الأربعاء، تشرين(۱)/أكتوير 27، 2021

برنامج الحزب الشيوعي اللبناني للمرحلة الإنتقالية في لبنان

  المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني
وثائق الحزب
  "نحو دولة علمانية ديمقراطية.... نحو بناء الإقتصاد المنتج .... نحو العدالة الإجتماعية"

يعاني لبنان من ازمة متعددة الأبعاد على الصعد السياسية والإقتصادية والإجتماعية كافة. فأزمة نظام الطائف وصلت الى مداها، مع فشل السلطات التنفيذية والتشريعية وشللها، وإزدياد مخاطر التشظي الوطني ومخاطر التدخلات الخارجية، السياسية منها والعدوانية، فضلا عن مخاطر تفشّي جائحة الكورونا التي لم تكتمل فصولها بعد. ويبرز، على الصعيد الأقتصادي، تفاقم الأزمة النقدية والمالية كجزء من أزمة اقتصادية أشدّ عمقا وشمولاً، وأبرز عواملها: طغيان الانشطة الريعية والقطاعات المتدنية الانتاجية غير القادرة على خلق الوظائف، وانهيار البنى التحتية ووظائف الدولة الأساسية، وغياب التقدم التكنولوجي والابتكار، والتفاوت الكبير في توزّع الدخل والثروة وتراجع العوائد الناتجة عن العمل بالتزامن مع ارتفاع متواصل في كلفة المعيشة. وقد انتجت هذه العوامل على الصعيد الإجتماعي بطالة وهجرة وتهميشاً خصوصاً بين الشباب، وأضعفت بنسبة كبيرة القدرة الشرائية للعمال والأجراء والموظفين ولمروحة واسعة من الفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة التي فرض عليها أن تتحمل بشكل غير متساو - مقارنة بالطبقات الغنية - الأعباء الضريبية وتكاليف خدمة الدين العام ونفقات الصحة والتعليم والنقل والسكن.

وفي إطار هذه المرحلة الانتقالية، يطرح الحزب الشيوعي اللبناني برنامجا سياسيا-اقتصاديا-اجتماعيا امام اللبنانيين وامام القوى الديمقراطية التي اعلنت منذ اكتوبر 2019 ان مرحلة جديدة من العمل السياسي قد انطلقت من أجل التغيير الحقيقي. وبالطبع لا ينطوي هذا البرنامج على مطالب موجّهة الى السلطة القائمة، بل هو يرمي الى تحقيق تغيير عميق ينهي استثمار المنظومة الحاكمة للانقسامات الطائفية وما تنتجه من شلل دستوري، ويؤسس لبناء دولة ديمقراطية علمانية واقتصاد يلبي تطلّعات الشباب والمتعلمين والنساء والطبقة العاملة والفئات المتوسطة نحو التقدّم والحداثة والعدالة الاجتماعية، بدلا من اقتصاد تسيطر عليه الاحتكارات والمصارف والرساميل الكبرى المستظلّة بنظام سياسي مذهبي تحاصصي متخلف ورجعي لا يليق بلبنان القرن الواحد والعشرين.

سمات المرحلة الراهنة

اولا، هي مرحلة تصاعد الطروحات الكيانية والدستورية من جانب قوى سياسية وروحية بدأت تطرح – وسط استفحال الأزمة التي تتحمّل تلك القوى مسؤوليتها تاريخيا - مسائل جوهرية خلافية أمام الرأي العام، وعلى رأسها قضايا الحياد والتدويل والمثالثة واللامركزية الموسّعة والفدرلة مما يهدد الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، خصوصا في زمن مشاريع التفتيت الجاري تنفيذها في المنطقة.

ثانيا، هي مرحلة ركود إقتصادي طويل الأمد مترافق مع تراجع الأستثمار العام والخاص وانهيار مصرفي ومالي ونقدي، إضافة الى ترسّخ التضخم وانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية والتراجع القياسي في الأحتياطات الخارجية، مما سوف يفرض في القريب العاجل وقف دعم المواد الأساسية. ومع تداعيات جائحة كورورنا تصبح الأزمة مرشّحة للتحوّل الى أزمة عامة، من عناوينها مضاعفة إفقار اللبنانيين والبطالة والتهميش وتهجير الشباب وخفض مداخيل الطبقة العاملة والفئات المتوسطة وتعميق اللامساواة، بالتزامن مع تفكّك مؤسسات الرعاية الاجتماعية وتدهور الخدمات العامة من كهرباء وماء ونقل عام وطرق واتصالات وغيرها.

ثالثا، هي مرحلة العجز الصريح والمطلق للمنظومة الحاكمة عن إيجاد حلول ناجعة لأزمة بنيوية تعصف بالاقتصاد ككل، وبخاصّة في القطاعين المصرفي والمالي. فالمصارف في حالة إفلاس غير معلن، وهي تتحمّل مع مصرف لبنان المسؤولية المباشرة عن تبديد ودائع اللبنانيين ومدخراتهم. ومع ذلك، فقد ترك لها المجال كي تفرض على الحكومة المستقيلة، بالتحالف مع القوى العميقة المسيطرة على المجلس النيابي، التراجع حتى عن تنفيذ "خطة الانقاذ" التي تولّت الحكومة نفسها إعدادها، كما فرضت عليها التراجع عن إقرار قانون للرقابة على التحويلات كي تبقى هذه الأخيرة خاضعة لمصالحها الخاصة وسياساتها الاستنسابية. وهي فوق هذا وذاك فرضت المضيّ قدما في إخضاع البلد لأكبر عملية هيركات للودائع مستفيدة من تعدّد أسعار الصرف وخصوصا من تزايد الهوّة بين سعر الليرة على المنصّة (التعميم 151) وسعرها في السوق الحرّة.

رابعا، هي مرحلة التخبّط الدستوري وعدم قدرة المنظومة الحاكمة على تشكيل حكومة لأكثر من ثمانية اشهر بعد استقالة حكومة حسان دياب، ما يؤكد ليس فقط عجز هذه المنظومة عن تأمين الانتظام العام واعادة انتاج ادوات الحكم التنفيذية ومعالجة الشلل الذي يطال السلطات الأخرى، بل يؤكّد ايضا مدى عمق أزمة نظام الطائف التي شوّهت الممارسة الديمقراطية واختزلت كل السلطات في أيدي خمسة أو ستّة "زعامات"، وأوصلت القوى الطائفية الحاكمة الى حدّ الأختباء وراء حكومات تكنوقراطية.

خامسا، هي الى جانب هذا كلّه، مرحلة ارتفاع منسوب التدخلات الخارجية – وبخاصة الأميركية – الآخذة في تشديد الضغوطات المالية والنقدية وزيادة الاجراءات العقابية ومحاولة تحميل لبنان اكثر فأكثر كلفة تبعية نظامه وارتهان منظومته للخارج والتحكّم في تشكيل حكوماته، والانحياز الى جانب الكيان الصهيوني في ترسيم حدود لبنان البحرية الجنوبية وغير ذلك من تدخلات.

انتفاضة 17 اكتوبر

تظهر تجليّات أزمة الرأسمالية اليوم، كأزمة عالمية، في تراجع معدلات النمو وازدياد تركز الدخل والثروة في يد القلّة وتسارع انهيارالطبقة العاملة وشرائح واسعة من الطبقة الوسطى، فضلا عن ارتفاع حدة التناقضات الطبقية سواء في الدول الرأسمالية المتقدمة أو في الدول النامية. وفي خضم هذه المرحلة الانتقالية تتفجّر الانتفاضات الشعبية رفضاً لعدم المساواة والتهميش والإفقار والاستغلال في دول عديدة من المنطقة العربية (من العراق الى السودان) كما في أميركا اللاتينية واوروبا.

ولم تكن انتفاضة اللبنانيين في اكتوبر عام 2019 بعيدة عن هذا السياق العالمي، بل هي اتت ردّا على ازمة الراسمالية اللبنانية التابعة التي حالت دون توفير الرفاه الاقتصادي والاجتماعي لغالبية اللبنانيين. وقد بدأت هذه الإنتفاضة في شكل معركة طبقية بين محورين، الأول يجمع القوى والفئات الطليعية من المجتمع من شباب وعمال وموظفين وطلاب ومتعطّلين عن العمل وراغبين في التطور السياسي والأقتصادي والأجتماعي، والثاني ينحصر في طبقة ال 1% والأطياف التي تمثل الرأسمال الريعي والإحتكاري والزعامات الطائفية التي تريد إبقاء لبنان خاضعا للنظام الطائفي المتخلف. ومن خلال هذه المعركة الطبقية الواضحة الأبعاد، أفرزت الانتفاضة واقعاً سياسياً جديداً في البلاد، يتوجّب على القوى الحاملة لهذه الإنتفاضة أن تحوّله الى رافعة للتغيير الجذري والشامل في بنية النظام القائم، في مواجهة حقبة الانهيار الاقتصادي والنقدي وعجز قوى السلطة عن استحداث أية حلول جديّة على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويدرك الحزب الشيوعي واقع التنوّع والتعدّد الكبير الذي يحيط بتركيبة القوى والتيّارات والمجموعات والكتل المشاركة في الانتفاضة، والذي شجع ويشجع قوى كثيرة – من داخل السلطة ومن الخارج - على محاولة حرف الانتفاضة عن مسارها الطبيعي. والى جانب تصدّيه لمثل هذه المحاولة، يدرك الحزب أيضا أن أهداف الانتفاضة ليست من النوع الذي يمكن تحقيقه عبر برامج مجتزأة أو فئوية أو ذات طابع مطلبي بحت، بل هي من النوع الذي يتطلّب برنامجا متكاملا وجذريا ينهي مرحلة ويبني على أنقاضها مرحلة جديدة ترسي الأسس السياسية والاقتصادية والاجتماعية لعملية التغيير.

التغيير الديمقراطي، الاقتصاد المنتج، والعقد الإجتماعي الجديد

ان الإنتقال من انتفاضة اكتوبر في اتجاه التغيير يستند الى متغيرات عميقة في اسس النظام السياسي- الإقتصادي اللبناني، مما يطرح على الانتفاضة مهمّة التحوّل الى ثورة ديمقراطية تتطلّع الى نزع الهيمنة المزدوجة للرأسمال والأحزاب الطائفية التي تحوّل تحالفهما المتقادم الى عائق أساسي أمام التقدم وأمام الاستجابة لمصالح القوى الاجتماعية الحيّة في لبنان، وبخاصة العمال والأجراء والشباب والنساء. فقد برزت حقائق أساسية تحتم على قوى التغيير اعتبار أن النظام القديم قد بلغ نهايته ولا بدّ من الدفع في اتجاه تغييره وإرساء ديمقراطية حقيقية وبناء الإقتصاد المنتج والعدالة الإجتماعية:

الحقيقة الأولى تفيد بسقوط مرتكزات نظام الطائف (الداخلية والخارجية) ومرحلة ما عرف بالديمقراطية التوافقية التي أنتجت نظام المحاصصة وشلّت الحياة العامة على الصعد السياسية والأقتصادية والتشريعية وكبحت عملية التطور في لبنان.

الحقيقة الثانية تشير الى انتهاء النموذج الإقتصادي القديم الذي ترافق مع الحقبة النيوليبرالية على المستوى العالمي، والذي تتجلّى إحدى سماته اليوم في لبنان في بدء افول ظاهرة الفئات الرأسمالية الريعية، مما يبرز الحاجة الى استحداث نموذج اقتصادي جديد يتولى بشكل اساسي، استنادا الى النظرية الماركسية، تطوير القوى المنتجة بعد سنين من تراجع القدرات الإنتاجية وتوقف التقدم الإقتصادي.

الحقيقة الثالثة تعكس انتهاء النظام التوزيعي القديم بشقيه: الشقّ الأول الذي يتولى تحويل المداخيل والثروة من المجتمع والدولة الى الطبقة الرأسمالية الريعية عبر آليات استدانة الدولة وتكاليف سداد هذا الدين، والثاني عبر المحاصصة السياسية والزبائنية من خلال التوظيف في الدولة وتقاسم السيطرة على المؤسسات والصناديق العامة والاستئثار بصفقات وعمولات عقود الشراء العام. وهذا ما يستدعي بالتالي بلورة عقد اجتماعي جديد يقوم على أسس العدالة الإجتماعية ويؤمن صعود الطبقات والفئات التي تعتمد مداخيلها على العمل بدلا من الاعتماد على الريع.

وقد جاء انفجار مرفأ بيروت الذي دمّر جزءا أساسيا من العاصمة ليرسّخ فعل هذه الحقائق، نظرا لضخامة الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية التي نجمت عنه ولعجز المنظومة الفاضح عن التعامل مع تبعاته بما في ذلك التقدّم الفعلي في انجاز التحقيق الجنائي. وها نحن اليوم في مرحلة انتقالية يموت فيها القديم فيما الجديد لم يولد بعد. من هنا بات وقف هذا المسار المأزوم مهمة وطنية راهنة أمام القوى السياسية التقدمية والديمقراطية وجميع مكونات حالة الاعتراض الوطني والديمقراطي والقوى الطبقية المتقدمة في المجتمع، ومن ضمنها الطبقة العاملة والعاملون لحسابهم والمتعطّلون عن العمل وأجزاء من البورجوازية الصغيرة والبورجوازية المنتجة المستثمرة في الصناعة والزراعة واقتصاد المعرفة، للسير معاً باتجاه مسار آخر، مسار إنقاذي يطرح الحزب الشيوعي فيه تأسيس عقد اجتماعي تحت شعار "نحو دولة ديمقراطية علمانية...نحو بناء الإقتصاد المنتج...نحو العدالة الإجتماعية". وهو يدعو جميع الحلفاء والأصدقاء والهيئات الإجتماعية والمهنية وعموم الشعب اللبناني الى دعم برنامجه في هذا المجال.

أولاً: في التغيير السياسي وبناء الدولة العلمانية الديمقراطية

- إقرار قانون للانتخابات النيابية يعتمد النسبية خارج القيد الطائفي على أساس لبنان دائرة واحدة أو دوائر موسّعة، مع التوازن في نظم الدعاية والاعلام والتمويل الانتخابي والمكننة وخفض سن الاقتراع إلى 18 سنة وتطبيق الكوتا النسائية بما يحدّ من تأثير الخطاب الطائفي والنفوذ المالي في العملية الانتخابية، ويؤمن أوسع تمثيل ممكن للقوى السياسية وينتج برلماناً جديداً يعمل على إصدار القوانين الضرورية لتطوير النظام السياسي اللبناني والنهوض بالاقتصاد والمجتمع.

- اجراء الانتخابات النيابية وفقا للقانون الجديد، وإعادة تشكيل السلطة السياسية على أسس جديدة بعدما عجزت السلطة القائمة عن تأمين الانتظام العام وعن معالجة تفاقم الخلل العضوي في شرعيتها وسياساتها ومؤسساتها العامة، مع التطلّع في هذا المنعطف الخطير الذي يمرّ به البلاد نحو ترجمة روح الانتفاضة وقدراتها وطاقاتها في صناديق الاقتراع، أي في نتائج هذه الانتخابات.

- استحداث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع الطوائف وتختصر صلاحياته على قضاياها الخاصة.

- اقرار قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية، يتم تطبيقه بشكل اختياري ومؤقت ليتحول بعد عشر سنوات حدّا أقصى إلى قانون إلزامي

- وضع قانون وطني جديد للأحزاب السياسية يتماهى مع عملية التحرّر التدريجي من الطائفية. 

- إستحداث قانون عصري لمفهوم الإقامة، يحدّد مكان ممارسة المواطن لحقه الإنتخابي السياسي والبلدي إنطلاقا من معايير واضحة، كبديل للمكان المحدّد في سجلات النفوس، مما يتطلب اجراء مسح سكاني شامل، من دونه لا تستقيم القوانين الانتخابية والسياسات الاقتصادية والضريبية.

- إستكمال التغيير السياسي بتطوير معايير الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والرقابية والقضائية، والإلتزام بشكل خاص باعادة بناء القضاء كسلطة مستقلة محصّنة بمهنيتها وإستقلاليتها، كبديل لإستمرار رهنه للقوى المسيطرة سياسيا وإقتصاديا.

- إقرار قانون عصري نسبي للحكم البلدي مع قانون اللامركزية الإدارية في دولة علمانية ديمقراطية، يعزّز مقومات التنمية الإقتصادية والإجتماعية في الإطار المحلي، ويحدّ من استمرار حصر وتركّز معظم الموارد والثروات في قبضة الحكم المركزي.

ثانيا: في السياسات الآنية الإقتصادية والإجتماعية

تقضي أولويات السياسات الآنية بالعمل على وقف تبعيات الانهيار النقدي الذي يلف البلاد حاليا عبر:

- إجراء حساب شامل لجميع أصول ومتوجبات الدولة والقطاع المصرفي (الخاص والعام)، مع التشديد على أهمية المضيّ في التحقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان (وحسابات المؤسسات العامة الأخرى لاحقا) كي يتمّ تقدير القيمة الاجمالية للخسائر، والتأكيد على تحميل عبئها الأكبر للقطاع المصرفي وكبار المودعين الذين استفادوا على مدى سنوات من السياسات المالية والنقدية السابقة.

- اخضاع المصارف التجارية الحاملة لجزء كبير من الدين العام بالليرة اللبنانية وبالدولار الأميركي على الغاء جزء كبير منه في اطار السعي الى إعادة هيكلة الدين العام، على ان يترافق ذلك مع خفض موازٍ في قيمة الودائع الكبيرة التي تتركّز في الشطور التي تزيد عن مليون دولار والتي يمتلكها نحو واحد بالمائة من المودعين.

- من ضمن قانون استعادة الأموال العامة المنهوبة والمهرّبة للخارج -الذي لا يكفي إقراره بل المهمّ إصدار مراسيمه التنظيمية ومحاكمة المرتكبين- يتوجّب العمل على استرداد الثلث المتراكم (المقدّر بنحو 27 مليار دولار اميركي) من قيمة خدمة الدين المتراكمة منذ عام 1993، والذي ثبت أنه ناجم -استنادا الى دراسات محلية ودولية موثّقة- عن تبعات تطبيق سياسة التثبيت النقدي المستمرّة منذ أوائل التسعينيات والتي ارتدت بشكل زيادات مضخّمة وغير مبرّرة في معدلات الفائدة على رؤوس الأموال التي تمّ استجلابها من الداخل والخارج. وتتضمّن عملية الاسترداد:

أ - اقتطاع نحو 75% من ثلث هذه الفوائد المتراكمة، اي حوالي 20 مليار دولار، لمرّة واحدة من خلال استهداف مصدرين أساسيين:

عشرة مليارات دولار من كبار المودعين، عبر ضريبة استثنائية على أصحاب الودائع فوق المليون دولار، على أن تتدرّج الضريبة بمعدلات تصاعدية بحسب الشطور من 15% الى 25%

عشرة مليارات دولار من كبار مساهمي المصارف، 50% منها تعويضا عن قيمة الهندسات المالية المنفّذة بدءا من عام 2016، و50% استردادا لربع الأرباح المصرفية المحقّقة في السنوات العشر الأخيرة. على أن يجري تحصيل هذه الأموال إما عبر تدفقات مالية ونقدية مباشرة أو من خلال تصفية ما يملكونه من موجودات وأصول على الأراضي اللبنانية وخارجها.

ب - اقتطاع ما يوازي 7 مليار دولار أميركي (أي ربع الثلث المصطنع من فاتورة خدمة الدين) من الزعماء الذين تعاقبوا على السلطة منذ 1992، ومن كبار موظفي الادارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة وكبار المتعهدين لدى مجلس الانماء والاعمار والتكتلات الاحتكارية الكبرى في قطاعات المحروقات والدواء والاسمنت وغيرها، وذلك استردادا لما سطوا عليه من أموال عامة. وتتمّ استعادة هذه المبالغ بعد إصدار قانون رفع السرية المصرفية والحصانة الادارية عن هؤلاء وتخييرهم بواحد من خيارين:

• إما القبول الطوعي بالتخلّي عن جزء من رصيد حساباتهم الدائنة من دون مساءلة عن المصادر التي تكوّنت عبرها ثرواتهم الشخصية، على أن يتحدّد هذا الجزء بمعدّلات تصاعدية وفق شطور تصل الى 25% من تلك الثروات

• أو الخضوع -إذا ما رفضوا الحلّ الطوعي- لتحقيق قضائي ومالي شفّاف من قبل هيئة قضائية ومالية مختصّة ومستقلة حول مصادر ثرواتهم للتأكّد من طابعها النظامي وعدم تورّط أصحابها بأعمال الرشوة والفساد والإثراء غير المشروع خلال فترة عملهم في قطاع الدولة (السياسيون والموظّفون) أو خلال تعاقدهم مع هذا القطاع (المتعهّدون، وأصحاب التكتلات الاحتكارية). وتتمّ في هذه الحالة مصادرة كل الثروات التي لا يجري تدعيمها باثباتات موثّقة نظاميا.

- الشروع في تغيير منظومة السياسات الاقتصادية المعتمدة منذ عام 1992، وترجمة هذا التوجّه عبر مواقف واجراءات تؤكد للأسواق والعملاء الاقتصاديين أن تلك المرحلة انتهت ولن يعود لبنان إليها. والمهمّة الأساسية في هذا الإطار تقضي بتقويض أساس النموذج القديم القائم على الاستدانة الحكومية وتراكم الرأسمال الريعي الناتج عنها، بعدما أفضى الإنفاق العام الكبير وغير المنتج الذي حصل منذ بداية التسعينيات -بالتزامن مع خفض الضريبة على الرأسمال- إلى تراكم الدَّيْن العام وأعبائه على عموم المواطنين من جهة وتركّز الثروة لدى القلّة من جهة أخرى. ومن دون هذا التعديل، لا طائل من المراهنة على أي سياسات ولا فائدة من الاتّكال فقط على النموّ أو على التدفّقات الخارجية.

- استحداث خطة انقاذ اقتصادية واجتماعية في مواجهة أزمة الكورونا التي أكّدت أن النموذج الاقتصادي النيوليبرالي الذي اتبع في العقود الأربع السابقة قد فشل في تحقيق التعاقد المجتمعي وزاد الفوارق الاقتصادية والاجتماعية واضعف النظم الصحية والتعليمية التي تشكل العصب الرئيسي لقوة المجتمع.

ثالثا: في دور الدولة في الاقتصاد

اتجهت النيوليبرالية في العالم نحو الأفول فعليا بعد أزمة النظام الرأسمالي عام 2008. وهذا التوجّه آخذ في التبلور أيضا من خلال السياسات الجديدة المتبعة راهنا حول العالم، وبخاصة في خطط بايدن الجديدة، وكذلك من خلال ادراك عدد كبير من الاقتصاديين ان الاقتصاد الخاص لا يمكنه ان يعمل بكفاءة من دون دور كبير للدولة في توفير الحماية الاجتماعية ورفع مستوى الطلب الكلي وتحفيز الاستثمار في الإقتصاد ككل. وهذا ما ينسحب أيضا على النمط اللبناني من النيوليبرالية، الذي اتجه نحو السقوط إثر إنتفاضة اكتوبر 2019 بعدما أمعن في إضعاف قاعدة النمو والاستثمار المنتج وقلّص الإنتاج الصناعي والزراعي وعزّز سيطرة الاحتكارات والأنشطة الريعية والاستيراد الاستهلاكي وادخل لبنان في اعمق ازمة اقتصادية في تاريخه. ويطرح الحزب على نفسه في هذه المرحلة الانتقالية العديد من المهمّات، وأبرزها:

- العمل على استرداد دور الدولة الفاعل وتأكيد ملكيّتها لمرافق عامة أساسية في الاقتصاد، كالكهرباء والاتصالات والمياه والطاقة، من خلال امتلاك رؤية اقتصادية بعيدة المدى وإعادة الاعتبار للموازنة العامة والاستثمار الحكومي في تطوير وصيانة شبكات المرافق العامة والبنى التحتية والالتزام بقانون عصري للشراء العام، بحيث تغطي هذه الشبكات بصورة متوازنة المناطق اللبنانية المختلفة. هذا بالإضافة إلى توفير الخدمات المجتمعية الأساسية كالصحة والتعليم الرسمي العام والعالي (الجامعة اللبنانية) والنقل العام وأنظمة الرعاية الاجتماعية والتقاعد وضمان البطالة ودعم ذوي الحاجات الخاصة لتمكينهم من الاستمرار والانتاج.

- العمل على اعادة هيكلة النفقات العامة وإنهاء حقبة الإنفاق التوزيعي لنظام الطائف ووقف توجيه الموارد الحكومية نحو تمويل قنوات الانفاق السياسي الزبائني والقنوات المباشرة وغير المباشرة التي تدعم القطاع الخاص عبر تقاسم المنافع وعلاقات المحاباة، وسط غياب سياسات واضحة المعالم وضوابط في القطاعات المختلفة. فقد استسهلت الدولة توكيل القطاع الخاص بانتاج خدمات عامة -وفي كثير من الأحيان عبر شبكات مصالح طائفية وإحتكارية- مقابل تكفّلها بتمويل هذا الإنتاج، والأمثلة كثيرة على ذلك: الإستشفاء في المستشفيات الخاصة على حساب وزارة الصحة، ودعم التعليم الخاص عموما، عبر دعم التعليم الخاص المجاني الذي يدار معظمه عبر مؤسسات طائفية وتعليم أبناء موظفي الدولة في المدارس والجامعات الخاصة، كل ذلك بتمويل من الخزينة بدل دعم التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية، و"تهريب" إنتاج وتوزيع الكهرباء الى أصحاب المولدات الخاصة، وكذلك "تهريب" إنتاج وتوزيع خدمات المياه الى أصحاب الصهاريج، وتلزيم معظم أعمال الرعاية الإجتماعية الى مؤسسات خاصة طائفية، وتحويل جزء من خدمات النقل العام الى القطاع الخاص عبر بدعة "بدل النقل" للعاملين النظاميين، وغير ذلك من أمثلة. من هنا، يجب تصحيح هذا الخلل في الانفاق العام كي يصبح انفاقا اكثر كفاءة وعدلا ومبنيا على اسس اقتصادية واجتماعية واضحة.

- إقرار قانون المنافسة ومكافحة الاحتكار الذي يقبع منذ نحو عقدين في دهاليز المجلس النيابي ولجانه، وإنجاز مراسيمه التنظيمية بما يحدّ من سيطرة المجموعات الاحتكارية على الأسواق الداخلية وأسواق الاستيراد، وذلك بالتزامن مع تعديل قانون التمثيل التجاري، وإصدار المراسيم التنفيذية لقانون حماية المستهلك وقانون سلامة الغذاء.

- مكافحة الفساد المتأصّل في نظام المحاصصة الطائفية، سواء في التوظيف الزبائني داخل الدولة الذي يجب الغاؤه، أو في تقاسم الصناديق العامة وعمولات الصفقات العمومية التي يجب الغاؤها أيضا. وفي هذا الاطار، ينبغي إقرار القوانين المتعلقة بالسلطة القضائية المستقلة، ورفع الحصانة عن كل من يتولى الشأن العام في الحكومة والمجلس النيابي والإدارات العامة، وتمكين القضاء من محاسبة الارتكابات والمخالفات الإدارية والمالية وإنشاء هيئة وطنية ذات صلاحيات تنفيذية وقانونية تشمل دراسة الملفات ورفع السرية المصرفية وتقديم المرافعات القضائية إلى القضاء المختص.

- إعادة صياغة مجمل عناصر سياسة الحماية الاجتماعية، وبخاصة: تعزيز وتطوير دور الهيئات الضامنة لا سيما الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي يجب أن تتوسّع مروحة المنتسبين اليه، ويستبدل فيه نظام تعويضات نهاية الخدمة بنظام وطني للتقاعد، كما يستحدث فيه فرع لضمان البطالة؛ إقرار مشروع التغطية الصحية الشاملة للمقيمين من اللبنانيين، على أن يتمّ تمويل هذا المشروع من المال العام وليس من نظام الاشتراكات؛ العمل الجاد على تحسين جودة التعليم الرسمي خصوصا في مرحلتي التعليم الابتدائي والعالي (الجامعة اللبنانية)، بما يشمل البرامج والمواد التعليمية وطرق التعليم وإعداد وتطوير قدرات المعلمين، مع التأكيد على استقلالية الجامعة اللبنانية ومنع تدخل قوى السلطة المتنفّذة في تفاصيل عملها اليومي؛ إعادة صياغة مجمل الاطر الوظيفية الناظمة لعمل لجنة المؤشر والتأكيد على إضفاء طابع دوري مُمأسس على عملية تصحيح الأجور في القطاعين الخاص والعام كلّما تراجعت القيمة الحقيقية للأجور بنسبة معيّنة.

رابعا، خطة للأستثمار في البنى التحتية والمرافق العامة

ان اعادة تشييد البنى التحتية سيكون لها الأثر الإيجابي البالغ على تحسين مستوى الإنتاجية والتوظيف في الاقتصاد. وعلى الدولة ان تكون هنا ايضا ريادية في هذا المجال، على ان يتبعها اذا ما دعت الحاجة انفتاح على شراكة مع القطاع الخاص او مع مستثمر خارجي ضمن مهل زمنية وشروط سيادية واضحة ومحددة، بدلا من استمرار المراوحة في سياسة الإنتظار التي كلفت الإقتصاد اللبناني الكثير من الفرص الضائعة. وينطبق هذا الحال بشكل خاص على الشقّ من البنى التحتية الذي انتقل عرضا الى القطاع العام (بسبب إفلاسات في القطاع الخاص، أو بفعل توارث مرافق من عهد الانتداب أو من تأميمات لأصول نفطية سعودية وعراقية لها امتدادات في لبنان).

- اعادة بناء مصانع الكهرباء وتحديث قطاع الطاقة مع السعي الى الاستحصال على القروض ذات الكلفة القليلة من بلدان صديقة لتمويل الاستثمار في هذا القطاع. وامتلاك واستعمال التقنيات الحديثة اللازمة لتسريع انتقال المعامل من استخدام المحروقات السائلة الباهظة الكلفة إلى استخدام الغاز الأقل كلفة وضرراً بالبيئة، واستعادة كهرباء لبنان لأعمال الجباية وتقديم الخدمات، وصولاً إلى توفير الكهرباء بشكل مستدام للمواطنين، وإقفال ملفّ المولدات الخاصة الشديد الكلفة اقتصادياً وبيئياً. وإلى ذلك، تشجيع الاستثمار العام والخاص في تطوير تقنيات الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها. هذا بالاضافة الى حصر استيراد النفط ومشتقاته بالدولة مباشرة .

- تحديث وتطوير شبكات الاتصالات والانترنت ورفع مستوى تغطيتهما وجودتهما، وتخفيض الأسعار والرسوم الي تنتزعها وزارة الاتصالات لصالح خزينة الدولة، في شكل ضرائب مستترة وغير معلنة.

- بناء شبكة عصرية ومتطورة للنقل العام تحلّ معضلات الازدحام اليومي وارتفاع كلفة النقل الخاص والتلوّث الناجم عنه، ما يستدعي إطلاق مشروع ضخم لبناء شبكات من القطارات والمترو والحافلات العامة المنتظمة بين كافة المناطق اللبنانية، مع ما تحمله من أثر إنمائي أيضاً.

- ضمان حق لبنان بثروته النفطية والغازية واستخراجها، واعتبارها ليس مورداً مالياً وريعياً فقط، بل رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية، وبخاصة الصناعية منها، وأداة فعلية للتنمية الاجتماعية وتوطين واستيعاب التكنولوجيا، مع مراعاة توزيع ثمارها بشكل عادل على الأجيال.

- وضع خطة شاملة لمعالجة الآثار البيئية والاجتماعية الناجمة عن تفاقم مشاكل المياه والكسارات والمرامل والمكبات العشوائية وجمع النفايات وشبكات الصرف الصحّي، مع وقف كافة الاعتداءات على الأملاك البحرية والنهرية العامة والخاصة.

خامسا، سياسة صناعية جديدة

يعاني الاقتصاد اللبناني من الشلل على المستوى الإنتاجي. وتتطلب مواجهة هذه المعضلة أكثر من الاعتماد فقط على "تحسين بيئة الأعمال" وقوى السوق الحرة، لأن هذه القوى بالذات هي التي تعيد انتاج الاقتصاد نفسه عاما بعد عام من دون أي تغيير في بنيته. المطلوب اليوم تدخّل "اداة" من خارج الاسواق وذلك من أجل تحويل جزء من الفائض الاقتصادي الذي يذهب اليوم إلى القطاعات المالية والخدماتية والتجارية والريعية ويستخدم في تكديس الثروة لدى القلة، نحو إعادة تشييد البنى التحتية من كهرباء واتصالات وشبكات صرف صحي وطرقات ومياه بالإضافة إلى حلّ مشكلة النفايات والمحافظة على البيئة الطبيعية؛ وكذلك نحو دعم القطاعات المنتجة وتحفيز الشركات المنتجة التي توظف المهارات العالية وخريجي الجامعات. ويطال هذا التحوّل جميع القطاعات المنتجة الصناعية والزراعية بالإضافة إلى قطاعي التكنولوجيا العالية والسياحة، فضلا عن فروع أساسية في قطاع الخدمات. وينبغي أن يتمّ تمويل ذلك التحوّل – بالأولوية – من خلال "استغلال" قطاعات الريع، أي عبر الاقتطاع ممّا كدّسته من أرباح وثروات، وذلك باستعمال النظام الضريبي وفرض ضرائب على المصارف والريع العقاري وعلى مداخيل اللبنانيين في الخارج فضلا عن استحداث ضرائب جديدة على الثروة كما على توريث الثروات الكبرى. والضريبة على الثروة ستساعد ليس فقط على زيادة "جرعات ذات مضمون اشتراكي" في الاقتصاد اللبناني وإنما ستساعد أيضا على تعزيز جرعات الابتكار. فالمزيد من المساواة يعني المزيد من الابتكار وزيادة الإنتاجية. إننا إذاً امام حاجة ماسّة الى سياسات جديدة تعزز الاتجاه نحو بناء وتعبئة الفائض الاقتصادي وتوجيهه نحو تشييد بنية اقتصادية جديدة. ومن شأن هذه التوجّهات أن تحسّن فرص الاستفادة من الاغتراب اللبناني المنتشر في أصقاع الدنيا والذي اكتسب مهارات تقنية عالية المستوى وراكم الخبرات الانتاجية في العديد من المجالات. فتحرير البلد من النظام السياسي الطائفي وسياساته الاقتصادية والاجتماعية البائسة والمتخلّفة يسهم في تحفيز واجتذاب المغتربين، ومن ضمنهم الشباب بخاصة، للعمل والاستثمار في بلدهم الأم.

وفي الوقت الذي يجري فيه هذا التحوّل، يتمّ التحضير الجدّي لمرحلة يمكن أن نطلق عليها مرحلة "تغيير البنية الاقتصادية" التي يستبدل النموذج الاقتصادي القديم فيها باقتصاد ديناميكي إنتاجي وعصري يؤسّس لتطوير القوى المنتجة بشكل كبير. ويدرك الحزب الشيوعي أن هذا الانتقال من القديم الى الجديد يطرح تحدّيات مستقبلية كبيرة ينبغي على اللبنانيين مواجهتها والاستعداد الطوعي للاتفاق على التقاسم العادل للمنافع والتضحيات المتأتية عنها. وهذا يرتبط بشكل خاص بنمط الاستجابات المنتظرة حول العديد من المواضيع والاشكاليات التي سوف تستجدّ على أرض الواقع: تحديد الميزات النسبية للاقتصاد اللبناني في عالم (عربي واقليمي ودولي) متغيّر، وتأمين الشروط الملموسة للانتقال الى النشاطات الاقتصادية المعنية بهذه الميزات، وتوفير مصادر التمويل الاستثماري المحلية والخارجية التي يتطلّبها هذا الانتقال، وتهيئة القوى العاملة للتفاعل الايجابي مع عملية إنخراطهم في نشاطات اقتصادية جديدة بدل نشاطاتهم السابقة، وبلورة نمط عادل للتأمينات الاجتماعية والضمانات المطلوبة أثناء عملية الانتقال، وبناء الأطر المؤسسية الرسمية والخاصة التي يجب أن تحتضن هذه التحوّلات، وغير ذلك من تحدّيات. ولا شكّ في أن الشعب اللبناني سوف يجد نفسه مطالبا، الى جانب المنافع المتوقّعة، ببذل جهود وتضحيات كبيرة يفرضها مسار التحولات المطلوبة.

سادسا، في النظام الضريبي

يحتاج الاقتصاد اللبناني الى نظام ضرائبي جديد يطال أساساً الثروات والأرباح، ويؤمن للدولة المداخيل التي تسمح لها بتمويل وظائفها الأساسية وخدماتها العامة، بدل التخلي عن هذه الوظائف لكبار الرأسماليين عبر الخصخصة أو عبر ما يسمى "الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص"، الذي يخفي مطامع الاستيلاء على الأملاك والأصول العامة التي ينبغي أن تبقى ملكيتها للشعب. ومن دون إدخال تعديلات جذرية على النظام الضريبي والنفقات العامة، لن يكون ممكنا تنفيذ أيّ خطّة للإنقاذ والنهوض الاقتصادي تستجيب للاحتياجات المعيشية الأساسية للشعب اللبناني في زمن الأزمة.

إن المدماك الأساسي في تعديل النظام الضرائبي الحالي، تحقيقا لعدالة ضريبية أكبر وتوسيعا للوعاء الضريبي، يجب أن يتضمّن:

• فرض ضريبة تصاعدية موحّدة على جميع مصادر الدخل

• رفع معدل الضريبة على شركات الأموال الى 30%

• وضع ضريبة تصاعدية على الفوائد المصرفية بدءا من 7% وصولا الى 15%

• وضع ضريبة 2% على الثروة الصافية للأفراد فوق المليون دولار

• إعادة النظر في بنية الرسوم الجمركية والرزنامة الزراعية بعدما تمّ فتح اسواق الاستيراد على مصراعيها في مستهل الحقبة الحريرية، وذلك للتمكن من حماية الانتاج الصناعي والزراعي المحلّي وتفعيل الانتقال الى اقتصاد الانتاج.

• تعديل ضريبة الانتقال بحيث تصبح ذات معدل مسطح واحد يبلغ 45% (مع شطر اعفاء يبلغ 1 مليون دولار، بما يعفي عمليا الاكثرية الساحقة من الفئات الاجتماعية المتوسطة وما دون المتوسطة خصوصا في الأرياف من هذه الضريبة بخلاف ما هو قائم اليوم.

• التطبيق الفعلي للغرامات على الإشغالات غير القانونية للأملاك البحرية، بعد تصحيح قيمة الغرامات وربطها بتطور أسعار العقارات بدءا من عام 1992

• رفع الضريبة على القيمة المضافة على الكماليات إلى 18%

• فرض ضريبة على أرباح البورصة والأسواق المالية

• فرض ضرائب على الربح العقاري وعلى مداخيل العاملين في الخارج وإخضاع الأوقاف العائدة للمؤسسات الدينية للضريبة والغاء الاعفاءات الضريبية لشركات الهولدينغ وشركة سوليدير وكذلك "الاعفاءات التأجيرية" الممنوحة للكثير من مستخدمي املاك الدولة ووقف قنوات التهرب الضريبي عبر الشركات القابضة وغيرها.

ان هذا النظام الضريبي الجديد لن يؤدي فقط إلى زيادة حصة الضرائب على الثروة والمداخيل العالية والأرباح، إنما سيتيح أيضاً تحصيل واردات متراكمة للدولة في السنوات العشر المقبلة بما يقدّر بمليارات الدولارات، التي يمكن استعمالها في الاستثمار في البنى التحتية وتحديث بنى الانتاج التي تنهار حالياً. إن هذا الاقتطاع الضريبي لن يكون له تأثير سلبي على الاقتصاد، كونه يتمّ غالبا على حساب الشطور العالية من المداخيل والثروة التي تتكدس بلا طائل أو تنفق على الاستهلاك الكمالي المستورد. في المقابل فان اقتطاعها ثم استخدامها في الاستثمار العام سيكون له تأثير مضاعف في تفعيل الاقتصاد وخلق فرص العمل ورفع الانتاجية بالإضافة إلى خفض الفائدة كنتيجة لخفض الدين العام، مما سيكون له أيضاً وقع ايجابي على الاستثمار الخاص.

سابعا: في سياسات المصرف المركزي

بعد ان تبين الدور المحوري لسياسات المصرف المركزي في انتاج الأزمة الاقتصادية والنقدية، فانه من المطلوب جعل سياسات مصرف لبنان أكثر استقلالاً عن المصالح الخاصة للنواة المصرفية الاحتكارية الضيّقة، وأكثر توافقاً مع مصالح الشعب اللبناني بالاستثمار المنتج والتوظيف في التطور الاقتصادي. ويكون ذلك عبر:

أ- إلزام مصرف لبنان بنشر دوري للحسابات النظامية المفصّلة لأرباحه وخسائره.

ب- إخضاع سياسات المصرف المركزي للمحاسبة الديمقراطية من قبل مجلس النواب عبر جلسات استماع دورية للحاكمية أمام اللجان المشتركة المعنية بالمال والاقتصاد.

ج- تشريع الشفافية في عمل المصرف المركزي عبر إلزامه بنشر محاضر جلسات المجلس المركزي ليطّلع النواب والرأي العام على كيفية إدارة السياسة النقدية من جانب مصرف لبنان.

د- تعديل المادة 70 من قانون النقد والتسليف بحيث تضاف أهداف النمو الاقتصادي والمحافظة على درجات عالية من التوظيف في الاقتصاد من حيث هي أهداف مستقلة تتساوى مع هدف المحافظة على قيمة النقد الوطني.

ثامنا: في المسائل السياسية الأخرى الملحة

في القضية الوطنية وبناء الدولة المقاومة

العمل على تحرير القرار السياسي للدولة اللبنانية من التبعية للخارج بحيث تصبح دولة مقاومة قادرة، بمقوّماتها الذاتية الوطنية، على الدفاع عن أرضها وبحرها وجوّها وثرواتها، وعلى مواجهة المشروع الصهيوني المعادي للبنان والمعادي أيضا لقيام الدولة العلمانية الديمقراطية فيه، وذلك تأكيداً لحقّ الشعب اللبناني الذي تمّ تجسيده بالملموس على امتداد تاريخه الوطني المقاوم. والمطلوب كأولوية تعزيز قدرات الجيش وتأمين مستلزماته العسكرية كافة، على أن تضطلع الدولة بمهمة تمويله دون انتظار الهبات المشروطة بأجندات سياسية من الخارج تمسّ بسيادتنا واستقلالية قرارنا. فهذه هي المنطلقات لتحرير باقي المناطق اللبنانية المحتلة وتحصين الوحدة الداخلية وتقوية مناعتها وتأمين مقومات الصمود والمقاومة في القرى الحدودية.

في قضية اللاجئين الفلسطينيين والسوريين

- العمل على بلورة معالجات لقضية اللاجئين السوريين، ومن ضمنها العمل على تأمين عودتهم السوية الى بلدهم، بالتعاون مع الامم المتحدة والحكومة السورية. ونؤكّد في هذا الاطار على وجوب مكافحة مختلف أشكال الحملات والممارسات العنصرية ضد السوريين والفلسطينيين والأجانب.

- منح اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حقوقهم المدنية الأساسية التي تكفلها المواثيق والاتفاقات الدولية، ومن موقع الأخوّة والتضامن بين الشعبين، وفي طليعتها حق العمل والتعليم والاستشفاء، وذلك بهدف تحسين اوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.

في السياسة الخارجية

- اعتماد سياسة خارجية جديدة تؤكّد على احترام خيارات الشعوب في سعيها المشروع لتحقيق أهدافها في التحرّر الوطني والتنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ سياسة يضطلع لبنان من خلالها بدوره السياسي الفعّال في تنويع علاقاته الخارجية ومواجهة الأحادية الاميركية، ورفض وادانة نهج التصعيد العسكري الامبريالي والتدخلات الخارجية وسياسات المقاطعة والعقوبات والحصار الاقتصادي. والسياسة الجديدة مطالبة بتمتين علاقات لبنان مع الدول والقوى السياسية التقدمية، ومع الدول الصاعدة سياسياً واقتصادياً وفي مقدمتها جمهورية الصين الشعبية، من أجل تحقيق المصالح المشتركة بين لبنان وتلك الدول وقيام نظام عالمي متعدد القطبية .

- دعم القضية الفلسطينية وخيارات الشعب الفلسطيني وحقه بالمقاومة ووقف الاستيطان والتمسك بالأرض وحق العودة وتقرير المصير وبناء الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل فلسطين التاريخية وعاصمتها القدس، في مواجهة السياسات الصهيونية التي تسعى إلى إرساء يهودية الدولة وترسيخ الاستيطان وتهجير الشعب الفلسطيني.

- دعم الحلّ السياسي للأزمة السورية ضمن الدولة السورية الديمقراطية الموحدة التي يختارها الشعب السوري، وإدانة العقوبات الاقتصادية والتدخلات الخارجية في شؤونها، واستعادة لبنان للعلاقات السياسية والاقتصادية معها.

- اخيرا، على لبنان ان يستعيد دوره الريادي في المجال الديبلوماسي والسياسي الخارجي وأن يكون قادرا على استخدام مروحة علاقاته الدولية والإقليمية الموسّعة مع الدول الصاعدة ومع القوى والأحزاب التقدمية من اجل توفير حلول للقضايا العربية الملحة، ومن اجل تحقيق اشكال تكامل اقتصادي أكثر تطوّرا بين الدول العربية، وبخاصة دول الجوار في المشرق العربي، ودعم انتفاضات شعوبنا العربية ونضالاتها ضد انظمة القمع والافقار والتطبيع من اجل تحررها الوطني والاجتماعي وتحقيق مصالحها في التنمية والعدالة الاجتماعية والأمن والاستقرار.

آلية العمل لتحقيق المشروع في المرحلة الانتقالية :

ان هذا المشروع يتطلّب من الحزب وقوى التغيير الديمقراطي وضع هذا البرنامج في خدمة اطلاق المبادرات من أجل تعبئة الطاقات والجهود المشتركة لإطلاق المشروع السياسي البديل وبناء التحالف الاجتماعي وتأسيس وتعميم اللجان الشعبية في المدن والمناطق، وصولا الى بناء الائتلاف الوطني الواسع لقوى التغيير، يقدّم نفسه بديلا عن المنظومة الحاكمة، ويتولّى مسؤولية قيادة الصراع معها، لخلق موازين قوى جديدة تفرض تشكيل حكومة إنقاذ وطني انتقالية، بصلاحيات تشريعية استثنائية، من خارج المنظومة الحاكمة لإدارة المرحلة الانتقالية.

بيروت 16-6-2021

المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني