الأربعاء، تشرين(۱)/أكتوير 21، 2020

حول الوضع السياسي في تونس: بعد منح الثقة لحكومة المشيشي: نحو تفاقم الأزمة

  اللجنة المركزية لحزب العمال
عربي دولي
حكومة المِشِّيشِي تمرّ… أخيرا مرّت الحكومة الجديدة في تونس، حكومة هشام المِشِّيشِي “المستقلّ” الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية في الحكومة السابقة، ونالت يوم 2 سبتمبر/أيلول ثقة البرلمان رغم التقلّبات في المواقف التي سبقت جلسة منح الثقة. فرئيس الجمهورية، قيس سعيّد، الذي عيّن هشام المشّيشي لتشكيل الحكومة من خارج الأحزاب، دعا هذه الأخيرة عشيّة جلسة البرلمان إلى إسقاطه وعدم منح الثّقة لحكومته والإبقاء على الحكومة السّابقة من دون رئيسها إلياس الفخفاخ المورّط في قضية “تضارب مصالح”، واعداً بعدم حلّ البرلمان والدّعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها. ولكنّ موقف رئيس الجمهورية المفاجئ كان له تأثير معاكس إذ شجّع بعض الأحزاب الوازنة (“حركة النهضة” الإخوانية، حزب قلب تونس الذي تلاحق رئيسه قضايا فساد، تيار ائتلاف الكرامة المتطرف وذراع حركة النهضة) التي ظلّت متردّدة طوال مدة المشاورات، على التّصويت للمشّيشي.

فقد رأت هذه الأحزاب في تحريض قيس سعيد على من كلّفه هو نفسه بتشكيل الحكومة علامة على خروجه المبكّر عن دائرة تأثيره هو ومحيطه بالقصر. وهو ما جعلها تصوت لحكومته في جلسة منح الثقة. ولكن تصويتها هذا لا هو مرتبط بتصورات ولا ببرامج إنما هو يندرج ضمن حسابات الصراع داخل منظومة الحكم أو كما أسماه البعض “تصويت الضرورة” أو “تصويت الأمر الواقع” خوفا من حل البرلمان أو من تحمّل مسؤولية الفراغ الذي قد ينجرّ عن عدم التصويت، أو لاستغلال فرصة متاحة لضرب “خصم”، ناهيك أنّ بعض النواب قال لرئيس الحكومة الجديد: “سأصوّت لك دون أن يعني ذلك أنّني أمنحك الثّقة”.

هذه هي الظّروف التي حفّت بمرور حكومة هشام المشّيشي في البرلمان: تصويت دون أن يعني اتفاق على برنامج أو خطة عمل وهو ما يعني أن هذه الحكومة ولدت لتُفاقم الأزمة السياسية لا لحلّها أو التّخفيف من حدّتها. إنّ قيس سعيّد الذي كان ينوي السيطرة، عبر الحكومة، على السلطة التنفيذية وتوظيفها لمواجهة البرلمان وتحقيق برنامجه في تهميش الأحزاب بغية تغيير النّظام السّياسي والعودة به إلى نظام “رئاسوي”، صار من المرجّح اليوم أن يناصبها العداء ويعمل على عرقلة عملها لأنّه يعتبر أنّ المِشّيشِي خذله بعد أن اكتشف أنّه أبرم اتفاقا مع “حركة النهضة” و”قلب تونس” و”ائتلاف الكرامة” لإبعاد الوزراء المقربين من القصر مباشرة بعد نيل الثقة مقابل التصويت لحكومته. وهو ما دفعه إلى التحذير من ذلك بشكل علني ورسمي وفق ما جاء في بلاغ رئاسة الجمهورية إثر اللقاء مع قادة الأحزاب. ولكنّ حكومة المِشّيشي التي فقدت مبدئيا دعم قيس سعيّد لا تملك مقابل ذلك حزاما برلمانيا مضمونا تستند إليه. وهو ما سيجعلها رهينة ضغوط الأحزاب صاحبة الكتل الكبيرة وفي مقدمتها حركة النهضة وقلب تونس لتملي شروطها. ومن الواضح، حسب تصريح أحد نواب “النهضة” (سمير ديلو)، أن هذه الأحزاب ستتعامل مع حكومة المِشّيشي بمنطق “القطعة، قطعة” إلى أن يحين إسقاطها وإعادة مبادرة تشكيل الحكومة إلى هذه الأحزاب.

مرحلة جديدة من التوتّرات في الأفق

إنّ هذه المعطيات تؤكّد أنّ تونس مُقْدمة على مرحلة جديدة من التوترات السياسية تتميز بحرب طاحنة وعفنة ومفتوحة بين رؤوس السلطة الثلاثة في قرطاج (رئاسة الجمهورية) وباردو (مقر البرلمان) والقصبة (مقر الحكومة) محورها من يحتكر سلطة القرار ويملي أوامره على البقية ويفوز بقيادة التحالف الطبقي الرجعي. وقد بدأت مؤشرات هذه الحرب تظهر منذ حفل أداء اليمين بقصر قرطاج يوم سبتمبر/أيلول، إذ وجه قيس سعيد خطابه إلى خصومه في البرلمان الذين انتزعوا منه قبل يوم المبادرة وصوتوا لفائدة الحكومة متهما إياهم بالخيانة والغدر والكذب والافتراء ونهب المال العام والارتماء في أحضان الصهيونية والاستعمار، متوعدا إياهم بكشف كل الحقائق “حين يحين الوقت”. ولكن دعنا الآن من هذا الجانب الذي نجزم أنّ المستقبل سيحفل بالأحداث والوقائع التي ستؤكّده، ولنتوجّه إلى ما جاء في خطاب رئيس الحكومة الجديد الذي طلب من خلاله كسب ثقة البرلمان. لقد حصر هشام المِشِّيشِي أولوياته في بعض الجوانب التقنية والإدارية ذات الطابع الاقتصادي وخاصة المالي. ولم يتعرّض بالمرّة إلى الجانب السياسي وكأنه لا يدخل في الأولويات رغم الأزمة السياسية الحادة التي تعيشها البلاد. فلا كلام عن هذه الأزمة وعن الحريات وعن أمن المواطنين والإرهاب وملف الاغتيالات السياسية ولا عن استكمال بناء المؤسسات الدستورية والمجالس الجهوية الخ… ولا كلام أيضا عن السياسة الخارجيّة رغم كثرة الأحداث والمخاطر المحدقة ببلادنا جرّاء الوضع في المنطقة وخاصة في ليبيا. ولا حتى إشارة إلى الموقف من القضيّة الفلسطينية ومن التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي يطرح اليوم بحدّة في علاقة بالخطوة التي أقدمت عليها كل من دولتي الإمارات والبحرين وبالضغوط الأمريكية الغربية للدفع في اتجاه فرض التطبيع مع الكيان الصهيوني والاعتراف به على أكبر عدد من الدول العربية قبل الانتخابات الأمريكية.

وحتى بالنسبة إلى الجانب الاقتصادي والمالي والاجتماعي فإنّ ما جاء في خطاب المِشِّيشِي لم يخرج، رغم إقراره من خلال بعض المعطيات بعمق الأزمة، عن اختيارات الحكومات السابقة المعادية للوطن والشعب. وهو ما حاول تمريره من خلال إعلان بعض التوجهات العامة بعنوان “إيقاف نزيف المالية العمومية” و”إحكام التصرف في النفقات العامة” وخاصة منها نفقات التأجير وإعادة هيكلة القطاع العمومي والانطلاق في المفاوضات مع الشركاء المانحين وتقديم “برنامج إصلاحات” إلى غير ذلك من الإشارات والتلميحات التي اعتادها التونسيات والتونسيون دون أن يتحسن شيء في أوضاعهم. فلا إجراءات جدية من أجل إعادة تنشيط ماكينة الإنتاج (الفلاحة والصناعة) والرفع في نسبة النمو (تقهقر بنسبة 21.6 في المائة) ووضع حد لتفاقم المديونيّة (98 مليار دينار مجمل الديون الخارجية وما قيمته 25 في المائة من الميزانية خدمة دين عام 2020 فقط) وعجز الميزان التجاري غير المسبوق (نسبة تغطية الواردات بالصادرات لا تتجاوز 33 في المائة) وانهيار الدينار (فقد 1.7 ضعف قيمته بين سنة 2010 و2020) واسترداد الدولة لسلطتها على البنك المركزي ومقاومة التهرب الجبائي (ما قيمته ثلث الميزانية السنوية على الأقل) والفساد والاقتصاد الموازي (حوالي 54 في المائة من النشاط الاقتصادي) ومراجعة الاتفاقيات غير المتكافئة مع الدول الأجنبية (الاتحاد الأوروبي، تركيا الخ…) ومقاومة البطالة (18 في المائة) والفقر (أكثر من 20 في المائة) وإيقاف نزيف هجرة الكفاءات (94 ألف كفاءة في ظرف ستّ سنوات) وظاهرة الهجرة السرية المستفحلة (3073 مهاجرا وصلوا إلى إيطاليا فقط منذ 2018) والحدّ من الارتفاع الجنوني للأسعار وإصلاح الخدمات العامة وفي مقدمتها الصحة والتعليم وتوفير الماء الصالح للشراب ومواجهة الجريمة المنظمة (خاصة “ظاهرة البراكاجات” أي السرقة باستعمال العنف)… ولا رسالة جدية للفئات والقطاعات والجهات المنتفضة ضد البطالة والفقر والعطش وغياب الخدمات الأساسية والبلاد تواجه موجة جديدة من وباء “الكورونا” الآخذ في الانتشار بسرعة كبيرة خاصة في الأوساط العمالية والشعبية. إنّ كل ما جاء في الخطاب بصدد الجوانب الاجتماعية لا يتجاوز الشيء المعتاد حول العناية بـ”االفئات الهشة” و”العائلات المعوزة” وقد بيّنت التّجربة أنه يعني شيئا واحدا وهو أنّ ليس في جراب الحكومة الجديدة حلول للمعضلات المزمنة والمتفاقمة التي يعاني منها الشعب والوطن.

حكومة المِشّيشِي ورهاناتها

كل هذا يبيّن خور ما راج حول حكومة المِشّيشِي من كونها “حكومة كفاءات وطنيّة مستقلّة”. فهي في الواقع لا تختلف في شيء من حيث طبيعتها وتركيبتها الطبقيّة وولاءاتها وتوجهاتها وبرامجها عما سبقها من حكومات رجعيّة، في خدمة حفنة السماسرة (الكمبرادور) المحليّين والدول والمؤسسات المالية الأجنبية. ولكنها طريقة لاحتواء الصراعات المحتدمة بين “أحزاب السلطة” التي لا تقدر على التوافق فيما بينها وتمرير ما لا تقدر على تمريره الحكومات “الحزبية” بعنوان “الحيادية” و”الاستقلالية” و”اللاسياسة” إلى غير ذلك من الأخاديع والأكاذيب. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية يمكن القول إنّ ما يميز حكومة المشيشي هو أنها أولا من أضعف الحكومات التي عرفتها بلادنا بعد سقوط الدكتاتورية في 2011، وهي لا تحظى، في إطار منظومة الحكم ذاتها، بحزام سياسي في البرلمان ولا بدعم من الرئاسة وستكون في مواجهة ضغوط وابتزازات الأطراف التي صوتت لها من جهة وضغوط الأطراف التي تعارضها في البرلمان والتي انضاف إليها حزبان خرجا من الحكم (التيار الديمقراطي وحركة الشعب) وفي قصر قرطاج من جهة أخرى علاوة على تركيبتها الضعيفة وغير المتجانسة التي سيطرت عوامل الولاء والقرابة والجهويات على اختيار أعضائها الذين بدأ الحديث من الآن عن شبهات فساد متعلقة ببعضهم. وهو ثانيا أنها تأتي في ظرف أزمة غير مسبوقة من الناحية الاقتصادية والمالية والاجتماعية كما تشهد على ذلك الأرقام في مختلف المجالات، وهي أزمة فاقمتها جائحة الكورونا دون أن تكون لهذه الحكومة ولمنظومة الحكم عامة الوسائل للتخفيف من حدتها وخاصة من انعكاساتها الاجتماعية الخطيرة.

إنّ حكومة المِشِّيشِي تعوّل، كما جاء في خطاب نيل الثقة، على الفوز بـ”هدنة سياسيّة واجتماعيّة” لتمرير سياساتها المحكوم عليها، مسبقا، بالفشل. ولكننا نعتقد أنه من الصعب أن تظفر الحكومة على هذه الهدنة. فالوضع السياسي مرشّح، كما بيّنّا أعلاه لمزيد التوتّر وليس للمشّيشي وحكومته الوسائل للتحكم في هذا التوتر خاصة بين قصر قرطاج وقصر باردو. وهما لا يملكان أيضا الوسائل للحد من التدخلات الإقليمية (التدخل القطري، التركي من جهة والتدخل الإماراتي، السعودي من جهة أخرى) والدولية (فرنسا والاتحاد الأوروبي من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى) في هذا التوتر. أمّا الوضع الاجتماعي فليس للمشّيشي وحكومته واقعيا ما يقدمان إلى الحركة الاجتماعية للحدّ من غليانها. فسواء تعلق الأمر بالإجراءات التي انبنت عليها ميزانية 2020 التي ستواصل الحكومة الجديدة تنفيذها (وقف الانتدابات في الوظيفة العمومية، عدم الزيادة في الأجور، الرفع في الضرائب الخ…) أو بالتوجهات التي عبّر عنها المشّيشي والتي تندرج في نفس السياق (التحكم في الأجور…) فإنّ كل العوامل تؤشر لتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية والشعبية. وفي هذا السياق فلا نعتقد أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعيش صراعات داخلية (الفصل 20) سيغامر بإعطاء صك على بياض لحكومة المشّيشي ويعقد معها هدنة، خاصة بعد أن فقدت مساندة رئيس الجمهورية. وأخيرا فإنّ حكومة المشّيشي لا يمكنها التعويل على دعم المؤسسات المالية الدولية وفرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية والغربية عامة دون الموافقة بل الشروع حالا فيما أوصت به من “إصلاحات” مُدرجة بعدُ في ميزانية حكومة إلياس الفخفاخ وهي كلها توصيات أو بالأحرى إملاءات معادية للشعب والوطن ولا تخدم سوى مصالح الأقليات الثرية والمافيوزية المحلية والأجنبية (خصخصة المؤسسات العمومية، تجميد الأجور، التخفيض في عدد الموظفين الخ…).

اتّجاهات التطوّر

يمكن الجزم بأنه من الصعب جدا بأن تهدأ الأوضاع في بلادنا وإنّما الأرجح أنّها تسير نحو الانفجار. ولا نعتقد أنّ انتهاج سياسة العصا الغليظة، وهي، حسب مختلف التجارب من خصائص “حكومات التكنوقراط” أو “حكومات الكفاءات المستقلة”، ستنجح في إخماد نيران الاحتجاجات الاجتماعية خاصة في ظل التناقضات العميقة داخل منظومة الحكم. إنّ يدي المشّيشي وحكومته لن تكون في كل الحالات طليقة. وعليه فإنّ الأرجح هو ألاّ تعمّر هذه الحكومة طويلا. وهو ما يعني أنّ الأوضاع في بلادنا ستبقى مفتوحة على أشواط جديدة من الهزات السياسية التي ستواجه مختلف أقطاب الصراع التي سيسعى كل منها إلى فرض إرادته على الآخرين. وفي وضع مهترئ كهذا فإنّ التدخّلات الإقليميّة والدوليّة ستجد أرضية مناسبة لها ممّا سيفاقم الأوضاع. وفي هذا السياق يطرح علينا متابعة تطور التناقضات والصراعات داخل منظومة الحكم بدقة وألاّ نتسرع في استخلاص الاستنتاجات. فالوضع كما أكدته الأسابيع بل الأيام الأخيرة خاصة متقلّب بسرعة كبيرة. فبعد أن كانت المبادرة بيد رئيس الجمهورية الذي وضع خصومه وعلى رأسهم حركة النهضة في الزاوية، انقلبت الأوضاع، نتيجة بعض حساباته الخاطئة، واستعاد هؤلاء الخصوم المبادرة بعد أن التجأ إليهم المِشّيشي لكسب ورقة المرور في البرلمان. ولكنّ هذا لا يعني أنّ الأمور مالت نهائيا لصالحهم وأنّ قيس سعيد فقد كل أوراقه بسبب هذه العثرة التي أضرت به دون شك. فمن المنتظر أن يعاود الهجوم مستغلا الأوضاع الصعبة التي ستمر بها الحكومة وخصومه في حركة النهضة وحزب قلب تونس وائتلاف الكرامة، وهو ما يؤشر له كما ذكرنا سابقا خطاب أداء اليمين بقصر قرطاج وبعض التصريحات اللاحقة.

ومن جهة أخرى فإذا كانت الانتخابات السابقة لأوانها ممكنة لإيجاد مخرج للأزمة السياسية الحادة وللصراع بين مختلف أقطاب منظومة الحكم بعد تحوير الدستور لإدخال تعديلات على النظام السياسي ومراجعة القانون الانتخابي للترفيع في العتبة وبالتالي ضرب جرعة التمثيلية النسبية الموجودة حاليا وسدّ الباب أمام صعود المعارضات لتيسير احتكار السّلطة، فلا يعني أنّها الفرضيّة الوحيدة القائمة وإنّما علينا تصور أكثر من سيناريو بما في ذلك استمرار الانهيار والفوضى وحالة الدولة الفاشلة الخ…إن الرجعية لا تعالج دائما أمورها بطريقة عقلانية ووفق فرضيات رياضية ولكن اتجاهات التطور قد تأخذ أحيانا منعرجات غير منتظرة بسبب حادث محلي أو إقليمي. ومرة أخرى فما حصل في الأيام الأخيرة شاهد على ذلك لو صحّ ما تناقلته وسائل الإعلام عن مصادر مقرّبة من قصر قرطاج مفادها أن فريق قيس سعيد ذهب به الأمر إلى حدّ التفكير في إصدار بطاقة إيقاف ضد إلياس الفخفاخ، رئيس الحكومة المستقيل، لإيجاد مبرر لتطبيق الفصل 100 من الدستور (تعيين رئيس حكومة جديد دون اللجوء إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها) والحال أنّ قيس سعيد هو الذي جاء بإلياس الفخفاخ.

الحلّ في التغيير الجذري، الثوري…

إن ما آلت إليه الأوضاع في بلادنا من تدهور سياسي (ثلاث حكومات في ظرف 10 أشهر) وانهيار اقتصادي ومالي واجتماعي وأمني يؤكد ما خلصت إليه اللجنة المركزية لحزب العمال في شهر جوان الماضي (التقرير حول الوضع السياسي) من أنّ الحل الحقيقي للأزمة العامة والشاملة التي تتخبط فيها بلادنا ومجتمعنا منذ إسقاط الدكتاتورية سنة 2011 والتي ما تنفك تحتدّ من سنة إلى أخرى ومن حكومة إلى أخرى لا يمكن أن يكون إلاّ حلاّ ثوريا، جذريّا تتحقّق أو تُنجز من خلاله مهام الثّورة الوطنية الديمقراطية الشعبية التي تلبّي المطامح الأساسية للشعب وهذا الحل لن يكون إلاّ من تحت، أي من صنع الشعب ولكن أيضا بقيادة ثورية. وهنا لا ينبغي أن يغيب عنّا أن ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 – 14 جانفي/كانون الثاني 2011، لم تحسم قضية السّلطة لصالح الشّعب المنتفض ضد الاستبداد والعمالة والفقر والبؤس، بل إنّها توقفت في منتصف الطريق بحكم موازين القوى. لقد تغيّر شكل السلطة الاستبدادي دون أن يتغيّر طابعها الطبقي. لقد ظلت السلطة السياسية بيد “الكمبرادور” سواء من خلال ممثليه الجدد (حركة النهضة وحلفائها) أو القدامى (بقايا النظام القديم العائدة اليوم بقوة من خلال “الحزب الدستوري الحر” المرتبط إقليميا بالحلف الإماراتي السعودي المصري المعادي للإخوان المسلمين). ومن ثمة فقد ظل نمط الإنتاج الرأسمالي التابع، الرّيعي والاستهلاكي، هو هو، بل إنه امتد بشكل غير مسبوق ليدمّر كل شيء تقريبا في تونس التي أصبحت في حالة إفلاس مما أدى إلى حالة عميقة من الارتهان للخارج إقليميا ودوليا وحالة غير مسبوقة من التقهقر الاجتماعي والأمني وحتى الأخلاقي والقيمي.

إنّ هذه الحالة هي التي تحتّم اليوم المرور إلى طور جديد من الثورة التونسية التي تشهد راهنا حالة من الجزر. لقد بينت تجربة تسع سنوات أنّ الديمقراطية السياسية دون عدالة اجتماعية تتحول إلى ديمقراطية شكلية بل عفنة بحكم التفاف “الكمبرادور” عليها وإخضاعها لمصالحه: أحزابا حاكمة ومؤسسات تمثيلية وقضاء وأمنا وإدارة وإعلاما الخ… وهو ما يفسر حالة الإحباط العامة والنسبة المرتفعة لعدم المشاركة في الانتخابات التي أصبح يحكمها بشكل وقح المال الفاسد (من الداخل والخارج) والإعلام المرتبط به. وما من شك في أنّ ما ساعد على الوصول إلى هذه الحالة هو من جهة تراجع الزخم الثوري الشعبي رغم حدة الاستغلال والبطالة والفقر وغلاء المعيشة. إذ أنّ تحركات مختلف القطاعات العمالية والشعبية ما تزال مشتتة وغير مركزة حول مطالب موحدة وغير منصهرة في تيار واحد. ومن جهة أخرى ضعف القوى الثورية والتقدمية التي عجزت عن أداء دورها لا بسبب المناخ الموضوعي العام المناسب محليا وإقليميا ودوليا للقوى الرجعية فحسب وإنما أيضا بسبب النقائص والهنات الذاتية. إنّ الجبهة الشعبية التي جمعت قوى اليسار الماركسي والقومي وطيفا من غير المنتظمات والمنتظمين انحلت بعد سبع سنوات من الوجود وفقدت حضورها في البرلمان بعد أن كانت تحظى بكتلة مؤثرة نسبيا. ويعود ذلك إلى ضبابية خطها السياسي وغياب استراتيجية وتكتيك واضحين لها وضعف تنظيمها وطنيا وجهويا ومحليا وقطاعيا وعدم تجاوز مكوناتها للعادات الانعزالية المقيتة، مما جعلها تتذبذب طيلة سنوات بين الموقف الجذري، الثوري من منظومة الحكم والموقف الإصلاحي، المهادن مما أدى إلى تعطّلها وتراجع تأثيرها واتجاه جزء واسع من قواعدها نحو التيارات الشعبوية المتنامية التي قادت قيس سعيد إلى رئاسة الجمهورية.



ولكن لا شيء ضاع نهائيا، فالانتكاسات والهزائم تمثل جزء من أي مسار ثوري ويبقى الأهم هو النّهوض من جديد بشكل أصلب وأضمن. لقد قيّم حزب العمال تجربة الجبهة الشعبية واستخلص منها الدروس (وثيقة تقييم انتخابات خريف 2019، نقاشات الندوة الوطنية حول تقييم تجربة الشعبية: فيفري/شباط 2020 الخ…). وهو يعمل اليوم بكل قوة على تدارك ما فات وعلى العودة إلى المشهد السياسي والاجتماعي واحتلال الموقع المطلوب أو المنتظر منه عبر الالتحام بقضايا العمال والكادحين والتعبير عنها من خلال مختلف برامجه وتكتيكاته وأنشطته. إنّ الوضع العام المتأزم والصراعات الحادة داخل منظومة الحكم واحتمالات نهوض جديد للحركة الاجتماعية والشعبية على قاعدة تبعات الأزمة الاقتصادية والمالية الوخيمة والمدمرة على الطبقة العاملة وباقي الطبقات والفئات الشعبية والكادحة والمهمشة، كلها عناصر توفّر أرضية مناسبة لاستنهاض الحركة الثورية والديمقراطية والتقدمية من جديد لتحتل موقعها الطبيعي في مثل هذه الظروف التي يحتاج فيها الشعب إلى قيادة ثورية تساعده على افتكاك السلطة من أيدي لوبيات الفساد والمافيات الداخلية والأجنبية وممثليها السياسيين. وقد لخص حزب العمال متطلّبات المرحلة في شعار مركزي وهو: السلطة للشعب لتحقيق السيادة الوطنية والديمقراطية الشعبية والعدالة الاجتماعية. إنّ هذا الحل يعني بشكل واضح وملموس إسقاط نظام الحكم القائم، وإن التعويل على أيّ حل آخر، إصلاحي، ترقيعي، لن يكون إلاّ وهما وإضاعة للوقت والفرص المتاحة.

التوجّه نحو النضال والتنظيم

ولكن، وكما أوضحنا دائما، لا يمكن الاكتفاء بإطلاق الشعارات العامة أو التعبير عن الرغبات وإنما من الضروري العمل على تنزيل كل ذلك في الواقع بما يعني وضع الخطط المناسبة التي تأخذ بعين الاعتبار خصائص اللحظة التكتيكية، المباشرة. ومن هذا المنطلق فليس أمام حزبنا ومنظماته وكافة مناضلاته ومناضليه ونصيراته وأنصاره سوى العمل الجاد وفق ما أقررناه من توجهات عمل لأنّ تعبئة الجماهير الكادحة والفقيرة وتسليحها ببرنامج وتنظيمها تعود مسؤوليته إلينا وإلى باقي القوى الثورية والتقدمية أولا وأساسا. وفي هذا السياق فإنّ حزبنا أمامه في اللحظة الراهنة أربع مهام أساسية للتنفيذ والإنجاز نسوقها بشكل مقتضب ونترك التفصيل فيها لما قدمناه وسنقدمه من وثائق. وتتمثل هذه المهام الأربع فيما يلي:

أولا: الدعاية لبرنامجنا العام كحل جذري للأزمة القائمة مستغلين في ذلك كافة أوجه الفشل الذي رافق الحكومات المتعاقبة منذ سقوط بن علي لإقناع الجماهير العمالية والكادحة بضرورة ذلك الحل.



ثانيا: تطوير نشاطنا الميداني في صلب هذه الجماهير وتكثيفه عبر الالتحام بنضالاتها وتحركاتها والسعي إلى الـتأثير فيها وقيادتها وتسليحها بالمطالب والشعارات وأشكال التنظيم المناسبة التي تربط مع هدفنا المرحلي.

ثالثا:: تطوير العمل المشترك مع باقي القوى الديمقراطية والتقدمية والمساهمة في تجميعها وتجميع حزامها الواسع حول مهمات ملموسة تناسب الوضع الحالي وتستجيب لمقتضيات مواجهة القوى الرجعية والشّعبوية الجاثمة على صدر شعبنا والتي تستغل الفراغات التي خلّفها انحلال الجبهة الشعبية وتراجع القوى اليسارية بشكل عام لكي تخرّب وعيه وتلهيه عن قضاياه الحقيقية. وفي هذا السياق من واجبنا إيلاء الأهمية اللازمة لـ”المبادرة الوطنية” (1) التي تمثل محاولة جديدة للنهوض بالعمل المشترك مع الاستفادة من تجربة الجبهة الشعبية.

رابعا: معالجة أوضاعنا الحزبية الداخلية وأوضاع منظماتنا خاصة الشبابية والنسائية بالسرعة المطلوبة لكي تتلاءم مع المهام المطروحة علينا.



إنّ إنجاز كل هذه المهام ما يزال اليوم في بداياته ولكننا مصمّمون على المضيّ قدما في هذا التوجه، جادّون في تعديل ساعاتنا على مقتضيات الوضع وخطورته.

اللجنة المركزية لحزب العمال

تونس في شهر سبتمبر 2020

—————-

(1)”المبادرة الوطنية”: ظهرت هذه المبادرة في الموجة الأولى من جائحة “كورونا”. وهي تتكون من أحزاب ومنظمات وفعاليات وشخصيات مستقلة. وقد تواصلت فيما بعد وقامت بتحيين أرضيتها التي ستعرض على الموافقة عمّا قريب.