الأحد، تشرين(۲)/نوفمبر 29، 2020

بؤس السياسة النقدية

  الأمجد سلامة - "الأخبار"
رأي
ظهر إلى العلن، في الأسبوعين الماضيين، امتناع مصرف لبنان التعاون مع الشركة التي التزمت إجراء التدقيق الجنائي في حسابات المصرف، ما أثار مجدّداً الشكوك بأهلية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في الاستمرار بتولّي مسؤولياته. ورغم أنّ المسألة مطروحةٌ من زاوية قانونية تتعلّق بالتمرّد على السلطة الإجرائية، إلّا أن تجنّد الإعلام والقوى السياسية دفاعاً عنه، أعاد التذكير بالخطّ الأحمر المرسوم حول الحاكم. هذا «الفيتو» على إقالته كان فاعلاً خلال السنة الماضيّة وقد ظهر في أكثر من منعطف، خصوصاً عندما تبيّن أنّ الحلول والأدوات المالية المتوافرة في جعبته محدودة للغاية. أمّا الجبهة المناوئة له، فقد بدأت تكوّن تصوّراً يعيد سبب محدودية فاعليته إلى مزيج من المحدودية التقنية، والانخراط في اللعبة السياسية بعدما انحاز إلى طرف من طرفي النزاع وأظهر أن أولويته تأمين مصلحة أصحاب رؤوس الأموال.


بين الانحياز والمحدودية التقنية، يعدّ العامل التقني أساس المسألة التي يمكن تفنيدها من خلال شرح «قانون غودهارت» وانصياع سياسات لبنان المالية له منذ نحو ثلاثة عقود، علماً بأن حاكم مصرف لبنان انفرد برسم هذه السياسات منذ عام 2005 على الأقل.

قانون غودهات: المؤشّر والهدف
يشير قانون «غودهارت» إلى أنّه عندما يصبح المقياس، أو عامل القياس، هدفاً بحدّ ذاته، فإنّه لا يبقى عامل قياس جيد. وهذه المعادلة استخرجها عالمة الأنثروبولوجيا مارلين ستراثرن من نتائج أبحاث الاقتصادي البريطاني تشارلز غودهارت. دراسة هذا الأخير تمحورت حول القيود النقدية للجنيه الإسترليني بعد التوقف عن العمل باتفاق «بريتون وودز» الذي كان يربط سعر صرف العملات العالمية بالدولار المربوط بالذهب. فطوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى عام 1971، كان الجنيه الاسترليني مربوطاً بالدولار الأميركي. كان هذا الربط يسيطر على السياسات النقدية في إطار ضوابط واضحة. فمصارف المقاصة (التجارية) الرئيسية كانت خاضعة لضوابط مباشرة مختلفة تتحكّم بقدرتها على توسيع ميزانيتها عبر الإقراض. لكن عندما حرّرت الولايات المتحدة الدولار من الارتباط بالذهب، تم تعويم الجنيه الاسترليني من جانب واحد اعتباراً من عام 1972 بالتزامن مع ظهور حاجة لوجود بدائل من الدولار تكون بمثابة مرجعية معيارية اسمية لتوجيه السياسة النقدية في النظام الجديد.
في هذا الإطار، يستند غودهارت إلى خلاصة أبحاث صدرت عن البنك المركزي وأكاديميين استنتجوا أن هناك نمطاً مستقرّاً للطلب على الأموال في المملكة المتحدة. وبحسب الأدلّة الاقتصادية القياسية، تبيّن أن ارتفاع أسعار الفائدة يؤدّي إلى انخفاض وتيرة نموّ النقد. وبالتالي فإنّ من الممكن استخدام هذا النمط للسيطرة على النمو النقدي من خلال تحديد أسعار الفائدة قصيرة الأجل من دون اللجوء إلى تطبيق قيود كمية على عرض المال. هكذا بدا أن هناك معادلة للطلب على النقود من شأنها تأمين الفعالية في اختيار السياسات النقدية والقدرة على مراقبة نتائج الاختيارات، فضلاً عن إمكانية تحقيق المستوى «المناسب» من إجمالي النقد من خلال عمليات سوقية تهدف إلى تغيير مستوى أسعار الفائدة.
خلص غودهارت إلى أن هذه الاستنتاجات أسهمت في أن تصبح الأهداف الوسيطة للسياسة النقدية أبعد من تحديد سقوف مالية للمصارف، بل أن تتخطّاها لتشمل التحكّم بمعدّلات نموّ النقد. وبالتالي، يصبح التحكّم بأسعار الفائدة داخل نظام ماليّ تنافسيّ وحرّ هو أداة التحكّم الرئيسية لتحقيق أهداف السياسة النقدية. تطبيق هذه الآلية لم ينجح، بل انهار النموذج الذي استُخرجت منه هذه العلاقة بين الفائدة وعرض المال. تفسير غودهارت لهذا الانهيار، جاء جازماً بأن أيّ انتظام إحصائي مرصود سيميل إلى الانهيار بمجرد الضغط عليه بهدف تحويله إلى أداة للتحكّم (الانتظام الإحصائي هو مفهوم في الإحصاء ونظرية الاحتمالات يشير إلى أن الأحداث العشوائية تُظهر انتظاماً عند تكرارها مرّات كافية، أو أن الأحداث العشوائية المتشابهة بدرجة كافية تُظهر انتظاماً). بمعنى آخر، إن العلاقة المرصودة مسبقاً بين سعر الفائدة الاسمي، وبين كمية النقد، قد انهارت بمجرد أن تحوّل سعر الفائدة إلى آلية للتحكم بنموّ النقد. فرغم وجود «انتظام احصائي» ثابت بينهما خلال فترة معيّنة، إلّا أن هذه العلاقة تميل إلى الانهيار لأنها تتحوّل من كونها «نتيجة لاحقة» إلى «قاعدة مسبقة بهدف الرقابة والتحكم النقديّين». فكلما حاولت السلطات استغلال الانتظام الإحصائي، سيتغيّر نمط سلوك القطاع الخاص. لا شكّ بأنه يرصد هذا التحوّل ويصبح تعامله مع أدوات التحكّم بسلوك مختلف عن التعامل معه كمؤشّر. كذلك، فإنّ الأمر سينعكس على مجالات السياسة الأخرى داخل القطاع العام بما يزيد حدّة الانعكاس على القطاع الخاص. ففي النتيجة، تخلق السلطات توقعات تؤثّر في سلوك الأطراف الفاعلة في الأسواق.
بسبب شروحات غودهارت المتّصلة بمفاعيل إنهاء العمل ببريتون وودز، تطوّر دور المصارف المركزية منذ التسعينيات. ففي دراسة أعدّها أليك كريستال وبول ميزِن بعنوان «قانون غودهارت»، يعتقد الباحثان، أن دور المصارف المركزية بات يتمحور حول إزالة الغموض من السياسات النقدية وتركيز التضخّم المستقبلي على الرقم المستهدف. فعلى سبيل المثال، بعدما كان التضخّم مؤشّراً أو عامل قياس ذا دلالات محدّدة تعكس منسوب عرض المال في الأسواق، أصبح هدفاً تسعى له المصارف المركزية اقتناعاً منها بأن «الانتظام الإحصائي» سيفرض التبعات المتوقّعة لتطوّر التضخم. هكذا تتحول المؤشّرات والأرقام القياسية إلى عناصر أساسية في صناعة السياسة النقدية، لكن هناك احتمال كبير بأن تفشل هذه السياسات قياساً إلى قانون غودهارت الذي يمكن تطبيقه على كل مجالات الاقتصاد، والاقتصاد القياسي، والنقد.

الجهل بالخطأ
لبنان هو من أكثر البلدان التي يُطبّق على سياساتها النقدية «قانون غودهارت». فمنذ عام 1992 تمحورت السياسات النقدية حول هدف واحد: تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي. يعدّ تثبيت سعر صرف وسطي على رقم 1507.5 ليرة للدولار الواحد بحلول كانون الأول 1997 أحد أهمّ مفاخر الحريرية السياسة. الرئيس الراحل رفيق الحريري بنى جزءاً كبيراً من برامجه الانتخابية والسياسية على هذا «الإنجاز»، الذي استمر عنصراً رئيسياً في شعارات وأدبيات الحريرية السياسية حتى الأمس القريب جداً.
لكن لماذا ينطبق قانون غودهارت على تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية؟ ببساطة الأمر، إن سعر الصرف عبارة عن مؤشر قياسي يدلّ على عدّة عوامل مثل حركة رأس المال في الأسواق المالية، صحّة الميزان التجاري، والسياسات الاقتصادية الكليّة. فلنأخذ مثلاً «الانتظام الإحصائي» في سعر العملة المحلية؛ إذا كان سعر صرف الليرة تجاه العملات الأجنبية مرتفعاً (الليرة قويّة) فهو يعبّر عن قدرة تصديرية أعلى وتدفّق أكبر لرؤوس الأموال نحو الداخل، أو فائض في الميزان التجاري الذي يغلب عليه تصدير السلع والخدمات أكثر من استيرادها. لكن في لبنان جرى تثبيت سعر الصرف على مستوى مرتفع مقابل الدولار قبل أن يصبح التثبيت هدفاً قائماً بذاته. في الواقع، تلجأ الحكومات إلى تثبيت سعر العملة المحلية أو التلاعب بسعرها في حالات محدودة ولمدّة زمنية محدودة كإجراء مؤقت يهدف إلى تضييق مجال الصدمات الاقتصادية، لا أن يكون بخلفية سياسية تهدف إلى تعزيز القدرة الاستهلاكية، كما حصل في لبنان. فقد استمرّ التثبيت لفترة زمنية طويلة اعتباراً من نهاية 1997 ولغاية نهاية 2019. هذا هو النهج الذي رسمته حكومة الحريري الأولى ثم استمرّ طوال السنوات اللاحقة بتفانٍ من السلطات المالية والنقدية (بما فيها المصرف المركزي وحاكمه) التي كانت جاهلة أو تجاهلت وجود قانون غودهارت.

تطبيق قانون غودهارت على لبنان يفسّر حصول الانهيار عندما يتحوّل تثبيت سعر الليرة مقابل الدولار أو التلاعب بسعرها من مقياس يدلّ على صحّة الميزان الجاري من تصدير واستيراد للسلع والخدمات، إلى هدف قائم بذاته

في النتيجة، تحوّل سعر صرف الليرة اللبنانية المرتفع إلى هدف أسمى للسلطات المالية والنقدية اللبنانية، أما الميزان التجاري فكان يسجّل خسائر متواصلة فيما جاء تدفّق رؤوس الأموال إلى الداخل بكلفة مرتفعة جداً. بمعنى آخر، صار سعر الصرف مؤشر قياس سيئاً لا يعبّر عن واقع الحال، ولم يأخذ أي طرف سواء من القوى السياسية أو السلطات المالية أو النقدية لحظة لإعادة النظر في هذه السياسة الخاطئة. والأسوأ أنه لغاية اليوم، ما زال هناك الكثير من الآمال المعلّقة على عودة التثبيت وإن كان بسعر مختلف. هذه الظاهرة تسود بين صنّاع القرار الذين يلمّحون كل يوم إلى أن الهدف النهائي لمعالجة الانهيار الاقتصادي يجب أن يكون في إعادة تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية على مستوى ما.
بمجرّد أن يكون في سدّة المسؤولية من يعتقد أن تحويل سعر الصرف من مقياس إلى هدف للسياسات الاقتصادية والنقدية، فهذا يعني أن الحاكم ما زال يتمتّع بصدقية تقنية عند السياسيين اللبنانيين، من دون إغفال الأسباب الطائفية والسياسية والماديّة لرسم الخطوط الحمراء حوله. لذا، لا يجب أن نستبعد بقاءه في سدّة المسؤولية في ظلّ جهل فاضح بالسياسات النقدية والاقتصادية عند قسم وازن ممن يزعمون أنهم صنّاع القرار.


نُشر في ملحق رأس المال : 09/11/2020