النيوليبرالية والدين السياسي

 
الفضل شلق

تزامن صعود الدين السياسي والنيوليبرالية في أواخر السبعينات من القرن العشرين. يختلف ريغان وتاتشر عن الخميني، والحسن الترابي، وجهيمان العتيبي، وانقلاب تركيا في 1980، لكن النتيجة واحدة؛ وهي تضاؤل حجم الإنسان في نظام عالمي محكوم بالله ومن صادر السماء، وبالرأسمالية ومن صادر ثروات الناس ونتائج علمهم. في الحالتين يتضخم رأس المال المالي، ويتضاءل حجم الإنسان بتلاشي قيمة ما يصنع وينتج ليصير أكثر فقراً. في الحالتين يستسلم الإنسان لقدر لا يصنعه، لقدر اعتبر هو السبب لوجوده. مع تضاؤل حجم الإنسان، لا بدّ من الاستسلام أمام قوى تنهبه ودين يبرر للناهبين ما يفعلونه. يزداد عدد الفقراء، وتتضاءل حصتهم في الثروة العالمية. في مجتمع يقيس الناس لا بقيمهم الإنسانية، بل بحسب ما يملكون، يتضاءل حجم الإنسان والاعتبار المعطى له. قيمته بقدر ما يملك. إذن هو موضوع لخدمة أرباب النظام بفرعيه: الفرع الذي ينهب والفرع الذي يبرر له ما ينهب. الرأسمالية تعرف كيف تنهب والدين السياسي يعرف كيف يبرر. الإنسان لديهما يخضع. يتوجب عليه أن يخضع، وأن يقتنع بخضوعه. أليس الدولار عملية قدرية، عملة هي بمثابة القدر الذي يخلق ويختلق؟ أليس الدولار قوة تسيّر العالم؟ بالمشاركة مع سطوة السماء وتكليفاتها الشرعية؟

صار الناس أكثر تديناً، بالعقيدة لا بالإيمان. كثر الحجاب وكثرت الفتاوى الشرعية، وصار الهم عند أصحابها مرضاة السماء لا العمل من أجل نيل الحقوق على الأرض. للسماء رب يحميها وعلى الأرض سادة يديرونها. المشايخ وخبراء الدين يتعاونون مع خبراء التكنولوجيا لحماية وتأبيد نظام العالم.

لم يكن صدفة تزامن الحركتين الدينية والمالية في العالم. ومن غير الإجحاف اعتبار الحركة الدينية ضرورة للحركة المالية. الثروة وتراكمها بحاجة الى تبرير. ولا أفضل من الدين لتبرير ما للأثرياء. جميعهم ترك أمر الفقراء للخبراء في الأمم المتحدة والدول والمنظمات الحكومية، وقد عقدت اجتماعات على هذا الجانب أو ذاك، وما أدى الأمر إلا الى تأكيد تأبيد الحركتين، فازداد عدد فقراء الأرض، وانخفض عدد أغنيائها مع زيادة عدد الحاملين لثروات كبيرة (بالبلايين)، خاصة منذ أزمة 2008.

تنتج الحركة الدينية المالية سلطة؛ فهناك من يريد الحفاظ على ما لديه. وتنتج حركة الفقراء مزيداً من البعثرة، إذ ليس لدى قوى النضال دفاعاً عن الفقراء أو فهماً أو برنامجاً لوضع عالمي يتفاقم.

في هذا الوقت سرت حول العالم ايديولوجيا الخصخصة، أي إحالة ممتلكات الدولة للقطاع الخاص. وكان ضرورياً رفع الضوابط عن رأس المال المالي وحركته. وكان ضرورياً تبرير ذلك بالأدلجة “لبراعة” القطاع الخاص في إدارة ممتلكات الدولة. تنصلت الدولة، أو بدأت تتنصل من واجباتها تجاه شعبها خاصة فيما يتعلّق بالضمانات الصحية والاجتماعية والعمل. أُضعفت النقابات العمالية. جرى تصدير الصناعات الغربية الى دول أسيا. المصنوعات حول العالم جرت فبركتها في مصانع في دول يسودها الاستبداد. دول العالم الثالث سابقاً صارت مؤتمنة على القمع والتعذيب واحتواء الحركات الطبقية. صار العالم أكثر انضباطاً؛ والبطالة أكثر انتشاراً؛ والهجرة حديث الفضائيات اليومي. مآسي المهاجرين تعرض على الفضائيات يومياً، الى أن برزت المتاجرة بالبشر: العرب تجار عبيد.

قبل ذلك حدثت ثورة 2011. فزع الحكام العرب. بعضهم وزّع المال لرشوة شعوبهم، وبعضهم الآخر أفزعنا بالحكم الإسلامي. اضطر العسكر لاستلاب السلطة. بعض هذه البلدان خضع لثورات مضادة أنتجت حروباً أهلية. حدثت الحروب الأهلية في بلدان ذات تعددية دينية ومذهبية وإثنية. وبعضها موحد في معظم هذه الأمور. لكنها جميعها تعاني من تفاوت وتناقض طبقي حاد. احتلال الميادين لم يدم طويلاً. الحروب الأهلية ما زالت مستمرة. ليس أقسى من معاقبة الشعوب على حركتها النضالية.

ألبس بعض الحكام ثوب الحداثة قوى تقاتل في مواجهة قوى الظلام لابسة السواد. لدى كل سلطة بلطجية وشبيحة من الفقراء. فليحاربوا وليقتلوا بعضهم. العقوبات ينزلها الفقراء بأنفسهم. جماع الشعوب حان له أن يتعلّم أن النضال في سبيل الحقوق لا طائل منه. الخضوع للطغيان واستبداد الحكام القدماء والجدد هو وحده المطلوب. على من كاد يصبح مواطناً أن يعود الى صف الرعايا ويهتف للمستبد المخلّص من آتون الحرب الأهلية وهجمات الإرهابيين الوحشية والعشوائية.

لم يكن غريباً أن يصير الوطن العربي الممتد من جنوب وشرق البحر المتوسط الى الصحارى الداخلية، ومنها الى شواطىء المحيط الهندي ساحة حروب إبادة وتهجير جماعي وتبادل سكاني (يكاد يُسمى تطهيراً عرقياً أو دينياً مذهبياً). شعوب لا تعرف ماذا تريد. أُريد لها أن لا تعرف. ويقف حكام مستبدون قائلين أن الحركات الشعبية بما فيها مثقفوها لا برامج لهم. بالطبع نعرف برنامج الطغاة، وهو القمع والتدمير لخدمة السادة الكبار، على أعقاب النيوليبرالية، ركزت موارد كل بلد في أيدي أشخاص معدودين. كثر عدد الثوار الجهلة الموصوفين والموضوعين في صفوف الظلامية.

صار علينا أن نختار أسوأ الاختيارات: بين حاكم طاغية مستبد متلبس غصباً عنه رداء الحداثة، وثوار أفقرتهم الحياة فلم يبق من الفكر في أدمغتهم الكثير، ولم يبق من لحم على عظامهم الكثير. الجوع أبو الكفار (والتكفيريين).

نظام عالمي صار الوطن العربي مركزه؛ مركز القتل، والدمار، والظلامية، والتكفير، والإرهاب، وكل ما ينسب الى الظلامية. أحوال هؤلاء الناس لا لزوم لفهمها، ناهيك بالتعاطف معها. التعاطف الوحيد أن تدور الحرب الأهلية (الثورة المضادة) بين الأنظمة وخصومها، ويترك الجمهور دون أدنى اعتبار. لا بل اعتُبِرَ الجمهور بيئة حاضنة للإرهاب. فهو أيضاً يحتاج الى أن يعاقب بهدم البيوت والتهجير في الداخل والخارج، والبطالة عن العمل، والهجرة غير الشرعية، وارتكاب سلسلة لا تنتهي من أعمال التهريب والاغتصاب والاتجار بالبشر، وجلب المهاجرين عبر البحار.

منطقتنا مهددة (صار التهديد واقعاً) بالجفاف وتمدد الصحراء الى الساحل وانقطاع المياه، إذ تبنى السدود على الأنهار الكبرى (النيل والفرات ودجلة) في البلدان المجاورة. بلدان تدمّر صناعتها بحجة عدم الفعالية، وتصير أرضها يابسة، خالية الغطاء الزراعي. بشرها يتزايدون، ولا تحل الهجرة المشكلة. المزيد من القصف والجيوش العالمية من أجل إبادة من تبقى في الأرض. ليست الأمور، بالطبع، بهذه البساطة. لكن لا بدّ من التحليل للوصول الى هذه الاستنتاجات الواقعية.

الرأسمالية النيوليبرالية (الرأسمالية الجديدة) وجدت نفسها من دون عدو يذكر في بلدان المركز أو في الأطراف، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. النقابات تراجعت في الداخل، وأجهزة القمع تتولى مهامها في بلدان الأطراف. ازدادت الفجوة بين الطبقات حول العالم. فقدت الليبرالية حيادها إذ لم تعد نقيضاً. صارت الثورة في بلدان الأطراف أكثر صعوبة. الجماهير في كل مكان تبرر السياسات الليبرالية الجديدة. فئات شعبية واسعة تؤيد الخصخصة، ولبرلة النظام، وإلغاء القيود على الرأسماليين ومؤسساتهم. والدين طوّع الذات الإلهية لخدمة الرأسمالية الجديدة التي مهما أصيبت بأزمات فإنها تتراجع، ولا تتعلم من دروس أزماتها. من يخالفها يُتهم بالإرهاب ويعدم ميدانياً، دون محاكمات. ومن يعارضها يُرمى الإرهاب في وسطه كي تثبت التهمة. أصحاب المطالب التاريخية ولى زمانهم. مطالبهم تُرمى بالإرهاب. يزول مبدأ العدالة. هو العنف المجرّد تمارسه الرأسمالية على الأطراف. تعود القواعد العسكرية. يعود الاستعمار في بلدان أخذت استقلالها منذ عقود. عودة الاستعمار تحدث بعنف أكبر، لأنّ الأسلحة أصبحت أكثر تطوراً ومناهج التعذيب أكثر لياقة. هل كانت اتفاقات كامب دايفيد، ووادي عربة، وأوسلو، لتحدث إلا في زمن النيوليبرالية؟ يُنتخب رئيس أسود اللون في بلد المركز. يخوض ثمانية حروب ويُعطى جائزة نوبل، كما الذين وقعوا أوسلو وكامب دايفيد، وكما رئيسة بورما التي تمارس حرب إبادة. الذين مارسوا حروب إبادة في أوروبا يُحاكمون، ويُحكمون ولو بعد حين. يجب أن يبقى المركز نقي السمعة، فخوراً بذاته، محافظاً على مبادئه الإنسانية وعلى موقعه فوق الجبل أخلاقياً.

لا تعاني منطقة أخرى في العالم ما تعانيه المنطقة العربية. ما يُعتبر ثروة تحت الأرض يُبدد ويُهدر، بعد أن يبنى نظام عالمي أخلاقي استهلاكي قائم على التبذير. ثروة ما فوق الأرض من أنهار جارية وغيرها تقتطع. وسدود تبنى في بلدان المنبع. وصحراء تزحف نحو الداخل. ناس يتزايدون بوتيرة عالية. يحتج الجمهور على واقعه. يدخل الدين في خلايا دماغه. يعتبر أن ماله دين عليه. الدين والديْن تعبيران لا يختلفان إلا في اللفظ. الديان منحاز للطبقة العليا الداخلية والخارجية.

يعود الاستعمار. يحتل أقطاراً، ويدمر دولاً. والأهم من ذلك يحتل العقل في وقت يزعم الجميع أنهم ضد الغزو الثقافي. وليتهم أخذوا من الغزو الثقافي غير تقنيات مفعولها سطحي في الوعي وفي المعرفة. تزدهر سياسات الهوية ومنها الحروب الأهلية. المسرح جهّزته النيوليبرالية، وزودته بالتعبيرات الدينية. إسرائيل دولة عظمى في منطقة عربية تفتقر الى دولة واحدة. دولة شرعية واحدة: والشرعية لا تكون إلا بالناس ورضاهم. وليس بالانتخابات الشكلية وحدها، على ضرورتها. منطقة ما زالت تتلوى ألماً من تمزيقها في اتفاقي وعد بلفور ومؤتمر فرساي، رغم قيام دولة إسرائيل. يعشعش الشعور بالهزيمة بعد الانفصال وحرب 1967. انتصارات محلية وبعضها وهمية. البعض يرفع إشارة النصر والأكثرية تغرق في شعور المذلة. يكفي ذلك لحرب أهلية، خاصة إذا كان كلا الفريقين ينتمي الى مذهب ديني. أصبحت الشيعة موازية لإشارة النصر، والسنة موازية للهزيمة. لا غير المنتصر ينطق بإسم المنطقة. يُعقد اتفاق نووي مع دولة المركز الكبرى. الطرف الآخر لديه اتفاقية كامب دايفيد وأخواتها. المنتصرون أهل الحق طبعاً. المهزومون أهل تاريخ الانحطاط. ينسحب الحاضر على الماضي. التاريخ بحاجة الى تعديل. ايديولوجيو الانتصار جاهزون. لذلك تُبنى نظريات جديدة. صارت المقاومة رمزا للانتصار لا للهزيمة. تكتمل حلقة اللاعقلانية.

هي لاعقلانية عدم أخذ موازين القوى بعين الاعتبار. تنعدم رؤية فراغ المنطقة العربية من العمل والإنتاج وتماسك المجتمع. مجتمعات مفتتة لا تستطيع تحقيق شيء مهما بلغ عددها. التفتت تباركه موجة دينية سلفية جارفة. طاعون من نوع جديد. المواجهة مع الاستعمار الجديد تتحوّل الى حروب أهلية. لا تحتاج هذه الى اختلاف المذهب والدين. الجزائر في التسعينات تجربة لما سيأتي، وليس فيها اختلافات مذهبية. تجربة ناجحة بنظر من دبرها وقادها، أو استنتج العبر منها. تُعمم التجربة في بقية أصقاع الأمة العربية، خاصة وأن العقلانية غائبة.

في مجتمع مغلق لم يعد النقاش دائراً حول قضايا ولا أفكار. موجة العداء للفكر، بحد ذاته، تنتشر. المثقفون معظمهم “وعاظ سلاطين”. لكن الترقي الثقافي يدان. يخوض كل فريق حربه ضد الأعداء الداخليين. لا لزوم للأفكار. يتوجب إنهاء مهمة القتال قبل التفكير. الممارسة قبل التفكير. أما الممارسة الفكرية فهي ممنوعة. يكفينا تقليد السلف الصالح. يكفينا أن نسكن الماضي ولا نفكر في التاريخ.

مراكز البحوث ممنوعة. النظر في تجارب الأمم الأخرى التي نهضت شبه معدوم. لا نعرف إلا ذاتنا المدفونة في ما قاله السلف الصالح. لا نعرف عن السلف الصالح إلا صلاحه. أما أن يُعتبر طبقة فوق طبقات فهذا محرّم. التحريم والتقديس يطالان الفكر. من دون أفكار محرمة لا يتقدم أي مجتمع. يكفي التقاتل حول صلاحية السلف الصالح.

يُراد لهذه المجتمعات أن تنفجر من الداخل، وأن تبقى الانفجارات داخلية. كل انفجار خارجي يؤدي الى تواصل بين البلدان العربية. وهذا أمر غير مرغوب به. أو الى مواجهة مع العدو الإسرائيلي. وهذا أمر غير مرغوب به أيضاً. إن ما أنجزته اتفاقات سايكس بيكو ومؤتمر فرساي خلال وبعد الحرب العالمية الأولى يجب أن يبقى سليماً. لكن يجب أن تكون الفتنة، وما يهدد السلم الأهلي، وما ينتج عنه من حروب أهلية في الداخل، ضمن الحدود المرسومة، وتحت سقوف مقررة سلفاً. على الحروب الأهلية أن تمزّق هذه الشعوب. وعليها أن تخضع بعدها لتسويات لا ترضى بها لكي تبقى إمكانيات تجدد الحروب الأهلية متجددة.

أمل؟
ليس صدفة أن العالم الراهن تسوده الفوضى. وليس صدفة أن هذه المنطقة هي مركز كل حروب العالم. ليس صدفة أن لهذه المنطقة أهمية مركزية في العالم. أهمية تجعل كل الدول الكبرى والإقليمية طامحة لكي يكون لها موطىء قدم فيها. وليس صدفة أن هذه المنطقة معرضة للزوال وإن بقي سكانها. لكن هناك أمل.

الأمل هو أن تنتقل المنطقة من سلفيتها الدينية والقومية الى عقلانية جديدة. وكل عقلانية تعود الى علمانية يكون فيها للدين مكان. الأمل أن ينتقل كل قطر الى طور العمل والإنتاج والسياسة. بالسياسة تكون إدارة الإنتاج. بالإنتاج نحصل على تماسك في كل المجتمع. يُمكن مواجهة العودة الى عهد الاستعمار المفروض على المنطقة بالعمل والإنتاج والتقدم. نتجاوز أنفسنا. ننخرط في العالم. نتعلم من تجارب الأمم الأخرى المحتلة وشبه المحتلة. تجارب أمم العالم الثالث التي تقدمت بالرغم من ظروف الاحتلال. لا يكون ذلك إلا بالغوص في حنايا الروح والقبول بما كنا لا نقبله: العمل حسب نموذج غربي (انتقل الى أسيا مؤخراً) مع المحافظة على جوانيتنا. نستطيع أن نتبنى ثقافة الغرب ونحافظ على جوانيتنا. نستطيع أن نتجاوز أنفسنا وأن نحافظ على جوانيتنا.

المهم ازدواجية القبول وعدم القبول، ازدواجية التخطي والالتزام، ازدواجية أن نكون من نحن مع السعي الى “نحن” جديدة تختلف عما سبق.

الأمل يحتاج الى بطولات من نوع جديد. البطولات التي هي ما نمارس داخل كل ذات عربية. لن يستطيع العالم الدخول الى جوانيتنا.

يبدو الأمر مستحيلاً. لكنه ممكن. طريقنا تحقيق الممكن على صعوبته.

*موقع الفضل شلق