الخميس، تشرين(۱)/أكتوير 29، 2020

تقرير سياسي لـ "الشيوعي اللبناني" حول الوضع اللبناني

  اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني
وثائق الحزب
تقرير سياسي حول الوضع اللبناني، الذي أصدرته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني.

أولاً: الظروف السياسية
فشلت الحكومة المستقيلة في وقف الانهيار المالي، واضطرّت عمليا إلى التخلّي عن مشروعها الإصلاحي المالي، بعدما رفض تحالف المصارف ومصرف لبنان والمجلس النيابي الإقرار بأرقام الخسائر، ما أدى إلى استقالة أعضاء بارزين في الفريق الاستشاري للحكومة (هنري شاوول ثم ألان بيفاني)، وإلى تجميد المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. هذا مع العلم بأن أي اتفاق- برنامج مع الصندوق في ظل الشروط التفاوضية السائدة راهناً سوف تكون له عواقب وخيمة على المستويين الاقتصادي والسياسي ستنعكس دون شك، نقمة شعبية عارمة على المنظومة السياسية اذ لا يمكن لأحد ان يتكهن بحجم نتائجها، في الوقت الذي تحاول فيه الأخيرة التهرّب من دفع الثمن (أزمة البطالة والمصروفين – الغلاء والتضخم – انهيار الليرة – طلبات الهجرة المتزايدة – أزمة افتتاح العام الدراسي – التحكم بالودائع – وخطر وقف الدعم عن السلع الأساسية).
من جهتها، استكملت الولايات المتحدة الاميركية ضغوطها على لبنان، بحيث وجدت في الأزمة الاقتصادية باباً إضافياً لتوسيع نطاق عقوباتها وتدخلاتها لتأمين تحقيق أهدافها، مشدّدة على عدم تقديم أي مساعدات أميركية أو غربية إلى لبنان طالما بقي حزب الله مشاركاً في أي حكومة جديدة (تصريحات شينكر والسفيرة في لبنان)، والحصول على موافقة رسمية لبنانية لخطة ترسيم الحدود البحرية والبرية بما يخدم العدو الصهيوني. ومع فشل الحكومة، وقبيل صدور قرار المحكمة الدولية، واستدراكاً لصدامات ذات طابع مذهبي بدأت بالظهور، فشلت محاولة برّي لتغيير الحكومة وتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة الحريري.
في هذا المناخ السياسي صدر قرار المحكمة الدولية في قضية الحريري، الذي لم يتهم حزب الله بل "ربط النزاع" معه في اتهام سليم عياش، في حين فشل السعي الأميركي لتعديل مهام اليونيفيل لتشمل الحدود الشرقية بهدف إحكام السيطرة على الطرقات والمعابر بين لبنان وسوريا، وعزل لبنان عن عمقه العربي. وبالتزامن مع الضغوط الاميركية، برزت على الساحة اللبنانية الدعوة إلى حياد لبنان، أطلقها البطريرك بشارة الراعي، والتي أثارت، من جهة، استنكار طيف واسع من القوى السياسية والاجتماعية، ولكنها وجدت، من جهة ثانية من يتبناها، أيضاً من قوى سياسية وشخصيات. إن الضغط الأميركي المتزايد على لبنان لم يكن معزولاً عن ضغوط مماثلة في غير بلد من بلدان المنطقة (التفجيرات الغامضة في إيران، والغارات المتتالية على مواقع سورية وإيرانية في سوريا، ودخول قانون قيصر ضد سوريا حيز التنفيذ، ومحاولة اسقاط طائرة مدنية إيرانية كانت متجهة نحو بيروت من قبل الأميركيين). وأيضاً بروز بعض المؤشرات إلى بعض تفاهمات أميركية إيرانية حول ملفات عالقة (تشكيل الحكومة العراقية، تبادل مطلوبين، لبنان...).
إن التطورات الاقليمية المتسارعة ظللت طبيعة الصراع، بدءاً من القضية الفلسطينية، التي أضحت على مشرحة التصفية الكاملة، بعد إجراءات الضم للضفة وغور الأردن والجولان، وبدء مسيرة التطبيع العلنية مع العدو الصهيوني من قبل بعض الدول العربية، والتي كان آخرها، توقيع كل من الإمارات والبحرين وثيقة استسلام برعاية ترامب، وهناك كلام عن دول أخرى. إن اتفاقية العار الاماراتية – البحرانية – الصهيونية المدانة والمرفوضة، أتت كدعم مباشر لترامب في الانتخابات الرئاسية الاميركية وايذاناً بكرّ سبحة اتفاقيات الخيانة في منطقة الخليج العربي تنفيذاً لصفقة القرن وإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي، واستبداله بكل أنواع الصراعات الأثنية والطائفية والمذهبية لتفتيت المنطقة، والتضيق الأمني والاقتصادي على الشعب الفلسطيني. هذا الأمر يستوجب العمل على استراتيجية مواجهة في مواجهة صفقة العصر، تطال الاحزاب الشيوعية واليسارية العربية، واللقاء اليساري العربي.
وفي ظل احتدام الصراع بين شعوب المنطقة وقواها التحررية من جهة وبين المشاريع الإمبريالية وأنظمة الذل والاستسلام من جهة أخرى، فإن تعزيز وتمتين المقاومة يبقى الخيار الأساسي أمام شعوبنا العربية والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، مهما طالت وصعبت هذه المواجهة. ولنا في شعوبنا العربية والموقف الفلسطيني الموحّد ضد صفقة القرن أساساً للبناء عليه في تصعيد المقاومة حتى تحقيق قيام الدولة الوطنية الفلسطينية على كامل التراب الوطني وعاصمتها القدس، وعودة جميع اللاجئين إلى أرضهم، وتحرير الأراضي العربية المحتلة واستنهاض شعوبنا العربية وتوحيد طاقاتها الشعبية في إطار حركة تحرر وطنية، تضطلع بأشكال النضال كافة لإسقاط المشاريع الإمبريالية والأنظمة التابعة لها.
ثانياً: انفجار المرفأ
في ظل هذه التعقيدات الإقليمية والمحلية جاءت جريمة المرفأ والتي تقع مسؤوليتها على عاتق المسؤولين السياسيين داخل السلطة، الحاليين منهم والسابقين ومنذ الطائف حتى اليوم. لقد ترتبت عن هذا الانفجار خسائر بشرية كبيرة من شهداء وجرحى ومفقودين، إضافة إلى أضرار هائلة قُدّرت بمليارات الدولارات. وقد استكملت الجريمة الأولى بثانية من خلال الحريق، ربما المفتعل، الذي قضى على معظم مستودعات التخزين، وعَبَثَ بمسرح الجريمة، ليعيد تذكير اللبنانيين بفظاعة ما ارتكبه النظام القاتل بفساده وعجزه على كل المستويات. لقد شكّلت تلك الجريمة مادة للتجاذب السياسي نتيجة حجمها وتوقيتها، حيث جرت محاولات لتحميل الحكومة المستقيلة وحدها وزر المسؤولية، كما سعت بعض أطراف المنظومة الحاكمة إلى استدراج التدخل الخارجي عبر استدعاء لجنة تحقيق دولية، مستقوية بزيارات المسؤولين الغربيين وبحشد البوارج العسكرية الغربية (الفرنسية والبريطانية والاميركية ...)، التي دخلت المياه والأجواء اللبنانية وسط موافقة رسمية وحزبية ومن كل قوى السلطة الحاكمة. من هنا نؤكد التالي:
- رفض استخدام جريمة المرفأ لزيادة التوظيف السياسي خدمةً لمشاريع خارجية مشبوهة لا غرض لها سوى إعادة تجديد النظام الطائفي بالشروط التي تلائم مصالحها.
- عدم إهمال فرضية العمل التخريبي، إلّا أن هذه الفرضية لا تمنع بأن هناك جهات داخلية مسؤولة عن الإهمال والتقصير المشبوهين، والتي ترتقي بنتائجها إلى جريمة ضد الانسانية، ولذلك المطلوب: تحقيق شفاف وعادل يطال جميع مواقع المسؤولية، وإنزال العقاب بكل مرتكب وعدم إفلات أي أحد من المسؤولية، كما ضرورة كّفّ يد أجهزة الأمن والاستخبارات الخارجية، أميركية كانت أو فرنسية، عن التحقيق في هذه الجريمة، والتي قد يكون الكيان الصهيوني أحد المتورطين في تنفيذها.
في ظل هذا الوضع المتفجر، جاءت زيارة ماكرون إلى لبنان، وبتغطية أميركية، كي يحاول إعادة تعويم النظام الطائفي المتداعِ، استكمالاً لمسار طويل اعتمدته السلطات الفرنسية، منذ 30 عاماً في ترسيخ مرتكزات هذه المنظومة عبر مؤتمرات باريس 1و2و3، وأيضاً، باحتجازها المتواصل للمناضل جورج عبدالله من دون وجه حق إلّا الانصياع للموقف الأميركي. مستغلاً حالة الغضب الشعبي الكبيرة الناتجة من تداعيات الانفجار، أعلن ماكرون صراحة، وبمناسبة مئوية لبنان الكبير، عن الحاجة إلى "إعادة تكوين قواعد السلطة في لبنان"، ولكن عبر صيغ تجديد تجميلية، من دون المسّ بالأسس الطائفية للنظام، ولاحتواء الانتفاضة الشعبية التي ظهّرت حالة الاستياء الشعبي من النظام الطائفي وقوى السلطة. وفي مواكبة هذه الزيارة، سعت قوى من داخل السلطة اللبنانية، وبدعم من الإدارة الأميركية، إلى التصويب على سلاح حزب الله ومحاولة فرض انتخابات نيابية مبكّرة وفقاً للقانون الراهن، عبر تشجيع الاستقالات من مجلس النواب واستقالة الحكومة، والتمهيد لطرح استقالة رئيس الجمهورية. كما تواكبت مع لحظة إقليمية متوترة في حوض البحر الأبيض المتوسط نتيجة التمدّد التركي على أكثر من محور، من سوريا إلى العراق إلى ليبيا ولبنان واليونان... ليأتي انفجار المرفأ معطياً ماكرون الفرصة السانحة للتدخل المباشر في لبنان؛ تدخل في ظاهره إنساني أما في جوهره فهو سياسي أمني مباشر، في محاولة للحفاظ على آخر موطئ قدم لفرنسا في الشرق الأوسط. من هنا يجب التأكيد على:
- رفض استغلال كارثة مرفأ بيروت وتقديم المساعدات للمزيد من التدخل الخارجي للاستثمار في إنتاج البديل السلطوي، وفي التضييق على الحريات العامة والإعلامية، وعلى حقّ التظاهر والتجمع، والتشديد على أن تكون حالة الطوارئ المعلنة من جانب الحكومة هي موقتة ومحدودة الصلاحيات، وألّا تتعارض، بأيّ شكل من الأشكال، مع الحريات العامة والسياسية.
وحول هذه الشعارات، كانت دعوتنا إلى التجمع والتظاهر في ساحة الشهداء يوم السبت في 8 آب، تحت شعارنا المعلن: إسقاط النظام القاتل ومنظومته، مترجمين تمايزنا في التجمع وفي المواجهة أمام المجلس النيابي وجمعية المصارف، وهو يوم تجلّت فيه حالة الغضب الشعبي في أكثر من ساحة وتحت أكثر من شعار، ضد المنظومة الحاكمة المسؤولة عموماً عن الجريمة، وفي الوقت نفسه ضد منطق تبادل التهم وإلقاء المسؤولية، كل منها على الآخر عبر الاستغلال السياسي والإعلامي الذي مارسته بعض القوى السياسية والأجهزة الأمنية. وأمام انسداد الأفق السياسي وتخيير اللبنانيين بين استمرار المنظومة الحاكمة - سواء عبر الحكومة الحالية أو ما يسمى حكومة "الوحدة الوطنية" السيئة الذكر- وبين التدخلات الخارجية والتدويل بحجّة حفظ السلم الأهلي في مواجهة التفلّت الأمني وانحلال الدولة وانهيار الانتظام العام، نؤكد على التالي:
- إن الحل في المقام الأول هو حلّ سياسيّ يقوم على تصفية النظام السياسي الطائفي، وإرساء أسس الدولة الوطنية والديمقراطية.
- التأكيد على رفض وإدانة محاولات البعض استغلال الغضب الشعبي لرفع شعارات خدمةً لمشاريع سلطوية داخلية متفاعلة مع مشاريع خارجية تتآمر على دور لبنان وموقعه الوطني، خصوصاً في هذه المرحلة التي تشتدّ فيها محاولات تفتيت دول المنطقة وتقسيمها طائفياً ومذهبياً لإخضاعها.
- دعوة قوى الانتفاضة الوطنية إلى تجميع طاقاتها وجهودها من أجل إقامة أطر سياسية موحدة، والإسراع في طرح برنامجها البديل الرامي إلى تكوين سلطة بديلة تأخذ على عاتقها مهمة بناء دولة وطنية ديمقراطية قادرة وعادلة كبديل لنظام المحاصصة والتبعية والارتهان للخارج. وعزل القوى المتسلقة على الانتفاضة وكشف محاولات تمرير مشاريعها السياسية وفق أجندات خارجية.
ثالثاً: ماذا بعد الاستقالة؟
لقد تمحورت المشاورات التي سبقت استقالة الحكومة أو التي جرت بعدها حول خيارين: حكومة وحدة وطنية برئاسة الحريري، أو من يسميه، وسط اعتراض من بعض قوى السلطة وقبول من البعض الآخر، أو حكومة مصغرة أو حيادية برئاسة نواف سلام، وهذا مطلب قديم مستجد أرادته واشنطن وباريس والرياض. وعليه جاءت الطبخة السياسية الأخيرة، والتي كانت محط تفاوض بين الفرنسيين وقوى لبنانية وبمتابعة أميركية، قضت باستبعاد خياري الحريري وسلام لوجود رفض دولي وعربي ومحلي لهما. أتاح هذا الطرح وضع خارطة طريق بضغط فرنسي، وعليه جاء اختيار مصطفى أديب للتكليف والتأليف، تتويجاً لزيارة ماكرون، وباقتراح منه. إن ما جرى ويجري الآن يؤكد بأن النظام السياسي اللبناني بتركيبته ووظيفته وقواه لا يزال تحت الوصاية الأجنبية، وهي وصاية لم يخجل لا الرئيس الفرنسي ولا أطراف الحكم من تأكيدها علناً، بالإملاءات وبخارطة الطريق والتي وضعها الرئيس الضيف، وسط حشد البوارج الحربية الغربية في الموانئ اللبنانية، على طريقة الوصايات الإقليمية والدولية السابقة. وهذا ما سيستلزم مزيداً من التنازلات من السلطة اللبنانية، استجابة لتلك الشروط التي عبّر عنها بما يشبه مشروع "البيان الوزاري" الذي تلاه الرئيس الفرنسي وتضمّن الالتزام بالإصلاحات المقدّمة إلى مؤتمر سيدر، وبشروط صندوق النقد الدولي، فضلاً عن جدول زمني صارم، من دون أيّة ضمانات بعدم تحميل الفئات الشعبية وزر الأزمة بدلاً من تحميلها لمسببيها من ناهبي المال العام وأصحاب السلطة ورأس المال.
إن تشكيل الحكومة الجديدة لن يسفر عن أي حلٍّ جدّي للمشاكل المتفاقمة في البلد كنتيجة لتفجير المرفأ والانهيار الاقتصادي والمالي والانتشار المتسارع لجائحة الكورونا. فالمساعدات الموعودة لن تشكل أي حل لحالة الإفلاس المالي والمصرفي وانهيار العملة في الأفق المنظور. فالمسؤولون عن تراكم الأزمات – والذين لا يزالون يديرون دفّة الحكم – هم بالتحديد أولئك الذين، من داخل أفرقاء السلطة، الذين تولوا الحكم برعاية الخارج منذ الطائف وحتى اليوم من دون أيّ محاسبة. وهم الذين أنفقوا المال العام (أكثر من 250 مليار دولار خلال ربع قرن) لتعزيز ثرواتهم، وتحكّموا بعصبيات لا تنتج سوى القلق والقهر والدمار والدماء، وحوّلوا الدولة إلى دولة من دون مرافق عامة وخدمات اجتماعية وفرص عمل للشباب.
إن طرح موضوع اسقاط النظام أو تغييره من القوى الدولية نفسها التي تحميه يثير علامة استفهام حول البديل الذين يتحدثون عنه، وحول وظيفته ودوره في ظل احتدام الاشتباك الدائر اليوم في المنطقة، وتصاعد تهديدات العدو الصهيوني، واستمرار العقوبات الأميركية، التي طالت مؤخراً وزيرين لبنانيين سابقين، وتحكّم مصرف لبنان والمصارف الخاصة، وقوى الفساد والزبائنية في السلطة بحياة اللبنانيين ولقمة عيشهم. كما تبرز الشكوك إزّاء مسألة إعادة إعمار ما تهدم في بيروت والمرفأ واحتمال معالجة هذه العملية، تحت ضغط رأس المال في الداخل والخارج، عبر صيغة من صيغ سوليدير تنزع عن بيروت ما تبقى من تاريخها ونسيجها الاجتماعي. وأمام هذا المشهد الشديد التعقيد تصبح الخيارات المطروحة أمام الجانب الأميركي – الصهيوني- الرجعي العربي وحلفائه في الداخل اللبناني:
- إمّا أن يتمكن النظام من امتصاص الشارع مجدداً، كما فعل بعد 17 تشرين وما سبقها من حراكات، فيعيد انتاج نفسه من خلال تسويات مؤقتة – ويدخل في مرحلة انتظاريه إلى حين انتهاء انتخابات الرئاسة الاميركية - برعاية خارجية يُعمل عليها. والتي يمكن أن تؤسس إلى تسوية أو حرباً شاملة تؤدي إلى انتاج تسوية وفقا لنتائجها.
- وإمّا، أن يتم دفع الأمور في اتجاه تفجير الوضع الأمني، وتصبح حينها فرضية استعادة الصدامات المذهبية خياراً مطروحاً بقوة، في ظل التفجيرات والتوترات الأمنية الاخيرة في العديد من المناطق اللبنانية.

أمّا من جانب الحزب وقوى التغيير والانتفاضة الشعبية:
- إن إسقاط النظام السياسي ومنظومته الحاكمة وبناء مشروع سياسي بديل، فكان ولا يزال، المهمة الوحيدة والأساسية التي يجب التمسك بها، ما يتطلب استكمال بناء الائتلاف الوطني الواسع والنقيض للمنظومة بالطبيعة والوظيفة، وإطلاق مسودة البرنامج البديل، والاسراع في بناء التحالف الاجتماعي الوطني، وتفعيل لقاء التغيير وتوسيعه كمنصة سياسية جامعة.
- إعداد وتطوير البرنامج النضالي لحزبنا، الذي يجب أن يتمسك بالثوابت الوطنية (المقاومة، رفض التدخل الخارجي، الوضع في المنطقة، فلسطين...)، وأيضاً بتحقيق المصالح الاجتماعية للمواطنين واستعادة كرامتهم الانسانية والوطنية ومنع إذلالهم.

لقد عرّضت المنظومة السياسية الحاكمة لبنان – بحكم طبيعة نظامها السياسي ووظيفته وبحكم علاقة كل طرف منها بالنظام أو بالخارج – للتدخلات الخارجية ومشاريعها، التي لطالما قوّضت قيام الدولة تاريخياً، وسلبت اللبنانيين ثرواتهم وقوّة عملهم، وأدّت إلى تهجيرهم في أصقاع الأرض بحثاً عن فرصة للحياة. وها هي المنظومة نفسها الآن، وبالرغم من كل صراعاتها الفوقية، البينية والداخلية، تتناغم في ما بينها بحثاً عن صيغ جديدة للمحاصصة الطائفية، تارة باسم اللامركزية الموسعة، وتارة أخرى بإجراء انتخابات نيابية مبكرة وفقاً للقانون الانتخابي الراهن، وهكذا سيبقى "لبنان الكبير" يدور في حلقة مفرغة لمئة عام مقبلة؛ الآتي سيكون أعظم، والمواجهة ستكون أشد وأشرس بعد توافق معظم أطراف السلطة على تشكيل حكومة مصطفى أديب، وعلى تنفيذ ما عجزت عن تنفيذه حكومتا الحريري ودياب، وذلك تحت ستار حاجة لبنان لمساعدات وقروض خارجية موعودة من صندوق النقد الدولي ومؤتمر سيدر.
إن الحكومة الجديدة سوف تنفّذ التحرير الكامل لسعر الصرف، وتوقف دعم السلع الحيوية كالقمح والمحروقات والأدوية، كما أنها ستزيد الضرائب غبر المباشرة (ضريبة القيمة المضافة) وتعريفات الخدمات العامة الأساسية (الكهرباء)، وتقلّص عطاءات أنظمة التقاعد والتقديمات الاجتماعية، وتبيع ما تبقى من مؤسسات عامة لمصلحة المصارف والقطاع الخاص المحلي والخارجي. كما يرجّح أن تصرف النظر عن استرداد المال العام المنهوب، وفرض الضريبة التصاعدية على أصحاب الريوع والأرباح والثروات الكبيرة، وعن تحميل الخسائر للفئات التي حققت الثروات الطائلة ونهبت المال العام والخاص. كذلك سوف تتغاضى عن حماية القوة الشرائية للرواتب والأجور، وعن توفير التغطية الصحية الشاملة – وبخاصة في مواجهة الانتشار المخيف للكورونا – والتعليم المجاني الجيّد والنقل العام والسكن الشعبي، وهذه كلّها أهداف ملحّة ومشروعة، لن تتحقق إلّا برفضها والدعوة لتشكيل حكومة وطنية انتقالية ذات صلاحيات استثنائية من خارج المنظومة الحاكمة. وتحضيراً للمواجهات المرتقبة، نجد أنفسنا اليوم مؤتمنين على التصدّي لمهمتين أساسيتين:
المهمة الأولى، هي بناء التحالف الاجتماعي مع شركاء وحلفاء وقوى سياسية وتجمعات وفئات وشرائح اجتماعية وشعبية وعمالية نقابية وبلدية وقطاعية، ممن دفع ولا يزال يدفع ثمن الانهيار المالي، ونحن نعوّل أهمية كبرى على هذه المهمة. فالتحالف الاجتماعي يشكّل في خطتنا السياسية أحد الأركان الأساسية لبناء الائتلاف الوطني الواسع الحامل لبرنامج التغيير والقادر على تغيير موازين القوى في المرحلة الانتقالية.
أما الثانية، فهي ترتبط بعدم وجود أيّ إمكانية لتحقيق التطور الطبيعي للبنان وإخراجه من الأزمات والكوارث المتلاحقة إلّا بتحرره الوطني والاجتماعي، من الإمبريالية والرأسمالية وكسر هيمنتهما، وهاتان المعركتان هما قضية واحدة لا تتجزأ : التحرر الوطني والاجتماعي من الوصايات الأجنبية وتهديدات أساطيلها وضغوطاتها المالية والاقتصادية، والانعتاق من النظام السياسي القائم، بفك تبعيته وتغيير وظيفته، وكسر منظومته السياسية المرتهنة والفاسدة، وبناء اقتصاد منتج يؤمّن مستلزمات الاستقلالية، قائم على الانفتاح والتكامل. اليوم لم يعد للفقراء ما يخسرونه، بعدما خسروا كل شيء. خسروا فرصة العمل ولقمة العيش وسقف البيت والمدرسة والأمان الصحي. وما من شيء يعوّض كل هذه الخسائر إلّا الاطاحة بهذا النظام الفاسد. وبقدر ما تعي الطبقة العاملة وسائر الفئات الشبابية والطلابية والمهنية والمعطلين عن العمل مصالحهم، بقدر ما نتمكن من تحويل الانتفاضة إلى ثورة وطنية ديمقراطية، ترسي أسس الدولة الوطنية والديمقراطية، القادرة على التصدي للمشاكل الداخلية، ولحماية لبنان من أي عدوان خارجي، وبالتحديد من العدو الإسرائيلي، وتقطع الطريق على أخذ الفقراء إلى الإحباط واليأس والهجرة والخضوع لثقافة التعصب والاستتباع، مما يسهّل جرّ الانتفاضة إلى فوضى وصدامات مذهبية تخدم المصالح المشتركة للإمبريالية والرأسمالية المحلية التابعة لها.
هناك صعوبات في التشكيل الحكومي: العدد – الحقائب... إضافة إلى العقوبات. نتوقع، إمّا الاتفاق والسير "بالإصلاحات" مقابل بعض الدولارات وبالتالي، مزيد من التقشف والتدهور على الصعيد المعيشي وهو ما يتطلب مواجهته، وإمّا أن يعتكف أو يعتذر الرئيس المكلف، إذا لم يتم الاتفاق (عنوانها الظاهر، أزمة حقيبة المالية، إنما بالعمق، فهي تعكس تبايناً حول الصيغ البديلة لنظام الطائفية السياسية حتى بين الحلفاء). وهنا ستنشأ أزمة حكومية وسيشتد الضغط الخارجي ومخاطر الوضع الأمني معطوفاً على الاجتماعي. وهذا هو مأزق المنظومة السلطوية، وهكذا تتجلى بأسطع صورها أزمة النظام السياسي وتبعيته الذي لم يعد قابلاً للحياة، ولا الصيغ التي تطرحها من نوع الفدرلة (اللامركزية الموسّعة أو الثنائيات المذهبية، أو المثالثة قابلة بدورها أيضاً للحياة)، إذ أن ارتداداتها بدأت تظهر نوعاً من الصدامات داخل كل مذهب (اللوبيا – الطريق الجديدة – ميرنا الشالوحي – كفتون – البداوي...). يبقى الحل بيد الشعب اللبناني وقواه التي تعي جيداً صعوبة المواجهة وطبيعتها، وعليها سوف تقع مهمة المواجهة، وأن يتحمل الحزب وقوى التغيير الديمقراطي مسؤولياتهم التاريخية أيضاً في مواجهة الخطر المصيري والوجودي الذي يتهدد لبنان وكيانه، ومتابعة الجهود لإنجاز البرنامج السياسي المشترك البديل؛ برنامج الانتقال من الانتفاضة إلى التغيير، برنامج جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، برنامج التحرير والتغيير، على درب الانتقال من الانتفاضة إلى الثورة الوطنية الديمقراطية و بناء دولة علمانية، دولة المواطنة والديمقراطية بديلاً عن الدولة الطائفية التي يجري إعادة انتاجها من جديد، والتي ترسخ استمرار الوصايات الأجنبية وتأخذ البلاد نحو الفوضى، داعين الحزب بمختلف منظماته وقطاعاته إلى بناء أدوات التغيير على الصعد كافة، وفي كل المناطق و القطاعات ومجالات العمل، وتنظيم أوسع برنامج للنشاطات والتحركات والندوات مستفيدين من الذكرى الـ 96 لتأسيس حزبنا في 24 تشرين الأول، ومن الذكرى الأولى للانتفاضة في 17 منه.
المجد والخلود لشهداء حزبنا، وعلى دربهم ... مستمرون.

بيروت في 23- 9-2020
اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني