|
تكثر التساؤلات عن المنحى الذي يمكن ان تسلكه البلاد في الاشهر المقبلة
في ظل انسداد افق المعالجات وصيغ الحلول المطروحة من طرفي الصراع
الاساسيين، الموالاة والمعارضة، للخروج من الازمة التي يعاني منها
لبنان. وتزداد الخشية اكثر على مصير البلاد في حال اتجهت الامور نحو
مزيد من الانقسام على صعيد المؤسسات الرسمية، بدءاً من اجراء
الانتخابات الفرعية في المتن وبيروت دون توقيع رئيس الجمهورية، الى ما
يشاع عن نية المعارضة تشكيل حكومة ثانية، وصولاً الى نية الاكثرية
النيابية اجراء انتخابات رئاسية باكثرية النصف زائد واحد.
ان ما يقلق الناس جميعاً ليس فقط انسداد الافق امام المعالجات
السياسية، على خطورته، بل ان يترافق ذلك مع توترات امنية تشكل حالة
الانقسام الحادة اداة لها وارضاً خصبة او ميداناً لكل من يريد استخدام
الساحة اللبنانية مكاناً لتصفية حسابات او توظيفها خدمة لمشاريعه
واهدافه في المنطقة. وقد شهدت البلاد نماذج متعددة ومتنوعة من احداث
نهر البارد التي لم تنته بعد، الى الاشتباكات المتنقلة مع مجموعات
القاعدة النائمة، الى التفجيرات العابثة بامن المواطنين وارزاقهم الى
الاغتيالات الى التفجير الاخير الذي استهدف قوات اليونيفيل في الجنوب.
هل من مخارج قبل الاستحقاق الرئاسي؟
تشير معظم التطورات الى انه لا توجد مؤشرات الى امكانية حصول مخارج في
وقت قريب، بل نحن امام حال من المراوحة السياسية وتقطيع للوقت حتى
انتخابات رئاسة الجمهورية، ولا نستند في ذلك الى فشل مبادرة امين عام
جامعة الدول العربية عمر موسى (اذا صحت تسميتها بمبادرة) وتقلص
المبادرة الفرنسية الى صيغة حوار بين الافرقاء من الدرجة الثانية، بل
الى حسابات اقليمية ـ ودولية وداخلية ترجح هذا التوقع ابرزها:
على الصعيد الاقليمي ـ الدولي:
رغم اقرار الادارة الاميركية بالفشل الذي اصاب استراتيجيتها في المنطقة
في بناء شرق اوسط كبير او جديد، وفشل خططها الامنية والعسكرية
المتلاحقة في افغانستان والعراق، اضافة الى الهزيمة الكبرى التي اصابت
اسرائيل في لبنان اثر حرب تموز 2006. الا ان ذلك كله، لا يبدو انه يشكل
اساساً لقيام منهجية جديدة عند هذه الادارة لصالح خيارات التسوية في
المنطقة، بل بالعكس نشهد محاولات اميركية مستميتة لاعادة ترميم ولملمة
وضعها ومعها اسرائيل وفق خطة جديدة بدأت تظهر ملامحها في اكثر من
اتجاه:
ـ سعي اميركي حثيث في العراق، وتفادياً لهزيمة مبرمة وانهيار شامل
للقوات الاميركية هناك، اذا ما استمر الوضع على ما هو عليه الآن، وهو
امر لا يقبله لا الجمهوريون ولا الديمقراطيون، تسعى الولاياة المتحدة
باساليب متعددة، امنية وعسكرية وسياسية واثارة النعرات المذهبية،
لتكريس واقع جديد يقبل بوجود قواعد اميركية ثابتة في العراق تؤمن لها
بقاءها هناك والامساك بالقرار الداخلي، وفرض هيمنتها عليه وعلى نفطه
باقل الخسائر من جهة، وامكانية استخدام هذه القواعد والقوات في حرب
محتملة ضد ايران او سوريا من جهة ثانية.
ـ سعي اميركي حثيث لتشكيل ما تسميه حلف المعتدلين ليكون داعماً لخطتها
في المنطقة، وتستطيع بواسطته تغيير قواعد اللعبة والصراع في المنطقة
ونقلها من مواجهة اسرائيل والولايات المتحدة الى مواجهة ضد ايران كخطر
فارسي وشيعي يهدد المنطقة او على الاقل ممارسة ضغوط على سوريا وايران
والمقاومة في فلسطين ولبنان من خلال الحصار والشحن والتعبئة لتسهيل
نجاح الخطة الاميركية.
وكون هذه الخطة تحتاج الى عدة اشهر كي تتحقق او تظهر نتائجها، وهي
الفترة التي تتزامن مع موسم الانتخابات الرئاسية الاميركية التي يبدأ
العد العكسي لها مع نهاية شهر ايلول المقبل، فان السياسة الاميركية في
المنطقة ستنطوي على المزيد من الضغوط والتصعيد واشعال الحرائق واشاعة
الفوضى ومنع الحلول لجميع الازمات المتفجرة، علها تنجح حتى ذلك التاريخ
كي تكون قادرة على فرض الوقائع الجديدة، واعادة ترتيب اوضاع المنطقة
وفق مصالحها، بما فيها حتى تصبح اسرائيل، التي تحاول ترميم وضعها
السياسي والعسكري، حتى تصبح قادرة على مساعدة الولايات المتحدة اذا ما
اقتضى ذلك شن حرب جديدة في فلسطين ولبنان وضد سوريا.
من هنا شهدنا ضغطاً اميركياً لمنع نجاح التسوية الفلسطينية التي اتفق
عليها برعاية سعودية، وضغطاً اميركياً كبيراً على فرنسا لمنعها من
التمايز في موقفها وتغيير سياستها في لبنان والمنطقة، فكيف بمبادرة
للحل، وهذا الضغط مورس على عمر موسى ومبادرته.
ان لبنان كونه الورقة الرابحة الوحيدة للولايات المتحدة في المنطقة فان
الحاجة الاميركية كبيرة للحفاظ عليها وعدم التفريط بها، لذلك تسعى
للامساك بكل الاوراق فيه وتدويلها جميعاً، من القرار السياسي الى الامن
الى المحكمة الدولية الى رئاسة الجمهورية وبقائه ساحة مفتوحة على حريق
كبير لاستخدامه اما للمفاوضة عليه او لاستخدامه في معاركها ضد المقاومة
وسوريا وحتى القاعدة.
اما على الصيد الداخلي، فان دينامية الصراع وطبيعته السياسية والطائفية
بين قوى الموالاة والمعارضة لا يبدو انها قادرة على انتاج حل داخلي،
فكيف اذا استجابت لمتطلبات الصراع الدائر على المستويين الاقليمي
والدولي.
فالموالاة التي ربطت مصيرها ووضعها بالكامل بالاجندة الاميركية في
المنطقة ومحاورها، وهي باتت تعلن ذلك جهاراً، لا يمكنها، بحسب ذلك،
الدخول في تسوية داخلية، حتى لو عرضت البلد الى مزيد من الشرذمة
والانقسام ومعهما السلم الاهلي للخطر، وهي في سلوكها ترسم خطاً بيانياً
تصعيدياً اصبح واضحاً، فبعدما ربطت موافقتها على تشكيل ما يسمى بـ
"حكومةالوحدة الوطنية" التي تطالب بها المعارضة باقرار المحكمة ذات
الطابع الدولي، لجأت الى رفع شعارات جديدة، بعدما جرى تدويل المحكمة
واقرارها في مجلس الامن، مثل شعار اعطائها الرئيس الجديد مقابل
الحكومة، او اعطاء اولوية للحدود مع سوريا وتدويلها تحت حجج تهريب
السلاح والمسلحين، وصولاً الى استخدام الاحداث الامنية والمعارك
الداخلية للجيش اللبناني مع عصابة فتح الاسلام، اذا لم نقل الدفع
باتجاهها وتوسيعها باتجاه بقية المخيمات والمواقع الفلسطينية الاخرى
خارج المخيمات، لاعطاء الشأن الامني الاولوية على حساب المعالجات
السياسية للاحتفاظ بوضعها كحكومة وتكريس سلطتها كأمر واقع تحت شعار
التوحد حول الجيش، مع ضرورته، وفي مواجهة الخطر الامني الداهم.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فان قوى الرابع عشر من آذار يبدو انها غير
قادرة على التمساك اذا ما دخلت في تسوية داخلية اعطت فيها للمعارضة حصة
في الحكومة، وادت الى انتخاب رئيس "توافقي" تضعف من دور بعض المشاركين
معها وتقطع حلم البعض الآخر في الرئاسة. فقد ظهرت عوارض عديدة عليها
بسبب سلوكها السياسي والقانوني وانكشاف الوضع الامني بالشكل الخطير
الذي ظهرت فيه فتح الاسلام ومجموعات القاعدة النائمة، الى الحديث عن
اعادة النظر بدور القوات الدولية في الجنوب او ما سمي باعادة النظر
بقواعد الاشتباك، الى افتعال واختراع المشاكل مع سوريا لتدول الحدود
...الخ (من هذه العوارض يمكن ملاحظة مواقف بطرس حرب وبهيج طبارة
والنائب الحسين).
ان اصرار الموالاة على هذا السلوك وربط وضعها بالمصير الاميركي في
المنطقة يدفعنا الى الاستنتاج انها تأخذ البلاد الى مزيد من التأزم
السياسي والدستوري وحتى الامني، بما يجعل لبنان ارضاً مفتوحة على شتى
الاحتمالات (كما هي الرغبة الاميركية) ويزيد من ارتهانها للارادة
الدولية التي بات شغلها الشاغل في مجلس الامن لبنان وحكومة السنيورة.
بناء على ذلك فان المنحى الذي يمكن ان تسلكه الموالاة حفاظاً على
سلطتها وتماسكها للمرحلة المقبلة هو رفض البحث بتشكيل حكومة قبل
انتخابات الرئاسة للاحتفاظ بورقة الرئاسة بيدها للمقايضة عليها
بالحكومة، واذا لم تنجح المقايضة في الاتيان برئيس من اركانها بموافقة
المعارضة يمكن ان تلجأ الى واحدة من خطوتين:
الاولى التهديد بانتخاب رئيس بنصاب النصف زائد واحد مستندة الى دعم
دولي وعربي الى جانبها يساعدها لاحقاً على فرضه امراً واقعاً بسبب
الاعتراضات الكبيرة التي قد تنشأ من جراء هكذا خطوة (حتى من البطريرك)
وبسبب مخالفتها الدستور بشكل واضح ومكشوف. وهي اذ تعتقد ان المعارضة قد
تمنعها من تنفيذ خطوتها هذه بواسطة التحركات الشعبية الكبيرة لجأت الى
ارسال نوابها الى الاقامة في الخارج لاجراء العملية الانتخابية هناك.
اما اذا وجدت انها عاجزة عن تأمين النصف زائد واحد بسبب اعتراضات
داخلية عندها، او لخلافات حول الرئيس الذي تنوي انتخابه، وهذا امر
احتمالاته كبيرة، تلجأ الى خطوة ثانية هي اقدامها على استقالة وزيرين
من الحكومة المتبقية كي تتحول الى حكومة تصريف اعمال بحكم الدستور
والقانون وتمنع على المعارضة او رئيس الجمهورية التذرع بعدم دستوريتها
لتشكيل حكومة ثانية، وتفرض استشارات ملزمة لتشكيل حكومة جديدة وتماطل
بتشكيلها الى امد بعيد، بما فيها تجاوز موعد انتخابات الرئاسة وتتحول
عندها صلاحيات رئيس الجمهورية اليها.
اما المعارضة فمشكلتها انها لا تملك خطة لمواجهة السلطة، وهي تراوح
مكانها اسيرة للانقسام الطائفي والمذهبي الحاد الذي اغرقت نفسها به،
ولطرحها المحاصصي بتشكيل "حكومة وحدة وطنية" صارت اقرب الى الحلم منه
الى الواقع، وهي مع ذلك لا تزال تملك اوراقاً مهمة، مثل وزنها الشعبي
الذي يبدو انها اصبحت عاجزة عن استخدامه في اي تحرك بسبب التخوف من
انفلات امني قد يؤدي الى فتنة مذهبية. وهي تملك ايضاً تعطيل دستورية
انتخاب رئيس الجمهورية، الى احداثها تعطيلاً لقدرة السلطة على ممارسة
سليمة ووضعها موضع تشكيك دستوري يمكنها من تشكيل حكومة ثانية تنازعها
الشرعية، حتى هذه الامكانية غير قادرة على استخدامها الآن بسبب
المفاعيل الدستورية والمؤسساتية الانقسامية التي ستنتج عنها، وما يمكن
ان تؤديه من استغلال من قبل المولاة ومن ذريعة لها لاجراء انتخابات
رئاسية من جانب واحد.
هذا الارباك لدى المعارضة يجعلها في حالة انتظار وترقب لما ستقدم عليه
السلطة من ممارسات مقبلة كي تتعامل معها وتتحرك باتجاهها، الامر الذي
يجعل البلاد في حال انتظار الى ما بعد ايلول حتى يظهر ما اذا كان هناك
من حلول!
|