الأربعاء، تشرين(۱)/أكتوير 21، 2020

ولماذا الدولة المدنية؟

رأي
العطب بلغ النخاع الشوكي، إذن لا بدّ من زرع آخر، ربما بدأت ارهاصاته منذ 17 تشرين الأول، سنبني على المتيسر منه، ولنبدأ مسير جلجلة القرن القادم... ثمة رهان لا يزال قائماً، وفي الجعبة بقية من سهام... سنصل إلى الهدف وإن طالت المدة لبعض الوقت...

بين إعلان، قيام دولة "لبنان الكبير" وإعلان قيام "الدولة المدنية" في هذا "الكبير"، مئة عام من الزمان. هي جملة نطق بها رئيس البلاد بالأمس. وإذا تمعنا أكثر في المضمون نجد، ومن موقع المتفائل، بأن طرح هذه النقلة النوعية بطبيعته جيد، لكن، كيف لهذه الفكرة أن تنمو في مزارع المذاهب والطوائف ورعيانها، كيف لها أن تطرح ثماراً، فيما الخطاب المذهبي "يلعلع" مواقف وانقسامات وحتى رصاصاً؛ يجرف معه معزوفة "العيش المشترك" والتنوع وويكسر جناحي الطائر الذي يطير بهما هذا "الفريد". كيف لهذه الفكرة أن تُعطي أُكلاً، فيما الفرز بلغ حدّ التصنيف "الحضاري" وحب الحياة والتبرؤ ممن يعاكسهما، وهو بالمناسبة يقيم معهم، وتحت الخيمة نفسها. كيف لهذا المصطلح أن ينمو في مستنقعات الفرز والضم والهويات القاتلة، وليس ثمة من يعقل ويتوكل ويقول كلمة سواء، ممن يطمح برغد الدنيا أو من يراهن على الآخرة.
خيراً فعلت يا فخافة الرئيس بطرحك هذا الشعار ولكن، وهنا تكمن العلّة؛ كيف لحوار مع زعماء الطوائف وأسيادها أن ينتج دولة مدنية؟ هو سؤال لا بدّ من طرحه، فالجواب هنا معروف. قيام الدولة المدنية ليست مجرد ردة فعل على فعل معاكس، وليست آلية ضغط لفرض موضوع ما أو لتسهيل مهمة معينة؛ هي، قبل هذا أو ذاك، مسار سياسي واجتماعي وقانوني يمس بجوهره طبيعة النظام السياسي المعمول فيه في لبنان وجوهره ووظيفته. هي، اسقاط الطائفية السياسية واقتلاعها من جذورها، هي، قانون وطني للانتخابات النيابية خارج القيد الطائفي، هي، قانون للأحزاب على أساس وطني، في التركيبة والبرنامج والمنتسبين، هي، قانون مدني للأحوال الشخصية، وهي، أيضاً، الجامعة الوطنية والمدرسة الرسمية والمناهج الموّحدة.... واللائحة تطول ك لتمحى قرناً من الزمن تأصلت فيه المذهبية والطائفية وتجذرت في تربة عصيّة على الاصلاح.
خيراً فعلت يا جنرال، ولكن، كيف لمن تريد أن تستشيرهم، من خلال حوار جامع، أن يعطوك ويعطوا الشعب اللبناني دولة مدنية ستطيح بامتيازاتهم، وتذهب بمصدر قوتهم والذين ما انفكوا يحكمون بها باسم الأرض والسماء، فبوابات الخلاص من آثام الحياة مفاتيحها بأيديهم، يمنحونها صكوك غفران يمنحوها لمن يشاؤون ومن غير حساب. كيف لهم، وهم تجدهم مستنفرين مثيرين للفتنة حين تطل في منطقة ما، فيستحضرون من التاريخ أبشع ما فيه. كيف لهم أن يعطوا موافقة على أمر، فيما لو طُبّق لكانت أكثريتهم في السجن ولأسباب مختلفة. كيف لهم أن يباركوا انتقالاً سلساًّ، من دولة المزارع، والذين هم أسيادها، فرادة أو مجتمعين، إلى أخرى تقوم على المواطنة، وهم اليوم ينتفضون غضباً عندما يُذكر اسم فاسد من ملّتهم مطلوب للعدالة، يقيمون الدنيا و لا يقعدونها، ويضعون الحرم المذهبي عليه مانعين مس شعرة من شعره، مستنفرين عدتهم وعديدهم من سياسيين ورجال دين ودنيا وآخرة وإذا استوجب الأمر فشوارع الطوائف جاهزة لتلقف كرة النار تلك، فترى جمهور الفقر يتصارع بعضه مع البعض الآخر، وإذا سألت أحدهم عن السبب، فمن المؤكد بأنك لن تنال منه جواباً واضحاً أو موحداً، فالغريزة كانت المحرك.
ليس الأمر بهذا التعقيد؛ فثمة مسار أسهل وأفعل: أنتم، تملكون أكبر كتلة نيابية، فلتضع مشاريع القوانين المناسبة والمطلوبة لهذا الانتقال "السلمي" إلى دولة المواطنة، ووفق الأطر المعمول بها اليوم، وإذا كان هناك ثمة من يعارض، استنجدوا "بشعب لبنان العظيم" وسيلبي النداء. أحرجوا الجميع وبالعلن، وليتم الفرز على هذا الأساس. ساعتها يمكننا وبسهولة معرفة من يعرقل، وعليه اتركوا للشعب المحاسبة وإنزال العقاب. وهنا يستقيم المنسم وتعتدل الكفة، فالفرز الحقيقي متى تمّ وبوضوح، تصبح المواجهة أجدى وأنضج، وربما، أسهل.
هي مئة عام من العمر بلغها هذا "اللبنان"؛ فيها من الخيبات كثير، ومن المحطات المضيئة بعض يُعتد به، عاش حروباً وتوتراتً ومناكفات، استمر ككيان ولكن لم يبن دولة ولا سلطة ولا قانون ولا سيادة، ولم يحرز أي استقلال، وكما لم ينجز أي نقلة نوعية في بنية نظامه السياسي وطبيعته ووظيفته. نعم لم تبن تلك الدولة المنشودة، لكن غيابها، ربما أعطى لهذا البلد نقاطاً مضيئة يتشرف بها كل مواطن حر وشريف؛ نعم ردّ الشعب اللبناني على غياب الدولة وتقصيرها في الدفاع عن لبنان بوجه العدو الاسرائيلي، بحجة "القوة في الضعف" – التي كانت سائدة كموقف رسمي اعتمده السلطات الرسمية – بمقاومة وطنية امتدت على مساحة القرن من عمر البلد، بدأت في وجه الانتداب نفسه واستكملت في وجه عصابات الهاغانا ووصلت إلى المواجهة المباشرة مع الاحتلال عندما اجتاح أكثر من نصف مساحة الوطن، وأنجزت التحرير من دون قيد أو شرط. نعم لقد ردّ الشعب اللبناني على الحرمان والانحياز التي مارسته تلك المنظومة المتحكمة، فكانت المبادرات الشعبية، وبشعارات التضامن والتضافر والعمل المشترك، منارات لفّت حدود الوطن من جهاته الأربع. لقد كانت الشوارع مسرحاً لمئات آلاف الحناجر تصدح للعلم والخبز والحرية. هذا بعض من فيض ما فعله الشعب اللبناني، المتروك من هيكل قيل عنه في يوم من الأيام أنه "دولة"
ونحن نلج المئوية الثانية، فهل يصبح طرح الدولة "المدنية" بديلاً عن تلك "المذهبية" وبداية لمسار جديد؟ نأمل ذلك، لكن الشك يحوم وبقوة، الاعوجاج الحاصل يلزمه كثيراً من الوقت كي يتم إصلاحه؛ العطب بلغ النخاع الشوكي، إذن لا بدّ من زرع آخر، ربما بدأت ارهاصاته منذ 17 تشرين الأول، سنبني على المتيسر منه، ولنبدأ مسير جلجلة القرن القادم... ثمة رهان لا يزال قائماً، وفي الجعبة بقية من سهام... سنصل إلى الهدف وإن طالت المدة لبعض الوقت...

*عضو المكتب السياسي، مسؤول العلاقات السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني


بيروت في 31/8/2020