الأربعاء، تشرين(۲)/نوفمبر 30، 2022

5 يونيو والديمقراطية: اشكالية العلاقة بين عبد الناصر والجماهير.

  راجي مهدي
عربي دولي
"ليس الاتحاد القومي تجمعاً سياسياً، بل أداة ووسيلة لإحداث التغيير الثوري بمفهومه الاجتماعي" – الرئيس جمال عبدالناصر تعد تلك العبارة مفتاحية لفهم السلوك السياسي الناصري عبر 16 عاماً في حكم البلد، خطها جمال عبد الناصر بيده في أوراقه الخاصة التي جمعتها حفيدته ونشرتها في مجلدات، لنفكك العبارة ونفهم منها ما يمكن فهمه!

"ليس الاتحاد القومي تجمعاً سياسياً"، يبدو وكأن هناك تناقض بين هذا النصف الأول من العبارة والنصف الثاني منها، ولكن بشيءٍ من التدقيق يمكننا فهم جوهر المسألة الذي هو: "ليس الاتحاد القومي تجمعاً سياسياً" أي أنه ليس منظمة تستهدف لعب دور سياسي، تلك تحديداً "سياسة". إنها منظمة بُنيت بناءً على قرار سياسي كي لا تكون منظمة سياسية، إن الدور السياسي للاتحاد القومي كمنظمة غير سياسية هو إغلاق المجال السياسي في البلد، وبالتالي فإن الحكم الناصري قد اختار هذه السياسة – هذه المنظمة غير السياسية – لإحداث التغيير الثوري بمفهومه الاجتماعي. هذا الشق يبدو مستغلقاً بعض الشيء. اتفقنا أن الاتحاد القومي غرضه الأساس عزل السياسة عن الجماهير وعزل الجماهير عن التأثير الحر في السياسة، لذا تشكل الاتحاد القومي كمنظمة بقرار فوقي، بغرض نقل التناقض الاجتماعي إلى داخله وتحنيطه برعاية الرقابة البوليسية، فالاتحاد القومي كما يقول عبد الناصر في موضع آخر من أوراقه "تنظيم وطني جامع لكل أبناء الشعب"، إنها منظمة الشعب كله "عماله وبرجوازييه" لأنه لا يجوز أن يكون لدينا صراع طبقي، ولكن هذا في حد ذاته يشكل ممارسة للصراع الطبقي، ممارسة أيديولوجية تهدف إلى إبقاء هذا الصراع ودفة قيادته في أيدي السلطة، والسلطة لا تستطيع قيادة الصراع الطبقي منفردة إلا حين تعزل الجماهير سياسياً عن طريق حرمانها الحق في التنظيم السياسي والجماهيري الحر، إن عملية العزل تلك التي يقوم فيها الاتحاد القومي بدور حيادي شكلاً، إلا أنه منحاز تماماً لصالح الطرف الأكثر تنظيماً تاريخياً – نقصد كبار الملاك والقمم الرأسمالية – هذه المنظمة هي أداة الحكم لإحداث التغيير الثوري بمفهومه الاجتماعي. أي استخدام قدرة المنظمة على الحلول محل الجماهير وتصفية العمل الجماهيري، كأداة للحكم عبر نفي الجماهير عن السياسة وفي نفس الوقت إضفاء الطابع الجماهيري على عملية التغيير الثوري المزعوم.

هذا هو تلخيص التوجه السياسي لعبد الناصر عبر جميع مراحل حكمه، لقد كان الرجل وفياً لمبدأ أن لا تنظيم للجماهير لا يمر عبر دواوين الحكومة، إن ذلك يضمن بقاء الجماهير تحت السيطرة. وبينما كان عبد الناصر دائم الحديث عن الديمقراطية الاجتماعية، فإنه في الممارسة لم يكن يجني ثمار هذا الاستخدام الديماغوجيي لشعارات الديمقراطية سوى قمم الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي الذي تم تنظيمه عبر نفس الآليات التي جعلته تكراراً لتنظيمات الناصرية: هيئة التحرير والاتحاد القومي.

ليس نقد اللاديمقراطية الناصرية نقداً نخبوياً، ثقافوياً، يتشبث بأهداب الديمقراطية البرجوازية. لقد ظل عبد الناصر والناصريون من بعده يتهمون كل من رفع قضية الديمقراطية في مصر الناصرية بأنه يريد عودة الديمقراطية الليبرالية وأحزاب اليمين والأقليات، هذا الاتهام كان دوما الاتهام الجاهز في وجه اليسار الذي كانت مطالبه الديمقراطية واضحة. وللمفارقة كان كل تنظيم تبنيه الناصرية يتحول إلى عش من أعشاش الثورة المضادة.

كانت الديمقراطية التي يطالب بها اليسار هي دعوة لإطلاق السياسة، أي إطلاق الصراع السياسي من القصر إلى الشارع. لقد كان عبد الناصر يدرك تماماً مكونات نظامه ويدرك أن في سلطته أجنحة يلعب هو بينها دور الفيصل ونقطة التوازن. كان الرجل يسلك سلوكاً متسقاً في سياسته الداخلية مع سياسته الخارجية، وبينما كانت أمريكا تحول الكيان الصهيوني إلى مخزن سلاح وعدوان مفتوح ضد مصر والشعوب العربية، كان في سلطة عبد الناصر جناح يرعى وجهة النظر القائلة بضرورة عدم غلق الباب مع الأمريكان – البعبع كما أطلق عليهم هيكل – وقد ظل هذا الجناح محتفظاً بمكانه حتى ساد في النهاية.

كان عبد الناصر يلعب على التوازن بين جناحي سلطته، والتوازن بين الاشتراكية الدولية والامبريالية، وظل يستخدم هذا التوازن – التناقض – حتى اصطدم مع الأمريكان علناً في قضية القمح عام 1965، أي بعد انقضاء اثنا عشر عاماً على تسلمه السلطة رسمياً، ولم تمض سنتين حتى كان الأمريكان يقلبون توازن عبد الناصر بين التناقضات وجهله بصيرورتها ويقدمون له درساً غارقاً في دماء من أدمن عبد الناصر إخراجهم من اللعبة – الجماهير الشعبية المصرية.

إن منهج عبد الناصر حوّل السياسة كما قلت إلى صراع قصور، ما جعله يفشل في إزاحة عبد الحكيم عامر مراراً، ليس لصداقته، و إنما لأنه خشي من تحرك في الجيش، انقلاب قصر، كان يدرك تماماً أن منظماته الكرتونية غير قادرة على ردعه. لم تكن الجماهير المعلبة في الاتحاد الاشتراكي العربي بقادرة على كسر الصراع الصفري الخفي بين الرئيس ووزير حربيته الذي وُضع على رأس الجيش لأنه ببساطة كان الوحيد الذي يستطيع عبد الناصر أن يثق في قدرته على تحييد الجيش وتأمينه بصرف النظر عن كفاءة عامر التي أثبتت فشلها في كل اختبار عسكري.

ما الذي نحن بصدده إذن؟ رئيس كلي السلطة والجبروت، جهاز دولة موروث من الاستعمار والملكية تربى على احتقار الجماهير وقدرتها السياسية وحقوقها التنظيمية، سلطة عبارة عن خليط مزركش يمثل مصالح البرجوازية الصغير المدينية والبرجوازية الوسطى وفئات من البرجوازية الكبيرة وأغنياء الريف، أتاحت لأغنياء ملاك الأراضي والرأسمالية الكبيرة السيطرة على مجالس إدارات المصانع والجمعيات التعاونية عبر تقييد الصراع الطبقي ومنظماته، فصارت كل القوانين الموضوعة، 50% عمال وفلاحين، وقوانين تنظيم التعاونيات لصالح من يحوزون 5 أفدنة أو أقل، صارت كلها مجرد قوانين لا وجود واقعي لها.

ولدينا أيضاً منظمات سياسية، تم تنظيمها كي لا تكون منظمات سياسية، يدير البوليس نشاطها، لا يسمح بالانضمام لها إلا بشكل فردي، ومن خلالها فقط يمكن الترشح لانتخابات البرلمان والنقابات الخاضعة بدورها للسلطة المباشرة لأجهزة عبد الناصر الأمنية، ولدينا أيضاً، أجهزة أمن موروثة من زمن مستر كوكس الانجليزي، تم تطويرها بالاستعانة ببعض ضباط النازية الفارين وباستخدام خبراتهم، هنا نعود للحديث عن الديمقراطية.

لم يطلب اليسار استعادة الشكل الليبرالي، و قد صار اصطفاف الماركسيين في مارس 1954 من الأخطاء التاريخية التي جرى تصويبها ونقدها بالاصطفاف وراء السلطة منذ صفقة السلاح التشيكي. إن الديمقراطية هي في العنوان البارز: إطلاق الصراع الطبقي في البلد والسماح بالمبادرة الجماهيرية المنظمة التي وحدها سوف تضمن عزل اليمين  التقليدي ومراكز النفوذ البرجوازي في الريف والحضر.

لقد وثق عبد الناصر في كلية قدرته على ضبط خيوط اللعبة جميعها بين يديه، وشعر بشكل متواصل أن كل تحرك جماهيري مستقل هو تهديد حالي أو مستقبلي لسلطته، وبينما كان الرجل يقول قولته الشهيرة "إن الشعب هو القائد والمعلم"، فإن هذا المعلم قد تم وضعه تحت أقصى وأقسى درجات الوصاية، لم يكن عبد الناصر يؤمن بجماهيره حقاً، وهذا هو سر دهشته حين خرجت جماهير 9 و 10 يونيو كي تصلب عوده المكسور مرة أخرى، لقد كان يتوقع أن تلك الجماهير سوف تستسلم للهزيمة كما فعل هو وأعلن التنحي وتسليم السلطة ليمينه "زكريا محي الدين" أو أن تلك الجماهير ستخرج لتدوس سلطته فوراً ولا تذر على الأرض من بنائه المدكوك شيئاً.

يجادل الناصريون في علاقة الديمقراطية بالهزيمة، يجادلون في أن الهزيمة جزء من الصراع، والحقيقة أن الهزيمة واردة في مسارات الأمم، في صعودها قد تلقى انكسارات لكن ما حدث لم يكن مجرد هزيمة بقدر ما كان ضربة صاعقة كشفت الغطاء عما يعتمل تحت السطح. لقد كانوا بحاجة إلى خداع الجماهير، ناهيك عن أكاذيب الأيام الأولى للحرب، فإن الهزيمة كشفت أن كل الشعارات التي تم رفعها، تمت خيانتها. أن كل التناقضات التي ظن عبد الناصر أنه قادر على لي عنقها ثبت أنها قد أوصلت الوضع إلى حالة من التعفن لا تطاق، وحالة من التفكك أنتجت المشاهد التي رأيناها من 5 إلى 9 يونيو، الأرض تستباح من دون إطلاق رصاصة واحدة. وهل كانت الديمقراطية لتحمل السلاح وتقاتل بدلاً من سلاح الطيران والدفاع الجوي؟

كانت الديمقراطية الشعبية التي لا تغلق المجال السياسي أمام الجميع بل أمام أعداء الشعب فقط، الديمقراطية التي تطلق حرية الصحافة الجماهيرية والنقد وحرية النقابات وحق التنظيم السياسي للطبقات الشعبية في مواجهة منظمات الطبقات القديمة، ملاك الأراضي وأغنياء الفلاحين والرأسمالية الكبيرة، كانت لتمنع استيلاء هؤلاء على ما تم استحداثه من قطاع عام وقطاع تعاوني، كانت ممارسة السياسة في الشارع هي الضمان الحقيقي ضد أي انقلاب قصر، ولكنها أيضاً كانت لتدفع دوماً بتجذير الاجراءات الاجتماعية وتعديل تركيبة السلطة، اذا أطلق عبد الناصر حركة الشارع كان ذلك يعني وضع جناحي سلطته في مأزق، كانت إزاحة عامر لتصبح أسهل لو أن الشارع تم تنظيمه فعلا. لو أن المعركة كانت ملك الجماهير صاحبة المصلحة في القتال من البدء، إن الذي تصدى لانقلاب الشواف في العراق لم تكن وحدات من الجيش العراقي بل الميليشيا الشعبية التي أغلقت الموصل وحاصرت الحركة الفاشية في مهدها.

إن الرقابة الجماهيرية هي الخيار الأوحد والبديل الأضمن للاعتماد على الأجهزة الأمنية، لقد كان الشارع مع عبد الناصر، ليس مع أحد من منافسيه ، ورغم علمه بذلك، فقد كان عبد الناصر يخشى دوما من أن " أحدهم سوف يلطش منه السلطة"، قلق دائم من مجاوريه في القمة – امتد حتى وفاته وهو ما دفعه لاختيار السادات نائباً – ثم تزخر أوراقه أيضاً بعبارات خطها بخط يده تعبر عن قلقه من تمدد نشاط الشيوعيين في الريف، لذا كان عليه تثبيت الجميع بدبابيس من قمع، هذا بالأسفل، أما في الأعلى، فقد أصبحت قصة التوازنات والصراعات بين أعضاء مجلس قيادة الثورة من نوادر العصر، وبدا أن عبد الناصر كان قد استمرأ اللعبة وقرر أن يلعبها بغير نهاية.

إن هذا الخوف من حركة الشارع المستقلة إنما كان مرده إلى أصل واحد، إن برجوازية البلاد الطرفية فيما بعد الحرب العالمية الثانية كانت في حركتها محكومة بتناقضين، تناقض مع الاستعمار الذي استولى على سوقها، وتناقض مع الجماهير التي هي مادة استثمار. ولأن العصر كان عصر انعتاق، الاستعمار القديم الآفل والمد الشعبي الكاسح، فإن أي طرف كان يطمح للسلطة لم يكن يستطيع مخاصمة المد الشعبي ولا تجاهله، ومن جهة أخرى فإن الاستعمار لم يكن ليفرط في أسواقه، ما جعل تناقض تلك الفئة من البرجوازية – قطاعات برجوازية صغيرة ومتوسطة – تدخل في صدام حتمي مع الامبريالية، نحن هنا إذن أمام ميل مزدوج، صعود الحركة الشعبية وحتمية تحرير السوق من أيدي الاستعمار يدفع تلك البرجوازية نحو الصدام مع الامبريالية من جهة، ومن جهة أخرى، فإن تلك الحركة الشعبية كانت تهدد – إذا ما تم إطلاقها – بدفع برجوازية المستعمرات نحو تجذير وتسريع التوجه يساراً بما يضع تلك البرجوازية ذاتها وقطاعاتها العليا في خطر بلشفة البلاد. لذلك كنا أمام هذا السلوك الديماغوجي، الشعب هو القائد والمعلم، لكن المعلم كما قلنا كان أسيراً لدى منظمات السلطة، والمعلم كان خاضعاً لدعاية السلطة، والمعلم تم حرمانه من طلائعه الثورية والنقابية، هو ذاته الشعب الذي علمه عبد الناصر العزة، الشعب الذي كان عبد الناصر ينعي عليه سلبيته، فإذا ما تحركت أنشط عناصره تم تخوينها والزج بها في الأوشفتزات، ليتحدث عبد الناصر عن ديمقراطية من نوع مستحدث، تنمو من تحت مظلتها الثورة المضادة، في البرلمان والنقابة والاتحاد الاشتراكي والجمعية التعاونية، انها الديمقراطية التي سمحت لسيد قطب بقضاء محكومياته في المستشفى؟ يعيد منها تنظيم الإخوان المسلمين ويعد لتنظيم 1965 و يؤلف "معالم على الطريق" بينما جموع الاشتراكيين يصلون في المعتقلات عذاباً حد الاستشهاد. على هذا الطريق الديمقراطي الذي تعطلت فيه كل إمكانية شعبية للمحاسبة، استمر عبد الحكيم عامر على رأس الجيش بلا رقيب، على المستوى المالي والعسكري، و كأن الجيش كان اقطاعيته حتى انهارت العزبة فوق رؤوس الجميع! ليصدق قول المتنبي :

نامت نواطير مصر عن ثعالبها .. فقد بشمن وما تفنى العناقيد!

 

مصر.