعلى الطريق العام ورغم كلّ الضجيج المحيط، كان الحوار الأمثل والنقاش المفتوح الذي عبّر عن مدى اطّلاع الناس ووعيهم لقضاياهم. مسار البوصلة للناس في الشارع بات واضحاً: إنها معركة طبقية بامتياز. "الثورة بين الشارع والدستور" كان عنوان جلستنا الحوارية الثانية مع د. سامر غمرون وهو عضو مؤسس وعضو هيئة إدارية في المفكرة القانونية وأستاذ محاضر في جامعة القديس يوسف. وفي المجال الاقتصادي أيضاً ، كان الحوار المفتوح حول القطاع المصارف مع الصحافية الاقتصادية رشا أبو زكي. وكانت دعوة "تعو نحكي سياسة وقانون" مع الأستاذ نزار صاغية، مدير وعضو مؤسس في المفكرة القانونية، في حلقة حوارية بعنوان "الفرق بين نظام الزعامة ونظام الدولة" لتؤكّد على دور الشارع في المرحلة المقبلة، فالشارع يمثّل الحكم والرقيب والحسي الذي يقف بالمرصاد وهو الكفيل للاستمرار. ولم تخلُ الساحة من الأغاني الثورية التي علا صوتها مع ابن الجبل الثائر الفنان الجميل خالد الهبر في تحية فنية منه للثوار. ولأن عاليه كما باقي الساحات عنونت هويّتها، لم تخلُ أيّامنا فيها من المضايقات والتضييقات التي لم تثنينا عن النضال بل زادت من زخمنا اليومي. يافطات تُزال فنطبع غيرها، "بلطجة" من هنا ومحاولة كسر عزيمة من هناك، فيأتي الردّ أكثر عزيمةً وإصراراً. وكما قال الشهيد كمال جنبلاط "الحياة في أصالتها ثورة فكن ثائراًعلى الدوام" ونحن على الخطى سائرون، نحن بخير ماضون.

من البقاع إلى كل لبنان: انتصرت الانتفاضة الشعبية

يمكن أن نصفَ الانتفاضة الشعبية المستمرة منذ ما يزيد عن عشرين يوماً بأنّها حدثٌ استثنائي في تاريخ لبنان، و مؤشّرٌ أخير على بدء إنهيار النظام السياسي الطائفي ووصول بنيته التحتية أي المنظومة الاقتصادية الرأسمالية التابعة إلى أزمتها المستعصية. فمن جهة، لم يعد النظام السياسي القائم قادراً على إعادة انتاج نفسه وتأمين ديمومة عمل آلياته الدستورية والقانونية، ومن جهة ثانية لم تخرج السياسات الليبرالية الجديدة التي اتّبعتها الحكومات المتعاقبة منذ اتفاق الطائف، عن مسارها الحتميّ، بتوليد آليات تزيد من الاستقطاب الطبقي، والنهب الممنهج للثروات العامة. إنّ النتائج الاجتماعية والاقتصادية لهذه السياسات باتت معروفة من ناحية توسيع هوامش الفقر، وضرب المكتسبات الاجتماعية والصحية والتعليمية للطبقات الشعبية، في حين تزداد قوة الاحتكارات الخاصة وآليات الخصخصة. ناهيك عن ازدياد الحرمان وتضخّم أعداد المُعطّلين عن العمل. لقد أتت الانتفاضة الشعبية كنتيجة حتمية للسياسات الاقتصادية المتّبعة، وفي الوقت عينه كخلاصة تراكم للاعتراض الشعبي منذ ما يزيد عن عشر أعوام، وإذ لم تقف عند الحدود المعيشية والإقتصادوية البحتة فإنّها أعلنت المواجهة مع النظام السياسيّ القائم ومع الطبقة الحاكمة بكامل أركانها، وهنا مكمن طبقيّتها الحقيقي.ولم يكن البقاع اللبناني بمنأى عن تفجّر الانتفاضة، لا بل أنّ هذه المحافظة، المهمّشة تاريخيّاً، شهدت قبل الانتفاضة بأسبوعين تحرّكات شعبية عديدة أغلق الشبّانٌ والشابات على إثرها الكثير من الطرقات، مشاركين بذلك مواطنين في مختلف أنحاء البلد، إلّا أنّ لانتفاضة أهل البقاع سماتها الخاصة. فمن جهة هي منطقة تُعدّ ضمن المناطق المحرومة إنمائيّاً وإقتصاديّاً، وهي من بين الأكثر فقراً على صعيد لبنان. وإذ أنهك الاقتصاد الريعي الإنتاج الزراعي والصناعي فيها، فقد حرم عشرات آلاف العمّال من أعمالهم. وفي الوقت التي شهدت المنطقة في فترة ما بعد الحرب نموَّ برجوزاية وسطى وفئات برجوازية صغيرة، إلاّ أنّه سرعان ما تراجعت المواقع الاقتصادية والاجتماعية لهذه الفئات؛ ولم تخدم تجارة التهريب عبر الحدود مع سوريا، أو إنتاج وتجارة الحشيش سوى فئة قليلة من أبناء المنطقة، في وقت ازدادت أعداد المتخرّجين الجامعيين، والنازحين. ومن ناحية أخرى، ومنذ نهاية الحرب الأهلية خضعت معظم مدن وبلدات وقرى المحافظة للقوى السياسية التقليدية، إذ تشدّدت قبضة قوى السلطة المذهبية بقاعاً، كل في منطقته. عمّت الانتفاضة البقاع في كافة مدنه وبلداته الكبرى، فمن بلدات البقاع الغربي وراشيا وصولاً إلى الهرمل وقراها ومروراً بزحلة وقضائها، خرجَ المنتفضون صوتاً واحداً متخطّين التبعيات السياسية والمذهبية، وكانوا عصبَ الانتفاضة البقاعية، منهم جمهورٌ كبير من المعطّلين عن العمل، ومن العمّال المياومين أو أصحاب الأجور المنخفضة، وأصحاب المهن ذات الدخل المحدود، بالإضافة إلى فئات متنوعة من الموظّفين وأصحاب المهن الحرّة، كما فئات من الرأسمالية المحلية المتضرّرة من السياسات المالية الأخيرة ومن الأزمة السورية. وفي منطقة تُعدّ محافظة اجتماعيّاً وتقليدية وذات بنية أبوية ذكورية متشددة بشكلٍ عام، كانت لافتة جدّاً المشاركة الواسعة والفاعلة للنساء، كما لطلاب المدارس مثلاً في إقفال الطرقات والتظاهرات والاحتجاجات المتنقّلة، ما يدلّ على تخلخل البنى الاجتماعية والعائلية التقليدية. لقد كانت تظاهرات طلاب الجامعات والمدارس الرسمية والخاصة علامة فارقة، وهي إذ أعادت الزخم للانتفاضة الشعبية، فإنّها في عددٍ من مدن وبلدات البقاع (بعلبك في طليعتها) استمرّت إلى حدٍّ كبيرٍ بكسرِ منطق الهيمنة والقمع "الناعم" الّذي مارسه الثنائي السياسيّ الشيعي، إذ شكّلت مشاركة طلاب مدارس وجامعات خروجاً عن الخضوع لها وتحدّياً إضافيّاً أمامها. في الوقت الذي شهدت زحلة خروج تظاهرات كبيرة عُدّت بالآلاف ورفعت مطالب إجتماعية يسارية، وسياسية مدنية. وزحلة تُعد المدينة العصّية على الأحزاب اليسارية والديمقراطية الحديثة، مثلما يصفها الكثيرون، في الوقت الذي حاول فيها حزب القوات وغيره استثمار الانتفاضة لصالح رؤيته الخاصة. كما شهدت ساحاتها، عدا عن الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية الشعبية، ندوات حوارية يومية وفعاليات ثقافية وتوعوية (وهذه حال نقاط الاعتصام كافةً) ما شكّل فضاءً عموميّاً تشاركيّاً ديمقراطي المضمون، ما ساهم بإعادة الصلة بين المناطق والسكّان باعتبارهم مواطنين أصحاب حقوق وليسوا جماعات طائفية تابعة للقوى التقليدية السائدة. بالرغم من سياسات التهويل والقمع و"البلطجة"، وبالرغم من كلّ المخاطر الممكنة والقائمة، فقد برهنت الانتفاضة الشعبية على أن باستطاعة الشعب اللبناني بأكثريته الساحقة أن يمتلك زمام المبادرة لتغيير الواقع المفروض اقتصاديّاً وسياسيّاً، وإن لم يكن بالإمكان التيقّن من مآلات الانتفاضة، فإنّه يمكن تسجيل عدّة انتصارات لها، أوّلها أنّها أدخلت إلى الساحة السياسية لاعباً جديداً يتمثّل في القوّة الشعبية العابرة للتبعية السياسية والطائفية وللمناطق. وبذلك أضيف إلى لعبة توازن القوى قوّة جديدة ألزمت السلطة على تقديم تنازلات مرشّحة للازدياد حالما بقيت الانتفاضة مستمرة؛ وقد أدخل هذا اللاعب الجديد دينامية سياسية جديدة قادرة لاحقة على إنتاج واقع سياسيّ حديث والانتقال بالبلد إلى فضاء سياسي واقتصاديّ مغاير عن السائد ذي أفق اجتماعي ديمقراطي مدني عصري. وثاني الانتصارات، أن الانتفاضة تجاوزت الأطر التقليدية في التنظيم الهرمي الصلب، فحتّى اللحظة بقيت الانتفاضة من حيث التنظيم والتوزّع المكاني أفقيةً ممتدة وغير مركزية في وقت تنبني الدولة على التمركز، ما أربك القوى المتسلطّة وجعلها منفصلة عن الواقع المستجد، خاصةً أن كل الدعوات السلطوية لتشكيل قيادة للانتفاضة من أجل التفاوض باءت بالفشل. وثالث الانتصارات يتمثّل في أنّ الانتفاضة أعطت دفعاً للحركة النسوية حديثة الولادة، كما لتلك البيئوية، وأعادت إحياء التنظيمات النقابية والقطاعية ذات المضمون الديمقراطيّ، كما الحركة الطلابية المدرسية والجامعية. إنّ هذه الانتصارات وغيرها قادرة على ترسم مستقبلاً جديداً للبنان ينقل الجمهورية من كونها فاشلة تخدم الأثرياء إلى دولة ديمقراطية إجتماعية حديثة تخدم غالبية مواطنيها على امتداد الوطن، وفي مقدّمتهم الأشد عوزاً في الشمال والبقاع.