|
1 ـ جوهر حركة المقاومة و أهدافها:
ـ لقد شكلت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ظاهرة نوعية غير عادية في
تاريخنا، فهي انطلقت كتجسيد حي للمعاني الكفاحية لشعبنا و لحزبنا في
النضال من أجل تحرير الارض من الاحتلال الاسرائيلي و كواجب وطني و
ثوري.
ـ ان الهدف المباشر و المهمة الاولى للمقاومة كان تحرير الارض من
الاحتلال دون قيد أو شرط، و تحقيق السيادة الوطنية الكاملة على تراب
الوطن.
ـ و نظراَ للتلازم بين الاحتلال و مشاريعه و أهدافه في لبنان، و بين
المشاريع الداخلية المرتبطة به، وصولاَ لتنصيبه بشير الجميل رئيساَ
للجمهورية، كان لا بد من تلازم شعار التحرير مع شعار التغيير الداخلي
أي تلازم النضال ضد الاحتلال مع النضال ضد عملائه في الداخل.
ـ و باعتبارها مهمة كبرى تحتاج الى قدرات و امكانيات كبيرة، تفوق
امكانيات الحزب وحده، لأنها تواجه عدواَ قوياَ و يحمل اطماعاَ توسيعية،
كان لا بد من العمل على أن تنخرط كافة القوى بها، و حشد طاقات الشعب
اللبناني كله وراءها من جهة، و من جهة ثانية تتطلب استخدام كافة اشكال
النضال و في المقدمة منها الشكل الأرقى و هو المقاومة العسكرية.
2 ـ جذور المقاومة: المقاومة ظاهرة تراثية:
ـ انطلقت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، بعد دخول القوات
الاسرائيلية الى العاصمة بيروت، في 16 أيلول اثر البيان الشهير، و بدأت
عملياتها الاولى في بيروت في 20 ايلول.
ـ الا ان هذه المقاومة لم تكن وليدة تلك اللحظة فقط، او مقطوعة من شجرة
و من دون تاريخ او عفوية عند اللبنانيين و بمعزل عن الدور الريادي و
الطليعي للحزب الشيوعي.
ـ انها ظاهرة ترتبط بمجمل نضال الشعب اللبناني، كما ارتباطها بنضال
القوى التي اطلقتها، فهي بالتالي غير عفوية و لها خلفياتها السياسية و
الفكرية و النظرية.
ـ و مهما بدت لحظة انطلاقتها نوعية الا انها ليست من دون جذورـ حيث لا
توجد حركة في التاريخ او ظاهرة من دون جذورـ فمواجهة المشاريع
الاستعمارية يعود الى تاريخ وجود هذه المشاريع، كما هو الحال ايضاَ
بالنسبة الى اسرائيل و المشاريع الداخلية التي ارتبطت بها.
ـ لذلك، فان الحديث عن النوعية في عمل المقاومة باعتبارها كذلك هو حديث
عن محطة من مجمل المسيرة الكفاحية للشعب اللبناني منذ عاميات انطلياس
عام 1820/
1840/
و ثورة طانيوس شاهين عام 1858/
و الثورة ضد الانتداب الفرنسي(الثورة السورية الكبرى عام 1925)/
و انتفاضة 1958 ضد الاحلاف الاستعمارية/
الى تشكيل الحرس الشعبي عام 1970/
الى كافة اشكال المقاومة و التصدي للاعتداءات الاسرائيلية حتى عام
1982.
ـ في ذروة الهجمة الاسرائيلية على لبنان كان لا بد ان يكون رد الفعل
كبيراَ و شكلاَ نوعياَ.
3 ـ عوامل مباشرة لنشوء المقاومة:
ان هذه الحركة المتوجة لمسار طويل من النضال كان لها عدة عوامل مباشرة
عجلت بنضوجها الذاتي و الموضوعي:
العامل الاول:
وجود الثورة الفلسطينية و نشاطها السياسي و العسكري اللذان ساعدا على
ممارسة الكفاح المسلح و التدريب على حمل السلاح، حيث كانت اولى
المقاومات اللبنانية المسلحة الحرس الشعبي بما هو قرار وطني لبناني
مستقل في حمل السلاح لمقاتلة العدو الاسرائيلي بشكل منظم.
العامل الثاني:
الخرب الاهلية اللبنانية عام 1975 حيث لجأت القوى الفاشية الى العنف
مما دفع الجماهير الشعبية بقيادة القوى الوطنية الى استخدام السلاح و
العنف الثوري، و هذا ما اكسب الجماهير الشعبية و الحزب الشيوعي خبرة في
القتال.
العامل الثالث:
الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 و المواجهات البطولية له. فقد وضع
الاجتياح مهمة التصدي له، و شكلت تجربة صمود بيروت تراثاَ عسكرياَ و
نضالياَ ابدع اشكالاَ جديدة من المقاومة. لذلك جاءت الانطلاقة للجبهة
كتتمة مباشرة لتلك الملحمة و مباشرة بعدها.
4 ـ دور الحزب الشيوعي اللبناني:
ـ لا يمكن الحديث عن ارتباط المقاومة بالذات الكفاحية للشعب اللبناني
من دون الحديث عن دور القوى الثورية و بالتحديد الحزب الشيوعي.
ـ اذ من الوجهة التاريحية و العملية شكل الحزب الشيوعي اللبناني منذ
تأسيسه عام 1924 خزاناَ حياَ للنصال المعاصر للشعب اللبناني. فبرنامجه
و سياسته شكلا دوماَ التعبير المباشر عن طموحات الجماهير ضد: الانتداب
ـ الرجعية الداخلية ـ اسرائيل.
و تاريخه الخاص يشكل نموذجاَ مختصراَ لتاريخ شعب. لذلك غريباَ ان يكون
هو المبادر في رفع شعار المقاومة و ممارسة هذا الشعار.
ـ اذن انطلاقة المقاومة بمبادرة من الشيوعيين يلغي كونها عفوية من جهة
و يؤكد من جهة ثانية انها حركة واعية اطلقتها قوى سياسية تستند الى
نظرية ثورية و لها تاريخ هو تاريخ شعب و تاريخ حزب.
5 ـ مسار المقاومة و سماتها النوعية:
يمكن تقسيم المسار الذي سلكته جبهة المقاومة الى 4 مراحل ـ محطات:
سياسية و عسكرية.
أ ـ المرحلة الاولى: الانطلاقة و تحرير بيروت:
ـ انطلقت المقاومة في 16 ايلول اثر البيان الشهير الذي دعا الى قيام
جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال بما هي المهمة التاريخية
الاولى امام اللبنانيين.و كان ذلك حدثاَ نوعياَ، ليس لانه يدعو لقتال
العدو فقد كانت هناك مواجهات بطولية و عمليات عسكرية كبيرة ضد العدو
ائناء تقدمه و اثناء حصاره لبيروت، بل لان جبهة المقاومة قدمت نفسها
للشعب اللبناني كحركة تحرير، ذات نهج ثوري جديد، و اسلوب في الكفاح
مختلف نوعياَ عن التجارب السابقة.
ـ لقد اكد ذلك حضور القوى الثورية و استمرارها، و اكد ان مقاومة
العدوان لا تنحصر في مواجهته، و ان مهمتها هي القضاء على اهدافه، و ان
الصراع لن يتوقف بل يستمر بشكل و محتوى جديدين.
ـ لقد دخلت اسرائيل الجنوب، و جبل لبنان، و حاصرت العاصمة بيروت ثم
دخلتها بعد رحيل قوى الثورة الفلسطينية، بذلك ارخت ظلالاَ من اليأس و
الاحباط و الانكسار على الجو الشعبي و السياسي العام. لذا كانت
الانطلاقة بعكس التيار، لا بل ضد الوضع القائم يومها. و هي بذلك شكلت
اهمية معنوية للقوى السياسية و للجماهير على حد سواء. دفعتها من حال
اليأس و الاحباط و الفعل السلبي الى الفعل الايجابي لتغيير الواقع و
عدم الاستسلام.
ـ العمليات الاولى في بيروت و كثافتها كانت لها اهمية مزدوجة معنوية و
عسكرية، فقد اثارت الرعب في قلوب جنود العدو الذي سرعان ما ادرك انها
مقاومة منظمة و قادرة و بأنها حرب انصار حقيقية، لذلك عجل بانسحابه من
بيروت منادياَ بمكبرات الصوت و معلناَ عجزه امامها من جهة. و من جهة
ثانية كانت رافعة معنوية للجماهير الشعبية و القوى السياسية و باعثة
على الامل بإمكان تغيير الواقع.
ب ـ المرحلة الثانية: تحرير الجبل و الجنوب حتى الشريط المحتل نيسان
1985:
ـ هذه المرحلة تجسدت فيها المقاومة كحركة تحرير، و ظهرت هويتها و
طابعها و نوعية اسلوبها.
ـ بعد تحرير بيروت توسعت العمليات في سائر المناطق و بسرعة تحولت
المقاومة الى مقاومة شعب، قلما شهد العالم و حركات التحرير هذا النمو
السريع للمقاومة: عسكرياَ و شعبياَ و تأييد القوى السياسية.
ـ كان على الشيوعيين في هذه المرحلة انجاز عدة مهمات في آن معاَ. اذ
ليست المسألة فقط عدم التخلف عن الدور الطليعي او التاريخي في اطلاق
المقاومة، بل كذلك في شكل ممارسة الكفاح داخلها و في تقديم نموذج جديد
ايجابي بعد ان علق في ذهن الناس النموذج الاستعراضي و الاعلامي...الخ.
ـ كان لا بد من تجاوز الفئوية خصوصاَ في الاعلان عن العمليات و الشهداء
و المعتقلين و الاحتفال بذكراهم. كذلك لا بد من الابتعاد عن الاشكال
الاستعراضية و المراكز العلنية و رسم علاقة خاصة مع الناس تحميهم دون
ان تلحق الاذى بهم.
ـ بالمقابل كان لا بد من اثبات ان هذه المقاومة و بوسائلها البسيطة
قادرة على هزيمة جيش مدجج بالسلاح و بالآلة العسكرية المتطورة و هذا
يتطلب مهارات عسكرية و روح نضالية و تضحية عالية و انخراط واسع في
صفوفها.
ـ كان لا بد من تنظيم وضع جديد (حرب انصار و تنظيم سري) داخل المناطق
المحتلة و خلف خطوط العدو، لا تجربة سابقة فيه، و لا امكانيات عسكرية و
مادية، قابل للاستمرار و الصمود امام الخسائر و الاعتقالات و الملاحقات
في حزب علني، و ذلك لأعوام لأن المهمة شاقة و صعبة و طويلة.
ـ ان وضع الحزب الخاص: المتمثل بالانتشار الواسع في جميع المناطق
المحتلة، و تمتعه بوجود كفاءات و قيادات سياسية و عسكرية و شعبية
متنوعة سهلت تعبئة جميع الناس. اضافة الى الامكانيات القتالية و الطاقة
الكفاحية و النضالية للشيوعيين و استعدادهم للتضحية و العطاء دون تردد.
هذا الوضع الخاص للحزب جعل من المقاومة ذات خصوصية مكنها من الانتشار
السريع عسكرياَ، اضافة الى تحولها الى حركة جماهيرية.
ـ في هذه المرحلة جرت انتفاضة شباط ضد نظام امين الجميل. كما كانت حرب
تحرير الجبل. و جرى اسقاط اتفاق 17 أيار.
ج ـ المرحلة الثالثة: من نيسان العام 1985 الى العام 1992:
في هذه المرحلة واجهت جبهة المقاومة وضعاَ سياسياَ و عسكرياَ جديداَ.
ـ سياسياَ:
ـ على المستوى الوطني، شهدت المرحلة بدايات تعزيز و تغليب المناخات
الطائفية على المناخات الوطنية. و منها كان استئثار حركة امل بعد
التحرير بأمن الجنوب. و التضييق على الشيوعيين وصولاَ الى تهجيرهم عن
المنطقة.
ـ على مستوى المقاومة، اغرقت المقاومة بالفئوية، حيث بدأ الاعلان عن
العمليات بأسماء القوى، و جرت سرقة العمليات و الشهداء، اضافة الى
العمليات الوهمية و الاعلامية، ناهيك عن العمليات الاستعراضية.
ـ عسكرياَ:
ـ علاوة على انحصار وجود العدو في مناطق الشريط المحتل حيث ضاقت الرقعة
الجغرافية، و بالتالي قلت حركته، لجأ العدو الى مواقع اكثر تحصيناَ، و
اصبح اكثر قدرة في السيطرة على المناطق المحتلة و مراقبة حركة الناس
فيها، و وضع العملاء على الخطوط الامامية متراساَ يحمي به جنوده.
ـ الوضع الجديد بات يتطلب اسلوباَ عسكرياَ مختلفاَ عن السابق، بات
يتطلب قدرات قتالية عالية لاقتحام المواقع، و كفاءة باستخدام التسلل
خلف الخطوط دون الوقوع في الكمائن و التقليل من الخسائر. و كل ذلك
يحتاج الى وجود مرتكزات على مشارف المناطق المحررة للانطلاق، و هو ما
قد تم اضعافه بسبب تهجير الشيوعيين، اضافة الى نصب كمائن للمقاومين
اثناء الذهاب او العودة او لمنعهم من تنفيذ مهمتهم.
ـ في مواجهة الازمة تحمل الشيوعيون الضغوط و الابعاد و الاعتقال و
استمروا. و تكيفوا مع الواقع الجديد حتى كان عام 1986 عام استعادة دور
الشيوعيين في المقاومة، و لم تنجح كل المحاولات في تحوير المقاومة عن
دورها، و لا في اضعاف دور الشيوعيين فيها.
ـ مع العام 1987 رفع شعار الانتقال بالمقاومة نحو التحرير، و هذا
الشعار يتطلب تطوير عمليات المقاومة و اسلوبها نوعياَ و قتالياَ و
الارتقاء من الاغارة و الكمين الى الاقتحام و السيطرة على المواقع. و
بالفعل جرت عدة عمليات نوعية بهذا الاتجاه استمرت متصاعدة حتى العام
1989.
د ـ المرحلة الرابعة: مرحلة الازمة و محاولات استئناف دورنا في
المقاومة.
ـ مع نهاية العام 1989 كان وضع الانهيارات الثلاث: المنظومة
الاشتراكية، حركة التحرر العربية، و سقوط المشروع الوطني الديمقراطي،
قد بدأ يرخي بثقله على وضع الحزب، كما ساهم انهاء القوى العسكرية في
الحزب و تسليم الاسلحة، و عودة الحياة السلمية ـ المدنية الى لبنان بعد
اتفاق الطائف ساهم في اضعاف عمل المقاومة.
ـ و مما زاد في ذلك، بداية تنامي قوة حزب الله في المقاومة مدعومة من
السلطة و سوريا في حين كان نصيب الشيوعيين في هذه المرحلة اعتقالات على
نقاط التسلل و سحب الاسلحة و ابعاد و تهميش، حتى بتنا مع بداية عام
1992 امام عجز عن الاستمرار. رغم ان قرارات مؤتمرات الحزب و قيادته
استمرت بمحاولات العودة او الحفاظ على دورنا.
ـ جرت محاولات عديدة لاستئناف دورنا، على ضوء امكانياتنا، اواسط العام
1998 و استمرت حتى التحرير في 25 ايار 2000 حيث تمكنا خلال هذه الفترة
من اعادة تكوين نواة لعمل المقاومة استطاعت القيام بعدة عمليات.
ـ دور الشيوعيين في عملية التحرير الشعبية الاخيرة.
اساليب القتال و اشكاله:
هذا التراث النضالي الغني ابتدعه الشيوعيون افراداَ و جماعات، و
اختبروه يوماَ بيوم، و تفننوا فيه مستخدمين كل الوسائل من البدائية الى
الاساليب المتطورة و المعقدة.
كانت العمليات تتم اما بواسطة افراد او مجموعات صغيرة او مجموعات
كبيرة. في اطار عمل معقد من التنظيم لم يستطع العدو اختراقه. و استخدمت
الوسائل البدائية أول الامر، رغم خطورتها على حياة المقاتلين، من
الفتيل البطيء و الصاعق الكهربائي و المتفجرات الشعبية الى ان جرى
تطوير هذه الوسائل بالامكانيات الذاتية. و تقدم الشيوعيون لمواجهة
العدو وجهاَ لوجه بالاغارة و الكمين الى الاقتحام الى استخدام العمليات
الامنية.
الدور الشعبي في عمل المقاومة:
لم يكن عمل المقاومة يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل كانت المواجهات
الشعبية و الجماهيرية الرافد الآخر لعمل المقاومة و التي تطورت مع
تصاعد العمليات العسكرية و تحولت الى مواجهات شعبية واسعة تشترك فيها
عدة قرى متضامنة مع بعضها حتى شكلت احزمة و درعاَ حصيناَ للمقاومين و
الخزان المغذي لهم بفعل ما احدثته من حركة احتجاج شعبي واسع و روح
قتالية و نضالية ضد العدو.
ان مساهمة الحزب في هذا الميدان لم تكن اقل شأناَ منه عن الشأن
العسكري. خصوصاً انها كانت في وعيه منذ البدء كأساس لتحول المقاومة الى
حركة تحرير. لذا لعب الشيوعيون الدور المحرض و المعبىء و المنظم و
احياناَ الدور المستدرج لهذه المواجهات. و كانت اولى المواجهات في
برجا.
ـ و في هذا الساق تم تشكيل انصار جبهة المقاومة لتقوم بمهمة التعبئة
الشعبية و الجماهيرية و الدور المساند.
الدور المقاوم في المعتقلات:
داخل السجن و المعتقلات كان الشيوعيون بالآلاف يتابعون نضالهم كما
كانوا في الخارج. و لم يكونوا اقل بأساَ في مواجهة جنود العدو رغم ظروف
الاعتقال والسجن، بدءاَ من الصمود في وجه الجلادين وصولاَ الى
الانتفاضات و المواجهات التي قاموا بها داخل المعتقلات. حتى انقلب
السجن من مكان للقيد و منع النضال الى مكان للاعداد النضالي و الثوري
تجري فيه الاحتفالات الوطنية و النشاطات الادبية و الفنية و الرياضية و
المنحوتات الفنية و له وسائله الاعلامية. |