الخميس، تشرين(۱)/أكتوير 29، 2020

الدولة في لبنان... الآن مدَنية

  وسام اللحام
رأي
مع تصاعد موجة الاحتجاج في وجه نظام الزعماء، عمد هؤلاء إلى حرف الأنظار عن مسؤوليّتهم في الانهيار الشامل الذي يضرب المجتمع اللبناني، عبر المطالبة بالدولة المدنية كالحل السحري لكلّ المشاكل التي يعاني منها لبنان. ولا شكّ في أنّ هذا الطرح ينطلق من مسلَّمة مغلوطة تفترض أنّ لبنان، اليوم، هو «دولة طائفية»، وبالتالي تصبح الدولة المدنية شكلاً آخر من أشكال إلغاء الطائفية السياسية، ما يكشف حقيقة هذا الطرح الذي يريد أن يوهم اللبنانيين بأنّ المشكلة تكمن في الطائفية السياسية، بوصفها مجموعة من التدابير المؤسّساتية القانونية، وليست في نظام الزعماء القائم على تقويض منطق الدولة والمؤسّسات عبر الزبائنية والمحاصصة والتهديد الدائم بالحرب الأهلية.


من خلال دراسة البناء القانوني للدولة اللبنانية، الذي أُرسي زمن الانتداب الفرنسي، مروراً بالتعديلات المختلفة التي أُدخلت عليه، يتبيّن لنا أنّ لبنان هو الآن دولة مدنية، وهذا لا يتناقض إطلاقاً مع وجود مجموعة من الأحكام القانونية التي ترعى الشأن الطائفي، إن كان عبر الأحوال الشخصية، أو عبر تأمين مشاركة الطوائف في مؤسّسات الدولة. فالطوائف لا وجود لها إلّا من خلال اعتراف الدولة بها، الأمر الذي حدَث على مراحل، كان أبرزها قرار المفوّض السامي رقم 60/ل.ر. تاريخ 13 آذار / مارس 1936، والذي اعترف بما أطلق عليه تسمية «الطوائف التاريخية»، وفرَضَ عليها في مادّته الرابعة أن «تعرض للفحص على السلطة الحكومية، نظاماً مستخلَصاً من النصوص التي تُدار الطائفة بموجبها». بينما نصّت المادة الخامسة من القرار نفسه على التالي: «يصدّق هذا النظام بقرار تشريعي يجعله نافذاً ويتضمّن الاعتراف بالطائفة، وفقاً لأحكام المادة الأولى من هذا القرار، بشرط أن لا يتضمّن نصاً مخالفاً للأمن العام أو الآداب أو دساتير الدول والطوائف أو أحكام هذا القرار». فأنظمة الأحوال الشخصية الطائفية، لا تصبح نافذة بمجرّد إقرارها من قبل السلطات الدينية، بل هي تحتاج إلى تصديق تشريعي، أي إقرارها في مجلس النواب بموجب قانون. فالمضمون التشريعي الطائفي يكتسب قوّته القانونية، فقط عند إقراره في مجلس النواب، الذي يحتفظ شكلياً بحصريّة سلطته التشريعية.
من جراء ما تقدّم، يتبيّن لنا أنّ «الطوائف التاريخية» هي مؤسّسات رسمية تابعة للحق العام، منحَها القانون سلطات كي تمارسها حصراً في مجال الأحوال الشخصية، وبالتالي فهي وإن كانت تاريخياً سابقة بوجودها الدولة اللبنانية، لكنّها من الناحية القانونية لاحقة بوجودها، أي أنّها تستمدّ سلطتها من اعتراف الدولة بها. وهذا ما يظهر جلياً في القرار 60/ل.ر. الذي يقرّ بوجود لبنانيين لا ينتمون إلى طوائف تاريخية (المادة 10)، بينما تنصّ المادة 11 على أنّ «كل من أدرك سن الرشد وكان متمتعاً بقواه العقلية يمكنه أن يترك أو أن يعتنق طائفة ذات نظام شخصي معترف بها...». فحقوق الطوائف لا تلغي حقوق الأفراد الذين يتمتّعون بحرية تامّة في علاقتهم مع تلك الطوائف. وهذا ما يظهر أيضاً بشكل واضح لا لبس فيه في المذكرة الإعدادية للقرار 60/ل.ر. التي وضعها المفتش العام للأوقاف فيليب جيناردي عام 1934، إذ يتبيّن أنّ هدف القرار هو تنظيم شؤون الطوائف من دون المس بحرية الأفراد، وذلك من خلال التأكيد على سمو السلطة المدنية (suprématie du pouvoir civil) على الطوائف.
أكثر من ذلك، يعود لمجلس النواب تعديل لائحة الطوائف المعترف بها، كما حصل مع القانون رقم 553 الصادر في 24 تموز / يوليو 1996، والذي أضاف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إلى لائحة الطوائف المعترف بها بموجب القرار رقم 60/ل.ر. فالطوائف بغضّ النظر عن عقائدها الدينية، هي مجموعات اجتماعية نشأت في ظروف تاريخية محدّدة، ما يعني أنّها خاضعة للصيرورة التاريخية بحيث يزداد عدد أتباعها أو يتراجع، أو حتّى تتطوّر العلاقات القائمة بين أفرادها نتيجة ظروف معيّنة فتصبح أكثر لحمة، أو بالعكس تماماً تنحل لدرجة تضمحل به الطائفة وتزول كحقيقة اجتماعية. لذلك، يعود للدولة أن تعدّل علاقتها مع الطوائف، وفقاً لتطوّر واقع المجتمع، وهذا ما يفسر إقرار النظام القانوني اللبناني بحق الدولة بالاعتراف بالطوائف وتنظيم شؤونها، أي أنّ الدولة هي مدنية بطبيعتها لأنّها لا تتبنّى عقائد هذه الطائفة أو تلك، وهي لا تهدف إلى فرض الأخلاق الدينية التي تقول بها هذه المجموعة أو تلك، كون العقائد والأخلاق الدينية تجد مصدرها في تشريعات سماوية، بينما الدولة في لبنان تعتبر الطوائف مجرّد كيانات تاريخية اجتماعية، وهي لا يهمّها إطلاقاً تعاليم هذه الطوائف لناحية نظرتها إلى الوجود وطبيعة الله والثواب والعقاب، إلى ما هنالك من عقائد دينية مختلفة.
ويتجلّى سمو الدولة على الطوائف أيضاً، باشتراط القرار 60 ل.ر. في مادّته الخامسة كما مرّ معنا، ألا تتعارض أنظمة الطوائف مع الأمن العام ودستور الدولة. فالدولة اللبنانية تقبل بوجود الطوائف كواقع اجتماعي لا بدّ من التعامل معه، لأنّ هدف أيّ دولة هو إيجاد الإطار القانوني الذي يضمن للأفراد ممارسة حقوقهم الأساسية، سواء كان ذلك عبر تكريس الانتماء الطائفي للمواطنين أم عبر الإقرار بوجود أفراد لا ينتمون إلى طوائف تاريخية، بل يفضّلون بقرار شخصي وحر عدم الإعلان عن معتقداتهم الدينية وتنظيم علاقتهم مع الدولة بشكل مباشر، من دون المرور بالقناة الطائفية.
وقد كرّس الدستور اللبناني طبيعة الدولة المدنية، عبر إعلانه في الفقرة «د» من مقدّمته، أنّ الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات، أي أنّ الدولة تستمدّ شرعيّتها من الشعب، وليس من أيّ عقيدة ماورائية، ما يعني أنّ السلطات في لبنان هي زمنية وتشريعاتها وضعية. فالنظام القانوني اللبناني، لا يقرّ بوجود إلّا سلطة تشريعية واحدة تتجسّد في مجلس النواب، ووجود أحوال شخصية طائفية لا يتناقض أبداً مع مدنية الدولة، كون التشريعات الطائفية لا تفرض ذاتها استناداً إلى شرعية دينية متعالية، بل هي نافذة فقط كون الدولة عبر دستورها وقوانينها سمحت لها بالوجود. وبالفعل، ومن دون الدخول في التفاصيل، قام مجلس النواب أكثر من مرّة بتعديل أنظمة الأحوال الشخصية للطوائف، ما يؤكّد سمو الدولة الدائم على الطوائف.
وتتجلّى سيادة الشعب، أيضاً، في المادة التاسعة من الدستور، التي تنصّ على أنّ حرية الاعتقاد مطلقة، أي أنّ المواطن في لبنان حرّ في الانتماء إلى طائفة معيّنة، أو رفض هذا الانتماء بغضّ النظر عن حقيقة إيمانه. فحرية الاعتقاد تشمل، أيضاً، حرية إشهار هذا الاعتقاد، إذ قد يكون الفرد مؤمناً بعقيدة دينية ما، لكنّه يرفض تصنيف نفسه ضمن طائفة بما هي مجموعة تاريخية اجتماعية، ويكتفي بممارسة إيمانه في حياته الشخصية.
إنّ هذا السرد السريع يثبت، بشكل قاطع، أنّ الدولة في لبنان هي الآن مدنية، ووجود أحكام دستورية خاصة بالطوائف لا ينزع عنها إطلاقاً مدنيّتها. فإدراك مدنية الدولة القائمة حالياً، يؤدّي تلقائياً إلى تفكيك الخطاب الذي يروّج له النظام السياسي الذي يزعم أنّ الانهيار الشامل الذي يعيشه لبنان، هو بسبب الطائفية السياسية، وأنّ الحل المنشود هو الدولة المدنية، كون هذا الطرح الأيديولوجي يهدف إلى حرف الأنظار عن نظام الزعماء الذي يهيمن فعلياً على لبنان، والذي يمنع الدولة اللبنانية من ممارسة مدنيّتها الكاملة عبر تبرير الفساد والزبائنية والمحاصصة بضرورات الطائفية السياسية، بينما الحقيقة هي أنّ النظام السياسي المهيمن على لبنان هو مجرّد توازن رعب سلطوي بين زعماء يطالبون بالدولة المدنية، فيما يقومون فعلياً بتكبيلها وتدميرها.
* أستاذ جامعي
*المصدر: جريدة الأخبار