السبت، آب/أغسطس 13، 2022

كي تبقى الدرب واضحة...

  د.حسن خليل
فلسطين

ليس مستغرباً أن نشهد اليوم سقوط القيم واختلالها؛ هو مسار بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، حين أُعلن عن نهاية التاريخ، وبأن الصراع الأبدي بين منظومتي الخير والشر قد استقرّت على جانب واحد، هو الانتصار النهائي "للعالم الحر". هذا المسار كان قد بدأه وأعلن عنه رونالد ريغان الرئيس الأميركي، حين استعار من النص الديني مقولتيّ الخير والشر كي يبدأ معركته مع القطب المنافس له ويبني عليها سياساته العدوانية والتوسعية، مستعيناً بأمر السماء وقوانينها، والأديان وسلوكياتها المشتبه فيها، وأموال الشعوب المسلوبة من حكّامها والمهدورة على التآمر، وصولاً إلى ما جاهر به "كليم الله"، جورج بوش الابن، بأن ما يفعله هو تنفيذ لذلك الصراع الأبدي، التي قامت عليه البشرية منذ موقعة "التفاحة" وإلى يومنا هذا.

ليس مستغرباً أيضاً بأن يساس العالم وفق معايير متناقضة؛ تُقلب الحقائق وتُحوّر الحوادث ويُكتب التاريخ بلغة المصالح ويُصنع المستقبل ربطاً بمقاربات مصطنعة ومفبركة. هي معركة قيم وهذا صحيح، لكن، القضية أيضاً قضية خيارات سياسية ومسارات فكرية وايدولوجية، وعليه، التصويب يجب أن يكون متوافقاً مع التسديد؛ فلن يُصنع التاريخ بالتزوير ولا بقلب الحقائق، كما ليس بالسرديات المستعادة والمتكررّة باستمرار... للتاريخ صنّاعٌ حقيقيون وحدود معلومة؛ فبين القاتل والمقتول الخيار واضح، والفرق بين المقاومة والاحتلال جليّ لا لبس فيه. وبين السارق واللص والناهب وأصحاب الحق، وهنا أيضاً، الفروق واضحة ومن دون غشاوة. فليس بأفلام هوليوود ستتكوّن الحقيقة، بل بنتاج من صَنَع التاريخ بيده وعقله وقوة عمله؛ من سبارتكوس إلى عمّال شيكاغو وصولاً إلى الأسماء المنسية في أدغال أميركا اللاتينية ومجاهل أفريقيا وآسيا وغيرها... ممن شقّوا عصا الطاعة على الاحتلال والهيمنة وكسروها لمصلحة شعوبهم وحريتها، وفي وجه رأس المال وأصحابه ومريديه. معهم استقام المْنسِمُ واتضحت الصورة وأصبح المرتكب الحقيقي واضح الهوية بقوله وسلوكه وممارساته...

هي معركة قيم، وهذا ليس خاضعاً لمعايير القوة القاهرة بل لقوة المنطلقات ووضوح الأهداف. فالتاريخ لا يكتبه الأقوياء، بل من قاموا بالأعمال وقادوها؛ لن تغفل الأحداث عن لينين ولا عن كاسترو ولا عن مانديلا  أو ناصر أو لوثر كينغ وغيرهم... لقد أفردت لهم ما يستحقونه، وأعمالهم ومآثرها تكفلت بالبقية، وهي شاهدة تلف العالم طولاً وعرضاً. هو مسار تصاعدي، كانت القيم عنوانها الأبرز: التحرير، التحرر، التضامن، الحرية، كسر الهيمنة، فك التبعية، العدالة الاجتماعية، الاشتراكية... وغيرها من قيم تشبه مطلقيها وليس من ادعى ذلك. لقد تحولت إلى فعل ثوري واضح المنطلقات ومحدد الأهداف، وعليه دارت رحى تلك المواجهة التاريخية، حين اصطفت الشعوب خلف قضاياها، وعلى تلك الدرب كانت ترمي سهامها في تلك الموقعة؛ راكمت، على حالة الرفض الطبيعي للواقع، مبادئ وقيماً وفكراً وعلماً... من هنا كانوا وكنّا شيوعيين وثوريين ومناضلين ومقاومين وشهداء...؛ فقبل أن ينده ماركس ولينين وانجلز، نده البؤس المتوارث من آفات الاقطاع والرأسمال وسلوكهما المتوحش، مع كل ما يمثله ذلك من تسلط واستبداد وما يتطلبه من صبر وكد وتعب وحاجة وعوز... وقبل اللقاء والتقاطع مع ثورة أكتوبر وغيفارا وهو شي منه... كانت فلسطين، الواقعة على مرمى السمع والنظر، تعاني الاحتلال والتنكيل ومنها تعرفنا إلى مفاهيم التحرير والتغيير وميادينهما. وكانت ساحات العالم وميادينها تهتف للخبز والعلم والحرية والتحرر والتحرير. انتظمنا صفوفاً وراء الفكر، المقترن بالممارسة اليومية، وجعلنا منها فعلاً ثورياً باستمرار، يجدد ويتجدد ويتطور. وعلى تلك الدرب الشائكة مشينا وما تراجعنا، بل تقدمنا الصفوف والمهام، وكان ضوء الشمس يرشدنا حيث الاتجاه الصحيح. اشتغلنا في النور وكرهنا الظلام. درب مديدة لا نهاية لها، مفتوحة على خيارات ومسارات متشابكة ومتناقضة ومتقاطعة.

اليوم، ونحن على مسافة ذلك القرن من الزمان لبدء تلك المسيرة الخالدة، نجد بأن بعض قيمنا قد اختلّت، فتاهت بين التمسك الجذري بالمبادئ الأصيلة وبين التلهي بالقشور، فسقط بعضها على باب المصالح وتبعثر بين الأنانية والتمسك بحب الذات، ورياح باردة عصفت بالمنزل بعد أن حاولت خلع بعض أبوابه. لقد غزانا وهم المدنية والتحضر والاسقاطات المبتذلة، وجعلت من بعض قضايانا ترديداً لأصوات قادمة من عالم أصبح اليوم مخطوفاً بمفاهيمه ومنطلقاته وناسه، فوقعنا في فخ التماهي السطحي مع ذلك المستجد، فأعدنا صوغ فهمنا لها بصورة مشوشة عكس ما يجب أن نكون أو نقيضاً لها. لقد أصبح العدو على الباب أو ربما يحاول دخول بعض الغرف. فالتعامي عمّا يجري أخطر من الفعل نفسه. هو شبه مسار أصبحت بعض طرقه مختلّةً، مناقضةً لمنطلقات التأسيس. هي، ربما، تغريبة مرحلية نرجو بأن لا تطول. فالعودة إلى المنابع التي استقينا منها أكسير الحياة النضالية أصبحت مطلوبة اليوم وملحّة، لتقويم المسار وتطويره. لا مقاومة في وجه احتلال أو استعمار أو تبعية إلّا وكنّا في المقدمة، لا مظلومية تقع على صاحب حق إلّا وكنّا له ناصرين. انحيازنا إلى المظلوم ليس فعلاً أخلاقياً بل قرار واعٍ ومسؤول وعن سابق تصميم وقناعة. هو نحن، أتينا إلى ذلك النبع لننهل منه ما يُفيدنا ويطوّر مجتمعاتنا وبلداننا، أتيناه أيضاً كي نربح أنفسنا ونحولها إلى فعل يوميّ نضالي لا يهدأ ولا يستكين. فأية عملية قطع مع ذلك المسار هي تنكرٌ له، وهذا ما يوقعنا في الالتباس المعطّل والموصل إلى الخطيئة. المسألة هنا ليست وجهة نظر أو آراء؛ الأصل هو الأصل لكن التفاصيل اليوم وآليات ممارسة العمل النضالي ربما تخضع للتبدل في كيفية العمل وهذا ضروري، لكن هذا لا يُسقطْ بأن مقاومة الاحتلال والتدخل الخارجي ومشاريعه هي أساس، وكسر الهيمنة كما فك التبعية ليسا وجهَتًيْ نظر بل هما أيضاً أساس في بناء خياراتنا، وأن الانحياز إلى الأكثر تضرراً هي مسألة أساسية. هي منطلقات تأسيسية لفكر تحريري يطرح نفسه بديلاً، وليسوا وجهة نظر.

*****

نعيش اليوم في واقع متهالك وساقط بكل المعايير. ولكن الصورة أو المشهد لا ينتهيان هنا، ثمة عوامل أخرى في الخلفية؛ لم تأت السلطة الحاكمة في بلدنا وبكل مكوناتها نتيجةً لموازين قوى داخلية فرضتها أكثريات، شعبية كانت أم نيابية، بل هي مجتمعة في نظام واحد حتى ولو تباينت حول العديد من القضايا. جمعها النظام وطبيعته وإدارة الدولة والصفقات والمحافظة على جوهر الحياة السياسية اللبنانية القائمة على المحاصّة وتوزيع المغانم. لكن في المقلب الآخر، وربطاً بالعديد من القضايا والملفات هم ليسوا مجتمعين بل إنهم على طرفيّ نقيض. هي أحجية لبنانية صرفة؛ في القضايا المتعلقة بالصراع في المنطقة بشقّيه الأميركي/ الصهيوني والعربي ليسا معاً، لكن بممارسة الحكم والبقاء فيه هم شركاء. بقضية الموقف من المقاومة كمفهوم وممارسته كفعل هم متناقضون ولكن في الواقع، ولضرورات واهية نرى أن حماية الفاسد والمرتكب تكون بتوصيفه من جمهور أو قوى المقاومة. إن أولى ضحايا هذا السلوك لن يكون إلّا المقاومة، مفهوماً وتاريخاً وقوى، وستدفع الثمن والذي تجهد اليوم أكثرية القوى الداخلية اللبنانية ورعاتها ومموليها إلى النيل من تلك التي حققت انجازات التحرير والصمود.

هو مسار لم يكن بمحض الصدفة أو ردة فعل تنتهي مفاعيله عند انتفاء الفعل؛ هو ذلك الرد الواضح على مشروع الهيمنة والسيطرة التي اختطتها قوى الاستعمار الغربي منذ مئة عام ولمّا تنته بعد. الرد كان واضحاً وجلياً والاقتصاص من أصحابه المؤسسين والمتابعين لم يسقط من حسابات هؤلاء، وقد جهدوا لإنهائه أو لتشويهه من خلال نظم سياسية ملتبسة الوظيفة والانتماء، قائمة على تقديم الخدمات لقاء البقاء في الحكم، واليوم تتوسع دائرة هؤلاء لتشمل فئات اجتماعية بعينها: تفقّر وتحاصر وتجوّع لتسيطر، وتموّل وتدعم لتهيمن. الصورة واضحة لا لبس فيها. العودة إلى الأساس هي المطلوبة: لن تكون المقاومة حكراً على جمهور محدد أو طائفة أو مذهب أو حزب بل هي ملك صانيعها وهم كثر وعلى امتداد ساحات العالم وقضاياه. هي فلسطين والتحرير والتغيير وكسر الهيمنة وفك التبعية وهزيمة مشاريع الاحتلال وكسر إرادة الشعوب، هي محاربة الفقر وكسر التسلط والهيمنة، هي إطلاق طاقات الشعوب للانتفاض على واقعها المشوّه والمستلب... وتحت تلك الخيمة تلتقي جماعات وجماعات يجمع بينها القضايا وإن اختلف اللسان أو القول أو اللون. أما آن أوان الخروج من سجون المذاهب ومرتكزاتها إلى رحاب القضايا والهموم وميادينها؟ ربما السؤال يحمل إجابته: فبين كوبا وفيتنام تقع فلسطين، وهنا تكمن الإجابة التي نعتقد أننا، في أكثريتنا، عنها غافلون.

إن تلمس الخيط الأسود من الأبيض في واقعنا اليوم لا يلزمه كثير عناء؛ في لبنان والمنطقة الرؤية واضحة وغبار المواقف يلف الأجواء. مشروع ومسار وطرقات وخطوط ودول وجماعات... تتطاحن بعضها مع بعض من دون كشف حساب. عصفورية القتل المتنقلة لها مايسترو ولكن بأهداف متعددة؛ الفاعل معروف الاسم ومعلوم كامل باقي الهوية، والعنوان واضح، ومنذ بدء مسار القرن العشرين هو واحد: إمبريالية غربية بمشاريع متعددة وأهداف متبدلة. الثابت هو مصالح العدو الصهيوني والذي طرأت على وظيفته قضايا كثيرة، منها ما فقدها بنتيجة الهزائم المتتالية كوظيفة الردع ومنها ما بقي مستمراً كمسار سياسي يجري تطويره من خلال إدماج الكيان بمحيطه ومن بوابة التطبيع. الفرق واضح والمسارات بائنة؛ لا ضير من بعض التبصّر كي تكون الصورة أفضل وعليها يكون الخيار ويتكوّن، وحتماً، عندها، ستكون الدرب شديدة الوضوح.  فهل ننتقل من دائرة التوصيف إلى الفعل؟ هذا ليس سؤالاً بانتظار جواب. هو عملية ربط بين مسيرة قرن من النضال، كان فيها اليسار العربي موجوداً في كل الساحات: المقاومة بأنواعها وأشكالها، ضد الأحلاف الاستعمارية القديمة منها والمستجدة. كان يتقدم خطوط المواجهات، من العراق مروراً بسوريا ولبنان إلى مصر والجزائر ودوماً صوب فلسطين. هو مسار التحرر الوطني والسعي لبناء مقومات الانفكاك عن مراكز الرأسمال العالمي وبناء دوله الوطنية... لقد انقطع ذلك الحبل السري بين القضايا الكبرى واليسار أو بعضه، فاختلّت المواجهة وتعددت قضاياها وانحرفت في كثير من الأحيان وتاهت. اليوم خطوط المواجهة بائنة ومُعلنة، فلماذا التردد في المبادرة؟ هو سؤال برسم كل من يعتبر بأن اليسار هو البديل المطلوب ويعمل على ذلك...

[1]  عضو المكتب السياسي، مسؤول العلاقات السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني